الرئيسية بلوق الصفحة 163

من هم الرازقون في قوله تعالى (خير الرازقين)؟وبيان الفروقات بين رزق الله ورزق خلقه

من هم الرازقون في قوله تعالى (خير الرازقين)؟وبيان الفروقات بين رزق الله ورزق خلقه

السؤال:

إذا كان الله ” خير الرازقين “: من هم الرازقون؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ذكر الله تعالى عن نفسه أنه ( خَيْر الرَّازِقين ) في خمسة مواضع وهي: المائدة/ 114، الحج/ 58،  المؤمنون/ 72 ، سـبأ/ 39 ، الجمعة/ 11.

 

ثانيًا:

ولم يمنع إطلاق صفة الرزق وفعلها على رب العالمين أن تُطلق على المخلوقين، كما في قوله تعالى ( وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ ) البقرة/ 233، وقوله (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا ) النساء/ 5، وقوله ( وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلا مَعْرُوفا ) النساء/ 8.

ولذا تجد معنى ” الرازقين ” في كتب التفسير : السلطان، والسيد، والوالد، والقريب الغني.

وليس ذلك بمشكل عند أهل العلم؛ لأننا نعتقد أن الفرق بين رزق العباد ورزق الله تعالى هو الفرق بين المخلوق والخالق، والعبد والمعبود، وهو كما وصف الله تعالى نفسه بالعلم ووصفه عباده بالعلم، وعلم العباد سُبق بجهل ويلحقه نسيان، وأما الرب تعالى فلا يضل ولا ينسى، وهو – أيضًا – كما وصف الله تعالى نفسه بالخلْق ووصف عباده به، وخلْق العبيد ليس من العدم إنما هو تحويل مادة لأخرى، وهو خلق ناقص كنقصهم، وقاصر كقصر أفهامهم، وقابل للهلاك كقابليتهم -.

 

ثالثًا:

وبتأمل قاصر للفرق بين رزق الله تعالى لخلقه ورزق العباد تتبين فروقات عظيمة، وبه يُعلم أنه إنما أُطلق على العباد لفظ ” الرزق ” وفعله بحسب حالهم اللائق بهم من الفقر والضعف والحاجة والعبودية.

ومن هذه الفروقات:

  1. رزق الله تعالى لا ينفد، وأما رزق العباد فمهما عظم فهو قابل للنفاد.

قال تعالى ( مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ ) النحل/ 96.

  1. رزق الله تعالى لا يُقطع عن الكافر والفاجر، والعباد لا يرزقون المخالف لهم فضلًا عن الشاتم لهم والكافر بهم.

قال تعالى: ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) البقرة/ 126.

وعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ أبي موسى الأشعري قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم (مَا أَحَدٌ أَصْبَرَ عَلَى أَذًى يَسْمَعُهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ لَهُ نِدًّا وَيَجْعَلُونَ لَهُ وَلَدًا وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَرْزُقُهُمْ وَيُعَافِيهِمْ وَيُعْطِيهِمْ ). رواه مسلم ( 2804 ).

وقال تعالى ( كُلاًّ نُمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا) الإسراء/ 20.

* قال الحسن البصري – رحمه الله -:

كلاًّ نعطي من الدنيا: البرّ والفاجر . ” تفسير الطبري ” ( 17 / 411 ).

  1. رزق الله في الدنيا والآخرة، ورزق العباد محدود بقدر يسير وفي الدنيا فقط.

قال تعالى ( وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) البقرة/ 25.

  1. رزق الله لكل مخلوقاته حتى البهائم، والعباد لا يملكون ذلك مهما بلغت أموالهم .

قال تعالى ( وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ) هود/ 6، وقال ( وَكَأَيِّن مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) العنكبوت/ 60.

  1. رزق الله مخلوق من عدم – ومنه المطر والذهب والثمر – ولم يكن بيد غيره قبله بلا شك ولا ريب، ورزق العباد موروث عمن قبلهم وتتناقله الأيدي، ولا يخلقون شيئاً من عدم.

قال تعالى ( أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ) الرعد/ 16، وقال  ( أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ. أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ ) الواقعة/ 68 ، 69.

  1. رزق الله تعالى مملوك له لا يشاركه فيه أحد، ورزق العباد ملَّكهم الله تعالى إياه، ولولا تسخير الله تعالى لهم أسبابه ما ملكوه.

قال تعالى ( وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلا يَسْتَطِيعُونَ ) النحل/ 7 ، وقال ( وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ) النور/ 33، وقال ( وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ) الحديد/ 7 ، وقال ( وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ ) فاطر/ 13.

  1. رزق الله لكماله وعظمته ورحمته، ورزق المخلوق لفعل واجب أو تحصيل ثناء أو رجاء ثواب، ولو ملك الإنسان خزائن الرزق لبخل بالإعطاء.

قال تعالى ( قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْأِنْفَاقِ وَكَانَ الْإنْسَانُ قَتُورا ) الإسراء/ 100 .

  1. رزق الله مادي ومعنوي، فهو يرزق الخلق المطر والثمر ويرزقهم الإيمان والقناعة والسعادة، وإذا ملك العباد بعض الرزق المادي فأنَى لهم رزق غيرهم الرزق المعنوي؟!.

قال تعالى ( زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) آل عمران/ 212.

* قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

قال تعالى ( وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) فالرزق الدنيوي يحصل للمؤمن والكافر، وأما رزق القلوب من العلم والإيمان ومحبة الله وخشيته ورجائه، ونحو ذلك: فلا يعطيها إلا من يحب . ” تفسير السعدي ” ( ص 95 ).

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعود قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ ( إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يُرْسَلُ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ بِكَتْبِ رِزْقِهِ وَأَجَلِهِ وَعَمَلِهِ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ ). رواه البخاري (3036 ) ومسلم ( 2643 ).

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

( رِزْقه ) الرزق هنا: ما ينتفع به الإنسان وهو نوعان: رزق يقوم به البدن، ورزق يقوم به الدين.

والرزق الذي يقوم به البدن: هو الأكل والشرب واللباس والمسكن والمركوب وما أشبه ذلك.

والرزق الذي يقوم به الدين: هو العلم، والإيمان، وكلاهما مراد بهذا الحديث.

” شرح الأربعين النووية ” ( ص 101 ، 102 ) طبعة الثريا.

ولهذا فإن الرازق والرزاق على الحقيقة هو الله وحده لا شريك له، وقد استدل الله برزقه للعباد على إبطال الشرك وتسفيه المشركين، فقال تعالى ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ).

 

 

 

 

رابعًا:

ونختم جوابنا هذا برائعة جامعة في الموضوع:

* قال الدكتور عبد الله دراز – رحمه الله -:

اقرأ قوله تعالى ( وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) البقرة/ 222 ، وانظر هل ترى كلاماً أبين من هذا في عقول الناس، ثم انظر كم في هذه الكلمة من مرونة:

فإنك لو قلت في معناها:

  1. إنه سبحانه يرزق من يشاء بغير محاسب يحاسبه ولا سائل يسأله لماذا يبسط الرزق لهؤلاء ويقْدِره على هؤلاء: أصبتَ.
  2. ولو قلت: إنه يرزق بغير تقتير ولا محاسبة لنفسه عند الإنفاق خوف النفاد: أصبتَ.
  3. ولو قلتَ: إنه يرزق من يشاء من حيث لا ينتظر ولا يحتسب: أصبت.
  4. ولو قلت إنه يرزقه بغير معاتبة ومناقشة له على عمله: أصبتَ.
  5. ولو قلتَ: يرزقه رزقًا كثيرًا لا يدخل تحت حصر وحساب: أصبتَ.

فعلى الأول: يكون الكلام تقريراً لقاعدة الأرزاق في الدنيا، وأن نظامها لا يجري على حسب ما عند المرزوق من استحقاق بعلمه أو عمله، بل تجري وفقًا لمشيئته وحكمته سبحانه في الابتلاء، وفي ذلك ما فيه من التسلية لفقراء المؤمنين، ومن الهضم لنفوس المغرورين من المترفين.

وعلى الثاني: يكون تنبيهًا على سعة خزائن الله وبسطة يده جل شأنه.

وعلى الثالث: يكون تلويحًا للمؤمنين بما سيفتح لهم من أبواب النصر والظفر حتى يبدل عسرهم يسرًا، وفقرهم غنًى، من حيث لا يظنون.

وعلى الرابع والخامس: يكون وعدًا للصالحين: إما بدخولهم الجنة بغير حساب، وإما بمضاعفة أجورهم أضعافا كثيرة لا يحصرها العد.

ومن وقف على علم التأويل واطلع على معترك أفهام العلماء في آية رأى من ذلك العجب العجاب. ” النبأ العظيم ” ( ص 147 ، 148 ).

 

والله أعلم.

معنى ” الرؤية ” في قوله تعالى ( أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا )

معنى ” الرؤية ” في قوله تعالى ( أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا )

السؤال:

تقول الآية الخامسة عشرة من سورة ” نوح ” ( أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا )، فيسألني سائل أين هي السموات السبع ولو أن هناك سبع سموات فكيف استطاع نوح أن يطلب من قومه أن يتأملوها رغم أنها لا ترى من كوكب الأرض ؟ أليس في هذا تناقضًا لصريح القرآن؟.

فمن فضلك ساعدني في الإجابة على هذا السؤال وحتى آخذ بيد صاحبه للإسلام.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

أخبر الله تعالى عن خلق السموات وعن عددهن وعن هيئتن، فقال إنه خلقهن من ” الدخان ” – أي: البخار -، وأنهن سبع سموات، وأنهن طبقات بعضها فوق بعض، وأنه خلقهن في أربعة أيام.

قال تعالى ( ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ) فصلت/ 1.

وقال ( هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) البقرة/ 29.

وقال ( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ) الطلاق/ 12.

وقال تعالى ( الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ ) الملك/ 3.

وقال ( فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ) فصلت/ 12.

هذا بعض ما نعرف عن السموات السبع، ولولا إخبار الله تعالى به لما علم ذلك أحد؛ إذ هو من الغيب الذي لا يستطيع أن يعلمه أحد من البشر لولا إخبار الله به.

ونحن نشهد بما أخبرنا به ربنا تعالى، ونجزم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد عرج به إلى السموات فرآها كلها، ونجزم أنه أحدًا من البشر لم يفعل ذلك، ولم ير طبقات السموات بعده صلى الله عليه وسلم.

 

ثانيًا:

وأما قول نوح عليه السلام لقومه ( أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا): فليس المراد به الرؤية البصرية، بل هي الرؤية العلمية، وهي كثيرة بهذا اللفظ في كتاب الله، كقول الله تعالى ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ ) البقرة/ 243، وقوله ( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ) الفجر/ 6، وقوله ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ) إبراهيم/ 28، وغير ذلك كثير.

* قال القرطبي – رحمه الله -:

والعرب تضع ” العلم ” مكان ” الرؤية “، و ” الرؤية ” مكان ” العلم “، كقوله تعالى ( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ ) الفيل/ 1، بمعنى: ألم تعلم.

” تفسير القرطبي ” ( 2 / 156 ).

* وقال رحمه الله – في الآية موضع السؤال -:

وقوله ( أَلَمْ تَرَوْا ) على جهة الإخبار لا المعاينة، كما تقول: ألم ترني كيف صنعت بفلان كذا. ” تفسير القرطبي ” ( 18 / 304 ).

 

ثالثًا:

وللشيخ عطية سالم رحمه الله كلام متين في الرد على من استشكل معنى الآية، ونحن نورده للفائدة .

* قال – رحمه الله -:

والجواب عن ذلك مجملًا مما تشير إليه آيات القرآن الكريم كالآتي:

أولًا: أن تساؤل ابن كثير هل يُتلقى ذلك من جهة السمع فقط أو هو من الأمور المدرَكة بالحس لا محل له؛ لأنه لا طريق إلا النقل فقط، كما قال تعالى ( مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ ) الكهف/ 51، أي: آدم، فلم نعلم كيف خلق ولا كيف سارت الروح في جسم جماد صلصال فتحول إلى جسم حساس نامٍ ناطق.

وأما قول القرطبي ” إنه على جهة الإخبار لا المعاينة “: فهو الذي يشهد له القرآن.

ويجيب القرآن على السؤال الوارد عليه، وذلك في قوله تعالى ( قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ . وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ . ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ . فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ. فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ ) فصلت/ 9 – 13.

لأن الله تعالى خاطب هنا الكفار قطعا لقوله ( قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ )، وخاطبهم بأمور مفصلة لم يشهدوها قطعاً من خلق الأرض في يومين ومن تقدير أقواتها في أربعة أيام ومن استوائه إلى السماء وهي دخان.

ومن قوله لها وللأرض ( ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا ).

ومن قولهما ( أَتَيْنَا طَائِعِينَ ).

ومن قضائهن سبع سماوات في يومين.

ومن وحيه في كل سماء أمرها.

كل ذلك تفصيل لأمور لم يشهدوها ولم يعلموا عنها بشيء، ومن ضمنها: قضاؤه سبع سماوات فكان كله على سبيل الإخبار لجماعة الكفار.

وعقبه بقوله ( ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ) فكان مقتضى هذا الإخبار وموجب هذا التقدير من العزيز العليم أن يصدِّقوا أو أن يؤمنوا، وهذا من خصائص كل إخبار يكون مقطوعاً بصدقه من كل من هو واثق بقوله يقول الخبر، وكان لقوة صدقه ملزم لسامعه ولا يبالي قائله بقبول السامع له أو إعراضه عنه.

ولذا قال تعالى بعد ذلك مباشرة ( فَإِنْ أَعْرَضُوا ) أي: بعد إعلامهم بذلك كله فلا عليك منهم ( فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ )، وحيث إن الله خاطبهم هنا ( أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ ) فكان هذا أمر لفرط صدق الإخبار به كالمشاهد المحسوس الملزم لهم.

وقد جاءت السنَّة وبيَّنت تلك الكيفية أنها سبع طباق بين كل سماء والتي تليها مسيرة خمسمائة عام، وشمل كل سماء، وسمك كل سماء مسيرة خمسمائة عام.

وقد يقال: إن الرؤية هنا في الكيفية حاصلة بالعين محسوسة ولكن في شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء والمعراج حيث عُرج به ورأى السبع الطباق وكان يستأذن لكل سماء ومشاهدة الواحد من الجنس كمشاهدة الجميع فكأننا شاهدناها كلنا لإيماننا بصدقه صلى الله عليه وسلم ولحقيقة معرفتهم إياه صلى الله عليه وسلم في الصدق من قبل والعلم عند الله تعالى.

” أضواء البيان ” ( 8 / 312 ، 313 ).

 

والله أعلم.

فقدت التحكم بسيارتها فوقع حادث توفيت فيه والدتها بعد خلاف معها فماذا يترتب عليها؟

فقدت التحكم بسيارتها فوقع حادث توفيت فيه والدتها بعد خلاف معها فماذا يترتب عليها؟

السؤال:

خرجت مع والدتي في أحد الأيام بالسيارة فدار بيني وبينها نقاش وكنت أصرخ عليها، وفجأة فقدتُ التحكم بالسيارة فوقع حادث، على إثره توفيت والدتي! لقد وقع هذا الحادث رغمًا عني وأنا الآن أعيش حياة ملئها البؤس والحزن لا سيّما بعد أن قالت السلطات المختصة أنِّي السبب في موتها، إنهم يريدون أن يقولوا بعبارة أخرى أني أنا من قتلها، أيمكن لابنة أن تقتل أمها؟!.

لقد ماتت قبل زواجي بأسبوع، إن أسرتي لا تعلم شيئًا عن تفاصيل الحادث ولو علموا لما غفروا لي هذه الزلة، لقد تغيرت حياتي رأسًا على عقب فلم أعد أهنأ بشيء، حتى حياتي الزوجية لقد تحولت إلى جحيم، أصبحت أكره زوجي وأسرته لأنهم لم يقدِّموا لي التعازي في موت والدتي.

لقد تحولت كل المسؤوليات التي كانت على عاتق والدتي عليَّ، لقد أثقلتني الهموم، لم أعد أجد طعمًا لشيء في هذه الحياة، لقد فكرت بالانتحار عدة مرات، أرجو منكم المساعدة، كيف أتغلب وأخرج من أزمتي هذه؟ يعلم الله أني لم أقصد أن أقتلها، نعم لقد كنت أصرخ عليها ولكن الله سيغفر لي ذلك أليس كذلك ؟ هل عليّ من دية أدفعها؟ ولمن تُدفع؟ هل أدفعها لوالدي؟ أم أنه يجب عليّ أن أصوم شهرين متتابعين؟ وإذا كان الأمر كذلك فهل يصح أن أحتسب رمضان أحدهما؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا شك أن مصابكِ أليم، والخبر موجع مفجع، وخاصة أنك كنتِ قائدة السيارة، وأن آخر العهد مع أمك صراخ من طرفكِ عليها، ونحن مع تقديرنا لشعورك، وشعورنا بأحزانك: إلا أن ذلك لا يمنعنا من تذكيرك بالتوبة مما حصل منك تجاه والدتك، ولعلَّك فعلتِ ذلك، وهي عبرة وعظة لغيرك ممن لا يزال إلى الآن يسيء إلى والده أو والدته، ولا يدري الواحد منهم متى يفقد هذين الغالييْن وأنه قد يحصل معه مثل الذي حصل معك، فقد تموت والدة أحد أولئك المسيئين بسكتة قلبية أو جلطة دماغية نتيجة ظلمهم وقهرهم – ذكورًا أو إناثًا -، فليكن هذا الحادث الأليم عبرة للجميع، وبخاصة من يظلم أمه أو أباه، وليسارع بالتوبة، ونسأل الله تعالى أن يرحم والدتك وأن يعفو عنها وأن يُدخلها الجنة.

 

 

ثانيًا:

ونوصيكِ بالصبر على ما أصابك واحتساب مصيبتك عند خالقك، والرضا بما قدَّره تعالى، فإنه سبحانه وتعالى الحكيم العليم، ولا ينبغي لك فتح المجال لليأس من رحمة الله والقنوط من رحمته أن يدخلا إلى نفسك، واجعلي إيمانك بربك تعالى أقوى من كيد الشيطان ومكره، ومن أعظم ما يمكن أن يتطرق إليك في هذه المصيبة: أن تفكري في التخلص من نفسك بالانتحار؛ فإنك بذلك لا تتخلصين – على الحقيقة – من همومك وغمومك بل أنت تزيدين فيها؛ لأنك ستلقيْن ربك وقد خُتم لك بسوء وشرٍّ وفعل كبيرةٍ من كبائر الذنوب! فأي تخليص للنفس هذا والحال هو هذا؟!.

 

ثالثًا:

ومع أن الخطب عليك جلل إلا أن هذا لا يمنعنا – أيضًا – من بيان ما يترتب على فعلك من أحكام، بعد تبيين أن المرجع في معرفة الخطأ على السائق من عدمه: إنما هو أهل الخبرة من أهل الشرَط والمرور، وبحسب ما ذكرتِ عن هؤلاء: فإنه يظهر أنه يترتب عليك حكم ” قتل الخطأ ” ويترتب بذلك عليك أحكام، وهي:

  1. صيام شهرين متتابعين لا يُقطع إلا بعذر شرعي كمرض لا تستطيعين الصوم معه، وكسفَر، وكحيض أو نفاس، على أن تصام هذه الأيام التي تفطرين بها بعذر مباشرة بعد انتهاء الشهرين من غير تأخير، وإذا أفطرتِ يومًا بغير عذر: انقطع التتابع ولزمك الرجوع للبداءة بالشهرين من جديد.

وصوم شهر رمضان لا يُحسب من الشهرين المتتابعين بلا خلاف، بل ذهبت طائفة من أهل العلم إلى عدم جواز أن يكون شهر رمضان بين شهري الصيام، والصحيح: أنه يجوز، وأنه لا يَقطع التتابع، ولو لم يُجعل بين الشهرين فهو أحوط.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

قوله ” فإن تخلله رمضان “: فإنه يصوم رمضان؛ وذلك لأن أيام رمضان لا تصلح لغيره، فلو صام شهر شعبان ثم دخل رمضان : وجب عليه أن يصوم عن رمضان، فإذا انتهى: فإنه يُكمِّل من اليوم الثاني من شوال حتى يتم الشهرين.

” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 13 / 270 ).

* وقال – رحمه الله -:

إذاً ثلاث حالات لا ينقطع فيها التتابع:

أ. إذا تخلله صومٌ يجب مثل رمضان.

ب. أو فطرٌ يجب كأيام الأعياد وأيام التشريق والمرأة في الحيض، ومن كان مريضًا يَخشى في صومه التلف أو الضرر أيضًا – على القول الراجح -.

ج. أو فطر لسبب يبيح الفطر، كالسفر، والمرض الذي يشق عليه الصيام فيه، ولكنه لا يضره . ” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 13 / 274 ).

وإذا أكرهك زوجك على الجماع إكراها حقيقيًّا: فلا ينقطع التتابع.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

إذا أفطر مكرهًا بأن جاء رجل وأكرهه على الفطر، أو المرأة أكرهها زوجها فجامعها: فإنه لا ينقطع التتابع، والصواب: أنه لا فطر أصلًا، وأن التتابع مستمر.

” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 13 / 273 ).

  1. ويلزم عاقلتك – وهم العَصَبة وارثين كانوا أو غير وارثين – دفع الدية لورثة والدتك، وهي ثَمن مائة من الإبل، فإن لم يدفع أحد منهم: فتلزم الدية من مالِك أنتِ.
  2. والصحيح الراجح: أنكِ لا ترثين من والدتك مع الورثة لا التركة ولا الدية.

 

ونختم بوصيتنا لك – مرة أخرى – بالصبر على ما أصابك، ولا أحد يمكن أن يلومك على حزنك على فقد الوالدة، ولكن اللوم يوجَّه إليك في حال مخالفتك شرع الله في تصرفك تجاه هذه المصيبة، فلا تقنطي من رحمة الله، وحافظي على دينك من الفتنة وعلى نفسك من الهلاك، وأكثري من الدعاء لأمك فإنها أحوج ما تكون له الآن، وكوني سببًا في اجتماع الأسرة، وأحسني لزوجك وعاشريه بالمعروف، واتركي لوم أهله والعتب عليهم، فالطريق أمامك طويل وهو يحتاج لنفس مطمئنة وقلب منشرح، فكوني مثالاً حسناً لمن أصابته مصيبة عظيمة فكان من الصابرين المحتسبين.

 

والله أعلم.

كلمة حول رد دعوى انتشار الإسلام بالسيف، وكلمة حول الإسلام وإسبانيا.

كلمة حول رد دعوى انتشار الإسلام بالسيف، وكلمة حول الإسلام وإسبانيا.

السؤال:

تقولون إن الإسلام دين السلام، ولكن كيف ذلك والإسلام ما انتشر إلا بالسيف، وما أسبانيا إلا دليل على ذلك ؟ ولماذا لم يعد يوجد أي أثر للإسلام في أسبانيا وفي غيرها من الأماكن التي دخلها الإسلام في الماضي؟.

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

إن دعوى انتشار الإسلام بالسيف دعوى زائفة لا ندري كيف لا يزال من عنده مسكة عقل يرددها، ويدل على زيفها أمور:

  1. إن معنى الإكراه على الإسلام أن من اعتنقه مكرهًا لا يؤمن بالله تعالى ولا برسالة النبي صلى الله عليه وسلم في قلبه، وهذا لا يكون مسلمًا أصلًا، بل هو منافق، والإسلام يحارب النفاق وأهله فكيف يكون سبباً في وجوده وانتشاره؟!.
  2. نهى الله تعالى عن إكراه الناس على الإسلام بالنص الصريح فقال ( لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) البقرة/ 256.

* قال ابن كثير – رحمه الله -:

يقول تعالى: ( لا إِكْرَاهَ فِي الدِّين ) أي: لا تكرهوا أحدًا على الدخول في دين الإسلام فإنه بيِّنٌ واضح، جلي دلائله وبراهينه، لا يحتاج إلى أن يُكره أحدٌ على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام وشرح صدره ونور بصيرته دخل فيه على بينة، ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرها مقسورًا، وقد ذكروا أن سبب نزول هذه الآية في قوم من الأنصار، وإن كان حكمها عامًّا. ” تفسير ابن كثير ” ( 1 / 682 ).

  1. ومما يكذِّب هذه الدعوى: حكم الإسلام في الأسرى من الكفار، فليس هو إكراههم على الدخول في الإسلام، بل جُعل أمرهم للإمام والخليفة، فيمكن أن يأخذ مقابلهم فداء، ويمكن أن يأمر بقتل المقاتلة منهم، ويمكن أن يَمُنَّ عليهم بالعفو وإطلاقهم، وفي كثير من الأحيان يكون العفو هو سبب دخول أولئك في الإسلام كما في قصة ” ثمامة بن أثال “.
  2. ومما يكذِّب هذه الدعوى: وصية النبي صلى الله عليه وسلم لقادة الفتح الإسلامي بأن يدعو المخالفين للدين إما بالدخول في الإسلام رغبة وطواعية أو دفع الجزية مقابل حمايتهم أو القتال لمن يأبى أحد ذينك الأمرين، كما في حديث بريدة رضي الله عنه قال:( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا ثُمَّ قَالَ: اغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ… وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلاثِ خِصَالٍ فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ … ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلامِ فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ … فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَسَلْهُمْ الْجِزْيَةَ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَقَاتِلْهُمْ. رواه مسلم ( 1731 ).
  3. ثم إنه قد كذَّب هذه الدعوى عقلاء كثر من غير المسلمين، ومن ذلك:

أ. قال ” ريفونويت “: ” إنه من الحماقة أن نظن أن الإسلام قام بحد السيف وحده؛ لأن هذا الدين الذي يهدي للتي هي أقوم يحرم سفك الدماء ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر “.

ب. وقال ” جورج سيل “: ” لقد صادفت شريعة محمد ترحيبًا لا مثيل له في العالم، وإن الذين يتخيلون أنها انتشرت بحد السيف إنما ينخدعون انخداعًا عظيمًا “.

ج. وقال ” سير توماس أرنولد “: إن الفكرة التي شاعت أن السيف كان العامل في تحويل الناس إلى الإسلام بعيدة عن التصديق، إن نظرية العقيدة الإسلامية تلتزم التسامح وحرية الحياة الدينية لجميع أتباع الديانات الأخرى “.

نقلنا الأقوال بواسطة بحثشبهات المستشـرقين حول دوافـع الجهاد عند المسلمين والرد عليها ” المنشور في ” ملتقى أهل الحديث ” للأخت ” باحثة شرعية “. وانظر أقوالاً أخرى وتفصيلاً في جواب السؤال رقم ( 43087 ).

والواقع يشهد أن الشيوعية والنصرانية هي التي انتشرت بالحديد والنار، ومن نظر في جرائم الشيوعيين وجرائم الصليبيين في التاريخ تبيَّن له صدق القول.

  1. ومما يكذب هذه الدعوى: وجود مسلمين بالمليارات – على مدى أزمنة متعددة – في بلاد لم يصلها مجاهد ولم يفتحها فاتح مسلم، ونعني به كثيرًا من دول آسيا، وهي التي دخل الناس فيها في الإسلام طواعية بسبب ما رأوه من أخلاق التجار المسلمين.

وأقرب من ذلك وأسبق: المدينة النبوية والتي كانت عاصمة الدولة الإسلامية فهل فُتحت بالسيف؟! والجواب: قطعًا لم يكن أمرها كذلك.

  1. ولو كانت تلك الدعوى صحيحة: لخرج المسلمون من الإسلام عندما ضعفت الدولة الإسلامية أو عندما زالت، ولكنا رأينا ردَّة جماعية لكثير من الدول – كما حدث للدول التي كان يحكمها ” الاتحاد السوفيتي الشيوعي البائد – وكل ذلك لم يحصل، بل قد عانى كثيرون من ظلم واستبداد الطغاة بعد حكم المسلمين – كما حصل لمسلمي الأندلس – وبقوا على إسلامهم، أو هاجروا حفاظًا على دينهم، ومن دخل منهم في النصرانية فقد دخلها بالحديد والنار – كما سيأتي -.
  2. ومما يكذب هذه الدعوى: أن المسلمين الآن لا يجاهدون ولا يفتحون البلدان بالسيف وقد أثبتت الإحصائيات أن الإسلام أسرع الديانات انتشارًا، فمن أكره تلك الآلاف التي تدخل في الإسلام كل يوم؟!.

ثانيًا:

وما ذكرناه لا يعني إلغاء الجهاد من الإسلام، بل هو مشروع، كما ذكرناه في حديث بريدة، وهو لقتال من يمنع المسلمين من تبليغ رسالة الإسلام التي يَخرج بها الناس من الظلمات إلى النور، ومن عبادة العبَاد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.

وقد أرسل الله تعالى رسوله محمَّدًا صلى الله عليه وسلم بالإسلام للناس كافَّة، ومسئولية إيصال هذه الرسالة تقع على عاتق المسلمين، فإن فُتحت الطريق لدعوة الناس دون عوائق فلا يُقاتل أحد، وإن وقف أحد في طريق هداية الناس ووجدت القدرة على قتاله قُوتل.

ثالثًا:

وأما فتْح المسلمين للأندلس – إسبانيا حاليًّا – فقد كان لتخليص البلاد المحتلة المضطهدة أصلًا من ظلم الطغاة الحاكمين لها؛ فإنها لم تكن تحت حكم سكانها الأصليين، ولم يكن المسلمون هم المبتدئين للاحتلال، إنما خلَّصوا البلاد من ذلك الاحتلال الظالم بطلب من المظلومين أنفسهم، واختيار كثير منهم للإسلام ديناً كان عن رغبة منهم وليس قهرًا.

وأما لماذا لم يعد للمسلمين وجود: فاسأل التاريخ عن ” محاكم التفتيش ” والتي كان يُنكَّل فيها بالمسلمين على أيدي النصارى الكاثوليك الحاقدين تنكيلًا ما سمع التاريخ بمثله، واستمروا على ذلك على قضوا على الوجود الإسلامي في تلك البلاد، ومحوا آثاره الدالة عليه، وكان ذلك في سنة 897 هـ ، 1492 م.

جاء في ” الموسوعة العربية العالمية ” ما نصه:

” محاكم التفتيش “: هيئات أنشأتها الكنيسة الرومانية الكاثوليكية للقبض على من سموهم المهرطقين المارقين ( الأشخاص المعارضون لتعاليم الكنيسة ) ومحاكمتهم، أقيمت محاكم التفتيش في كثير من أجزاء أوروبا، ولكن محكمة التفتيش الأسبانية كانت هي الأكثر شهرة، وأشهرها : تلك المحاكم التي أقامها ” فرديناند الخامس ” وزوجته ” إيزابيلا ” للتجسس على أهل الأندلس الذين فرضت عليهم النصرانية، وقد نكلت بالمسلمين بوحشية. انتهى.

* قال الأستاذ جلال العالم:

تقول الدكتورة ” سيجريد هونكه “:

في 2 يناير 1492 م رفع الكاردينال ” دبيدر ” الصليب على الحمراء – القلعة الملكية للأسرة الناصرية – فكان إعلانًا بانتهاء حكم المسلمين على أسبانيا.

وبانتهاء هذا الحكم ضاعت تلك الحضارة العظيمة التي بسطت سلطانها على أوربا طوال العصور الوسطى، وقد احترمت المسيحية المنتصرة اتفاقاتها مع المسلمين لفترة وجيزة، ثم باشرت عملية القضاء على المسلمين وحضارتهم وثقافتهم.

لقد حُرِّم الإسلام على المسلمين، وفرض عليهم تركه، كما حُرِّم عليهم استخدام اللغة العربية، والأسماء العربية، وارتداء اللباس العربي، ومن يخالف ذلك كان يحرق حيًّا بعد أن يعذّب أشد العذاب “. انتهى.

وهكذا انتهى وجود الملايين من المسلمين في الأندلس فلم يبق في أسبانيا مسلم واحد يُظهر دينه.

” قادة الغرب يقولون دمروا الإسلام أبيدوا أهله ” ( ص 9 ، 10 ).

واقرأ ما كتبه  ” غوستاف لوبون ” في كتابه ” حضارة العرب “.

ونسأل الله أن يهدي قلبك للإسلام، وننصحك بأن تسارع لإنقاذ نفسك مما أنت فيه، فثمة موت ينتظرك وحفرة تستعد لاستقبالك، وليت الأمر يقف عند ذلك بل بعد القبر حساب، ثم خلود في جنة أو خلود في نار، فلا تضيع ما بقي من عمرك وأدرك نفسك.

والله الموفق.

 

 

طالبة نصرانية تعترض على حكم القتل في الإسلام، كلامها، وجوابنا عليه

طالبة نصرانية تعترض على حكم القتل في الإسلام، كلامها، وجوابنا عليه

السؤال:

لماذا أحلَّ الإسلام القتلَ حتى لو كان ضمن شروط تقتضي القتل؟ أليست هذه الروح ملك الله وحده؟ أنا لا أصدِّق ما ورد في القرآن عن القتل، جاوبوني منطقيًّا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

  1. من الجيِّد أن تتوجه أسئلة غير المسلمين للمختصين بعلوم الشرع لسؤالهم عن أحكام الإسلام وحِكَمه، وهذا خير لهم من أخذ ذلك من عامة المسلمين ممن قد تغلبهم عواطفهم فيتكلمون بغير علم، وإننا لنرجو – مع هذا – أن يكون ثمة استعداد من السائلة لقبول الحق إذا وقفت عليه مما سنذكره في جوابنا لها، لا أن يكون سؤالها لمجرد النقد والاعتراض، ونرجو أن لا يخيب رجاؤنا بها.
  2. ولنبدأ جوابنا منطلقين مما جاءت به السائلة، وهو قولها ” أليست هذه الروح ملك الله وحده؟ ” ونقول: نعم، هي ملك لله وحده، وإذا رأيتِ في شرع الله تعالى قتلاً لنفس ليست بإذن الله تعالى فسيكون إحراجًا لنا لأنك بذلك تقيمين الحجة علينا! ولذا فكل ما نقول به من أن فلاناً يستحق القتل أو يقام عليه حد القتل فعلاً فهو مما شرعه الله تعالى مالك النفوس والأرواح ولا يكون ذلك من المسلمين إلا بإذن ربِّهم، ومن خالف ذلك فهو متوعد بأشد الوعيد في الدنيا والآخرة.
  3. وهل تعلمين – أيتها السائلة – لمن يصلح توجيه هذا السؤال الجيد له؟ إنه يصلح لطوائف من الناس، منهم:

أ. المنتحر! وهو الذي يقتل نفسه بأي طريقة، سواء مباشرة بإطلاق الرصاص على نفسه أو بإلقاء نفسه في البحر، أو بطريقة غير مباشرة كمثل شارب الخمر وشارب السجائر والذين يتسببون بإزهاق أنفسهم بتناول تلك الخبائث المحرَّمة.

وللعلم: فقد ذكرت صحيفة ” يو إس إيه توداي ” الأمريكية في عددها الصادر في التاسع من مارس 2005 م إحصائية لعدد المنتحرين في أمريكا فبلغت ( 29  ألف ) حالة انتحار سنويًّا! أي: بواقع ( 80  ) حالة يوميًّا!

ب. أمريكا! وذلك بسبب أنها قتلت مئات الملايين في العالَم في تاريخها الأسود، فقد قتلت فيتناميين، وكوريين، ويابانيين، وفلبينيين، وأفغان، وعراقيين، وغيرهم الكثير الكثير، فنرجو أن يكون منك سؤال لأولئك العصابة الإجرامية: لماذا تقتلون النساء والأطفال والشيوخ والمدنيين والعزَّل في العالَم؟ أليست هذه الأرواح ملك الله وحده فلماذا تزهقونها؟!.

ج. الروس والهندوس واليهود! وذلك لقتلهم – مجموعين – لمئات ملايين من المسلمين خلال سنوات حكمهم واستعمارهم لبلاد المسلمين، ويقال لهم: أليست هذه الأرواح ملك الله وحده فلماذا تزهقونها؟.

وثمة غيرهم كثير يصلح توجيه ذاك السؤال لهم، وإنما قصدنا بما ذكرناه من أمثلة مدى الظلم في ترك كل أولئك وتوجيه ذاك السؤال للمسلمين فقط إذا قتلوا من يستحق القتل بأمر ربهم عز وجل، نعم لو وُجد مسلمون ظالمون يقتلون الناس بغير حق فنحن معك في توجيه السؤال لهم وهنا لن يكون لدينهم علاقة بالموضوع بخلاف من ذكرنا لكِ ممن دفعهم دينهم لإزهاق أرواح المسلمين ظلمًا وبغيًا، أو دفعتهم السادية وروح الإجرام وحب المال لقتل الناس عموماً كما تفعله الشركات الحاكمة لأمريكا ! فتحتل الدول الضعيفة من أجل إفادة شركات السلاح، فتهدم البلاد على أهلها، فتأتي شركات الإعمار لبنائها!، ثم تأتي شركات النفط لسرقة خيرات البلاد، ثم تُختم بالشركات الأمنية بعد الانسحاب لتقوم بدورها في تلك البلاد المنهوبة المستعمرة، أليس هؤلاء أولى بتوجيه الأسئلة لهم ومحاسبتهم على ما يقومون به من قتل وإبادة للناس؟!.

  1. ليس ثمة دين أنزل الله تشريعاته منذ أن خلق الله تعالى الخلق إلا جاء في تشريعاته المحافظة على ” الضرورات الخمس ” وهي: الدين، والعقل، والعرض، والعقل، والمال، ولا يمكن لتشريع رباني أن يتساهل في هذه الضرورات فيكون سبباً في إتلافها أو فنائها أو نقصها، ومن هنا نجد تحريم القتل، وتحريم الخمر، وتحريم الزنا، وتحريم السرقة، وتحريم الإساءة للدين من القواسم المشتركة بين كل الأديان، فهل سيكون الإسلام خاتم الأديان يجيء فيه من الأحكام ما يخالف ما سبقه من الأديان في ضرورة المحافظة على تلك الضرورات الخمس؟! الجواب: لا لا يكون ذلك كذلك، بل تجدين في الإسلام أعدل الأحكام وأشملها وأقومها وأصلحها لحياة الناس، وذلك لائق بالإسلام لأنه خاتم الأديان، وقد أُمر الناس جميعهم بالدخول فيه، فهو صالحة أحكامه لكل زمان ومكان.
  2. ومن أحكام الإسلام الجليلة التي جاء فيها الحفاظ على حياة الناس:

أ. تحريم الانتحار وقتل النفس.

ب. تحريم كل ضار بالبدن مما يؤدي إلى إتلاف النفس، كالخمور والمخدرات.

ج. تحريم الإجهاض!.

د. تحريم قتل النفس بغير حق، وقد ورد الوعيد الشديد في قتل النفوس الآمنة، ومن ذلك: ما قاله الله عز وجل ( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ) النساء/93، ويشمل هذا حتى النفوس غير من المعاهدين والذميِّين، وفي ذلك يقول نبيُّنا محمد صلى الله عليه وسلم ( مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا ) رواه البخاري (2995).

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

والمراد به: مَن له عهد مع المسلمين، سواء كان بعقد جزية، أو هدنة من سلطان، أو أمان من مسلم. ” فتح الباري ” ( 12 / 259 ).

هـ. درء الحدود بالشبهات، فكل حدِّ قتل فيه شبهة فإنه لا يقتل معها صاحب الحد لوجود تلك الشبهة التي تدفع حد القتل عنه.

و. حصر حد القتل في العظيم من الجرائم كالردة والزنا للمحصن وقتل النفوس بغير حق؛ تعظيما لشأن الدين والعرض والنفس، وثمة ذنوب كثيرة عظيمة الذنب ليس حدها القتل، كالربا، والسرقة، وقذف المحصنات، والغيبة، وغيرها كثير، ولو كان الإسلام كما يصوِّره الإعلام الغربي الظالم لكان حد القتل على كل معصية وجريمة، وحاشا الإسلام أن يكون كذلك وهو يشتمل على أقوم الأحكام وأعدلها.

ز. فتح الباب للتائبين من القتل، ووعدهم بتكفير سيئاتهم، ولنا في قصة الذي قتل تسعًا وتسعين نفسًا عبرة؛ فإنه لما أخبره عابد جاهل أنه ليس له توبة قتله! وكمَّل به المائة، ولكنه لما التقى بعالِم فأخبره أن له توبة توقف عن القتل، وهذه القصة رواها لنا النبي صلى الله عليه وسلم عن أحد الناس من الأمم السابقة.

ح. الترهيب الشديد من القتل وأنه قد يؤدي بالقاتل إلى الكفر المخرج من الملة؛ وذلك حين يستحل ذلك القتل ولا يحرمه بسبب ما وقع منه من جرأة على قتل نفس معصومة، وفي ذلك يقول نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ( لَنْ يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا ) رواه البخاري ( 6469 ).

ط. لم يُجعل حد القتل في الإسلام لمستحقه يقوم به آحاد الناس، بل هو من اختصاص القضاء الشرعي، وولاة الأمر.

* قال القرطبي – رحمه الله -:

لا خلاف أن القصاص في القتل لا يقيمه إلا أولو الأمر الذين فرض عليهم النهوض بالقصاص وإقامة الحدود وغير ذلك. ” تفسير القرطبي ” ( 2 / 245 ).

ولو جُعل القتل للناس ليأخذ كل واحد حقَّه لتجاوز الأمر القاتل، ولحصل كما كان الأمر في الجاهلية، فيُقتل عشرة مقابل واحد، ويُقتل رجل أو أكثر مقابل امرأة، وكل هؤلاء المقتولين إنما قٌتلوا ظلماً، وأما في الإسلام فلا بدَّ من ثبوت القتل على القاتل، ولا بدَّ من انتفاء الشبهة، ثم يصير مستحقّاً للقتل، ولا يقف الأمر عند هذا، بل يُرغَّب أهل المقتول بالعفو مجانًا عن القاتل، أو بقبول الدية، والشرع المطهر قد رغَّب أولياء المقتول بالعفو، ووعدهم بالأجر الجزيل إن هم قاموا به، وأذن لهم بالصلح بأكثر من الدية الشرعية من أجل كسب موافقتهم بعدم إيقاع القتل على القاتل، وبالطبع لا يكون مثل هذا الترغيب بالعفو ولا الترغيب بالشفاعة عند أولياء المقتول فيما لو كان القاتل مجرمًا عتيدًا لا يظهر عليه أثر التوبة والندم على فعله، بل مثل هذا يَحرم الشفاعة فيه؛ وبقتله يأمن الناس على أنفسهم، وفي ذلك يقول الله تعالى (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) البقرة/ 179، وهذه الجملة البليغة تلخِّص الحكمة من القصاص من القاتل، وهي أبلغ وأعظم دلالة مما كان يقوله الجاهليون في جاهليتهم بكلمة نحوها.

* قال الشيخ الشنقيطي – رحمه الله -:

ومن هدي القرآن للتي هي أقوم: القصاص؛ فإن الإنسان إذا غضب وهمَّ بأن يقتل إنسانًا آخر فتذكر أنه إن قتله قُتل به: خاف العاقبة فترك القتل، فحيي ذلك الذي كان يريد قتله، وحيي هو؛ لأنه لم يَقتل فيُقتل قصاصًا، فقتْل القاتل يحيا به ما لا يعلمه إلا الله كثرة، كما ذكرنا، قال تعالى ( وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( البقرة/ 79، ولا شك أن هذا من أعدل الطرق وأقومها، ولذلك يشاهَد في أقطار الدنيا قديمًا وحديثًا قلة وقوع القتل في البلاد التي تحكم كتاب الله؛ لأن القصاص رادع عن جريمة القتل؛ كما ذكره الله في الآية المذكورة آنفًا.

وما يزعمه أعداء الإسلام من أن القصاص غير مطابق للحكمة لأن فيه إقلال عدد المجتمع بقتل إنسان ثان بعد أن مات الأول، وأنه ينبغي أن يعاقب بغير القتل فيحْبس، وقد يولد له في الحبس فيزيد المجتمع: كله كلام ساقط، عار من الحكمة؛ لأن الحبس لا يردع الناس عن القتل، فإذا لم تكن العقوبة رادعة: فإن السفهاء يكثر منهم القتل فيتضاعف نقص المجتمع بكثرة القتل. ” أضواء البيان ” ( 3 / 31 ، 32 ).

  1. ومن المعروف في عالَم الاجتماع والأدب والسلوك قاعدة ” من أمن العقوبة أساء الأدب ” فلنتخيل أنه ليس ثمة قتل يستحقه القاتل للنفوس البريئة فما الذي سيردع القاتل إذًا؟ ها هو الحبس لا يردع ذلك، وها هي الغرامات والتعزيرات لا تفعل ذلك، وها نحن نرى معدل الاغتصاب والجريمة – في أمريكا مثلًا – يُحسب بالدقائق! – وللعلم: ففي عام 2005 م بلغ عدد ضحايا جرائم القتل في أمريكا ( 16500 ) شخصًا، وقد ذكرت ” منظمة العفو الدولية ” في تقرير لها بعنوان ” أوقفوا العنف ضد المرأة ” لعام 2004 أنه في كل 90 ثانية تُغتصب امرأة في أمريكا وحدها! – فأي حياة يعيشها المرء وهو يرى حوله من هو آمن من عقوبة القتل ؟ ولتنظري إلى عقوبات ” قوانين المرور ” – مثلًا – في الدول الغربية وغيرها كيف أنها ساهمت – إلى حدٍّ كبير – في ضبط الناس وجعلتهم يلتزمون بقواعد السير والمرور، ولكِ أن تتخيلي – ولو للحظات – كيف سيكون الحال لو أنك تلك الدول قالت لشعبها ” سنرفع عقوبات قوانين المرور لمدة 3 ساعات ” فكيف سيكون الحال؟ في ظننا أنه سيكون كذاك الحال لما انقطعت الكهرباء عن إحدى ولايات أمريكا لمدة نصف ساعة؟!!.
  2. ولا ندري ما الذي يضير الإنسان لو أن دولةً من الدول سنَّت أعظم العقوبات في حق من قتل غيره ظلمًا، أليس هذا من مصلحة الجميع وسيعيش الناس آمنين مطمئنين على حياتهم وعلى حياة أولادهم في ذهابهم إلى المدرسة وعلى حياة بناتهم عندما يزورن جيرانهم أو أقاربهم؟! فلماذا النقد والاعتراض على قانون يضمن نفسي وأسرتي كما هو الحال في قوانين البلديات وقوانين المرور وقوانين الغذاء والدواء وغير ذلك كثير مما لو لم تُجعل العقوبات الرادعة في تلك القوانين لضاعت أنفس الناس بالحوادث والأطعمة والأشربة والأدوية.

إنه لا يعترض على قوانين السلامة إلا السفيه في قيادته، ولا يعترض على قوانين عقوبات التحرش بالأطفال إلا الشاذ، ولا يعترض على قوانين حماية الغذاء والدواء إلا غاش، ولا يعترض على قوانين حماية الأرواح من القتل إلا قاتل مجرم، هذا هو الحال وإن عاند معاند أو كابر مكابر، وإلا فكل قانون يحفظ على الناس دينهم وعرضهم ونفوسهم فإن من شأنه أن يؤيَّد ويرعى لا أن يُنقد ويُعترض عليه؛ لأنه بذلك الاعتراض ينتشر الفساد.

  1. واعلمي أن عدد من قُتل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم من المسلمين والكفار لم يتجاوز الألف شخص من الطرفين! وأنه لم يقتل النبي صلى الله عليه وسلم بيده الشريفة أحدًا من الكفار! مع أنه كان مشاركًا في الحروب معهم؛ وذلك لأن قتله للناس تتعارض مع عظيم رسالته الداعية للنجاة من النار والجالبة لهم سعادتي الدنيا والآخرة، بينما كان عدد القتلى في الحرب العالمية الأولى حوالي ( 14 ) مليونًا والحرب العالمية الثانية حوالي ( 55 ) مليونًا! فهل كان قتل هؤلاء على يد المسلمين؟! وهل كان ” هتلر ” و ” تشرشل ” و ” موسوليني ” مسلمين؟!.
  2. واعلمي – أخيرًا – أن الله تعالى حكيم عليم، لم يشرع القتل ولا غيره من الأحكام إلا لما يعلمه تعالى من أنه لا صلاح للناس إلا بالأخذ به، ولذا نرى أن كل مجتمع يتحلل من الأحكام الشرعية تقع فيه المآسي والأمراض والجرائم والتفكك والانحراف، ونظرة يسيرة إلى أي مجتمع غربي متحلل تجدين صدق القول، فهذه الأمراض الجنسية قد فتكت بهم، وهذه الجرائم قد انتشرت انتشار النار في الهشيم، وهذه الأسر قد تفككت، وهؤلاء الأبناء قد انفصلوا عن أهليهم فأفسدوا في الأرض، وقد عصم الله تعالى المجتمعات المسلمة القديمة من هذه الآفات وما انتشرت في مجتمع إلا بسبب بُعده عن تعاليم دينه وأخذه من تعاليم الغرب وطرق حياتهم.

فنرجو أن يكون ما ذكرناه كافيًا، وفي جعبتنا كلام أكثر من هذا لكن ظننا الحسن بك أنه يكفيك القليل من الكلام المؤصَّل عن الكثير العاطفي الخالي من الأدلة والمنطق، ومع ذلك فما ترينه يحتاج لتوضيح أو تدليل بالأدلة الشرعية فنحن على أتم الاستعداد للإجابة عنه، وسترين – إن شاء الله – في نهاية المطاف أن لا صلاح للفرد والمجتمعات إلا بالتمسك بالإسلام، وأنه الطريق الوحيد الموصل إلى رضوان الله تعالى وجنَّته.

والله أعلم.

توفي الأب ثم توفت ابنته بعده فهل يرثها أولادها؟

توفي الأب ثم توفت ابنته بعده فهل يرثها أولادها؟

السؤال:

توفي الأب وترك محلات تجارية، وبعده بثمان سنوات توفت ابنته – التي هي والدتي -، هل يحق لأبناء ابنته المتوفية بعده أن يرثوا والدتهم من تركة جدهم؟.

 

الجواب:

الحمد لله

لا شك أن أمَّكم ترث من أبيها، ولا خلاف بين العلماء في ذلك؛ فهي من أصحاب الفروض، ويكون نصيبها بحسب ما في أسرتها من أشقاء وشقيقات.

وهذا النصيب التي ورثته أمُّكم من أبيها إن كان مالًا أو عقارًا: فقد صار ملكًا لها، وتورِّثه لمن خلفها مِن ورثتها بعد موتها.

وأولادها – الذكور والإناث – وزوجها، ووالداها، كل أولئك ممن يرثها بعد موتها.

ولا يُعرف خلاف فيما ذكرناه لك فيما سبق.

ولا يرث الأحفاد – ذكورًا وإناثًا – من جدِّهم مع وجود أعمام لهم، ويرثون ما بقي بعد ميراث عماتهم إن لم يكن لهم أعمام، ويرثون جدَّهم بالكامل في حال عدم وجود أعمام وعمات لهم، ويقومون – والحالة هذه – مقام أولاد الجد، فيرثون للذكر مثل حظ الأنثيَيْن.

وما يوجد في بعض المذاهب من توريث الأحفاد من جدهم حصة والدهم: قول ضعيف، ليس له أصل في الكتاب والسنَّة.

ويمكن للجد قبل وفاته أن يوصي بما دون ثلث تركته لأحفاده، كما يُرغَّب الأعمامُ بإعطاء أولاد أخيهم المتوفى ما تطيب به أنفسهم من غير إلزام.

 

والله أعلم.

تقدير انتهاء الأجل بين أهل السنَّة والمعتزلة

تقدير انتهاء الأجل بين أهل السنَّة والمعتزلة

السؤال:

لديَّ سؤال صغير يتعلق بالموت: فقد سمعتُ من كثيرين: أن كل شخص يموت في الموعد الذي حدده الله من قبل، وهذا يعني أن الله قد حدد موعدًا معينًا بالفعل لوفاة كل شخص، وأن الملائكة تقوم حينها بأخذ روحه، فهل يعني هذا أنه كلما مات شخص فإن أجله يكون قد حان لترك الدنيا وهو الأجل الذي حدده الله من قبل بالفعل حتى وإن كان قد مات مقتولًا أو جرَّاء حادث؟ وأنا في حيرة بالغة من هذا الأمر فهل بوسعكم توضيحه؟

الجواب:

الحمد لله

خلق الله تعالى الخلق وقضى لهم آجالهم في ساعة معينة، وقد أعلم الله تعالى الملَك الذي يأتي الجنين في بطن أمه بهذا الأجل، فإذا جاء أجلهم – بموت طبيعي أو مرض أو قتل أو حادث – فإنه لا يتقدم عن الموعد ولا يتأخر، وفي تلك الكتابة الكونية التي لا تتغير قطع على تعلق الناس بغير الله في زيادة عمر أحدٍ أو إنقاصه، وليس الذي حافظ على صحته قد أطال عمر نفسه، بل الله تعالى قدَّر له ذلك، وليس الذي قتلَ أحداً قد أنقص عمره، بل الله تعالى قدَّر ذلك أزلًا، ويُحاسب القاتل على تعديه على الحكم الشرعي إن كان قتَل بغير حق.

وقالت المعتزلة – وهي من فرق الضلال-: إن الإنسان لو لم يمت بالقتل أو المرض لطال عمره! وهذا باطل ليس عليه دليل من كتاب ولا سنَّة، ولا هو قول أحد من أهل السنَّة، بل قد قدَّر الله أجل كل أحد من خلقه وقدَّر السبب الذي ينتهي به أجله، وهو أجل واحد، وهو معلوم لله تعالى، وقد أعلمه ملائكته التي أمرها بكتابة أجل الإنسان في بطن أمه، ومعنى قول المعتزلة: أن الله تعالى جعل للمقتول – مثلًا – أجلَين! أجلًا مقدَّرًا مكتوبًا وأجلًا واقعًا على الحقيقة وهو الوقت الباقي له لو لم يُقتل! ومثل هذا تنزَّه عن المجيء بمثله الشريعة، فكيف يقدِّر الله تعالى لعبده أجلًا يعلم أنه لن يبلغه بل يموت قبله؟! والقاتل إنما يُقتل لا لأنه قطع على المقتول أجله – كما يفترون – بل لأنه ارتكب محظورًا شرعيًّا، ولذلك لو كان القاتل غير مكلف – كالمجنون مثلًا – فإنه لا يُقتل، وكل ذلك منهم للتهرب من القول بأن الله تعالى خلق فعل العبد فقالوا كيف يخلق الله فعل القتل ويحاسبه عليه؟! فافتروا أن القتل إنما استحقه القاتل لأنه قطع أجل المقتول! والرد عليهم في قوله تعالى ( وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ) الصافات/ 96، وكما أنه لا يلزم من التقدير المحبة فكذا لا يلزم من الكتابة ولا الخلق للفعل المحبة من الله تعالى، وإنما المحبَّة فيما يأمر الله تعالى به ويحث عليه من الأفعال، وقد يكون القتل منه كمن قتل كافرًا محاربًا! وقد يكون قتلًا مباحًا كقتل القصاص.

* قال الشيخ ابن أبي العز الحنفي – رحمه الله -:

الله سبحانه وتعالى قدَّر آجال الخلائق بحيث إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون، قال تعالى ( فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ) الأعراف/ 34 والنحل/ 61، وقال تعالى ( وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا ) آل عمْران/ 145.

وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود قال: قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: اللَّهُمَّ أَمْتِعْنِي بِزَوْجِي رَسُولِ اللَّهِ، وَبِأَبِي أَبِي سُفْيَانَ، وَبِأَخِي مُعَاوِيَةَ، قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( قَدْ سَأَلَتِ اللَّهَ لِآجَالٍ مَضْرُوبَةٍ، وَأَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ، وَأَرْزَاقٍ مَقْسُومَةٍ، لَنْ يُعَجِّلَ شَيْئًا قَبْلَ أَجَلِهِ، وَلَنْ يُؤَخِّرَ شَيْئًا عَنْ أَجَلِهِ، وَلَوْ كُنْتِ سَأَلْتِ اللَّهَ أَنْ يُعِيذَكِ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ وَعَذَابٍ فِي الْقَبْرِ كَانَ خَيْرًا وَأَفْضَلَ ).

فالمقتول ميت بأجله، فعلَم الله تعالى وقدَّر وقضى أن هذا يموت بسبب المرض، وهذا بسبب القتل، وهذا بسبب الهدم، وهذا بسبب الحرق، وهذا بالغرق، إلى غير ذلك من الأسباب، والله سبحانه خلق الموت والحياة، وخلق سبب الموت والحياة.

وعند المعتزلة: المقتول مقطوع عليه أجله، ولو لم يُقتل لعاش إلى أجله! فكان له أجلان، وهذا باطل؛ لأنه لا يليق أن يُنسب إلى الله تعالى أنه جعل له أجلًا يعلم أنه لا يعيش إليه البتة، أو يجعل أجلَه أحد الأمرين، كفعل الجاهل بالعواقب.

ووجوب القصاص والضمان على القاتل لارتكابه المنهي عنه ومباشرته السبب المحظور.

وعلى هذا يخرج قوله صلى الله عليه وسلم ( صِلَةُ الرَّحِم تَزِيدُ فِي العُمُرِ ) أي: سبب طول العمر، وقد قدر الله أن هذا يصِلُ رحمه فيعيش بهذا السبب إلى هذه الغاية، ولولا ذلك السبب لم يصل إلى هذه الغاية، ولكن قدَّر هذا السبب وقضاه، وكذلك قدَّر أن هذا يقطع رحمه فيعيش إلى كذا، كما قلنا في القتل وعدمه.

” شرح العقيدة الطحاوية ” ( ص 100، 101 ).

* وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – في شرح قوله تعالى ( ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ):

وأما أجل الموت: فهذا تعرفه الملائكة الذين يكتبون رزق العبد وأجله وعمله وشقي أو سعيد، كما قال في الصحيحين عن ابن مسعود قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم – وهو الصادق المصدوق -: ( إنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خُلُقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يُبْعَثُ إلَيْهِ الْمَلَكُ فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ فَيُقَالُ: اُكْتُبْ رِزْقَهُ وَأَجَلَهُ وَعَمَلَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ ) فهذا الأجل الذي هو أجل الموت قد يُعلمه الله لمن شاء من عباده، وأما أجل القيامة المسمى عنده: فلا يعلمه إلا هو. ” مجموع الفتاوى ” ( 14 / 489 ).

* سئل شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

عن المقتول: هل مات بأجله؟ أم قطع القاتل أجلَه؟.

فأجاب:

المقتول كغيره من الموتى لا يموت أحدٌ قبل أجله ولا يتأخر أحد عن أجله، بل سائر الحيوان والأشجار لها آجال لا تتقدم ولا تتأخر، فإن أجل الشيء هو نهاية عُمُره، وعمره: مدة بقائه، فالعمُر: مدة البقاء، والأجل: نهاية العمر بالانقضاء، وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( قَدَّرَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفِ سَنَةٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ)، وثبت في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ وَخَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ )، وفي لَفْظٍ ( ثُمَّ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ )، وقَد قَالَ تَعَالَى ( فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ )، والله يعلم ما كان قبل أن يكون، وقد كتب ذلك فهو يعلم أن هذا يموت بالبطن أو ذات الجنب أو الهدم أو الغرق أو غير ذلك من الأسباب وهذا يموت مقتولًا : إما بالسم وإما بالسيف وإما بالحجر وإما بغير ذلك من أسباب القتل، وعلْم الله بذلك وكتابتُه له بل مشيئته لكل شيء وخلقه لكل شيء لا يمنع المدح والذم والثواب والعقاب؛ بل القاتل إن قتل قتيلًا أمر الله به ورسوله – كالمجاهد في سبيل الله – : أثابه الله على ذلك، وإن قتل قتيلًا حرَّمه الله ورسوله – كقتل القطاع والمعتدين – : عاقبه الله على ذلك، وإن قتل قتيلًا مباحًا – كقتيل المقتص – : لم يُثب ولم يعاقب إلا أن يكون له نية حسنة أو سيئة في أحدهما.

والأجل أجلان: ” أجل مطلق ” يعلمه الله ” وأجل مقيد ” وبهذا يتبين معنى قوله صلى الله عليه وسلم ( مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ ) فإن الله أمر الملك أن يكتب له أجلًا وقال: ” إن وصل رحمه زدته كذا وكذا ” والملك لا يعلم أيزداد أم لا؛ لكن الله يعلم ما يستقر عليه الأمر فإذا جاء ذلك لا يتقدم ولا يتأخر.

ولو لم يُقتل المقتول: فقد قال بعض القدرية: إنه كان يعيش! وقال بعض نفاة الأسباب: إنه يموت! وكلاهما خطأ؛ فإن الله علم أنه يموت بالقتل فإذا قدر خلاف معلومه كان تقديرًا لما لا يكون لو كان كيف كان يكون، وهذا قد يعلمه بعض الناس وقد لا يعلمه، فلو فرضنا أن الله علم أنه لا يُقتل أمكن أن يكون قدر موته في هذا الوقت وأمكن أن يكون قدر حياته إلى وقت آخر، فالجزم بأحد هذين على التقدير الذي لا يكون: جهل، وهذا كمن قال: لو لم يأكل هذا ما قُدر له من الرزق: كان يموت أو يرزق شيئًا آخر، وبمنزلة من قال: لو لم يحبل هذا الرجل هذه المرأة هل تكون عقيمًا أو يحبلها رجل آخر؟ ولو لم تزرع هذه الأرض هل كان يزرعها غيره أم كانت تكون مواتًا لا يزرع فيها؟ وهذا الذي تعلم القرآن من هذا لو لم يعلمه : هل كان يتعلم من غيره أم لم يكن يتعلم القرآن ألبتة؟ ومثل هذا كثير.

” مجموع الفتاوى ” ( 8 / 516 – 518 ).

والله أعلم.

التوفيق بين آيات قرآنية تثبت السمع والكلام للكفار في الحشر تارة وتنفيه عنهم تارة أخرى

التوفيق بين آيات قرآنية تثبت السمع والكلام للكفار في الحشر تارة وتنفيه عنهم تارة أخرى

السؤال:

يتحدث الله تعالى في سورة مريم ( الآية 38 ) عن المشركين حينما يقول (أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ ).

وفي سورة الإسراء ( آية 97 ) ذكر الله سبحانه ( وَمَن يَهْدِ اللّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاء مِن دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا  وَصُمًّا مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا ).

ليس هناك من احتمالية التناقض في القرآن لكني ليس لدي العلم الأساسي لفهم ذلك، فلو ألقيت الضوء على هذا الأمر فلربما ساهم في ارتقاء إيماني؟.

 

الجواب:

الحمد لله

ليس بحمد الله في نصوص الوحي ما يعارض بعضه بعضًا، وقد يسَّر الله تعالى لكتابه من يُعنى به تفسيرًا لكلماته وتوضيحًا لمشكلاته وبيانا لما ظاهره التعارض، وهؤلاء هم الراسخون في العلم الذين فقهوا مراد ربِّهم تعالى في كتابه فوضعوا الأمور في نصابها وبيَّنوا للناس ما أغلق فهمه عليهم.

والإشكال الذي ذكره الأخ قديم الإيراد، وقد أجاب عليه العلماء أجوبة محكمة مسددة، أبرزها جوابان:

الجواب الأول:

أن مشاهد اليوم الآخر ومراحله كثيرة، ففي بعضها يكون الكفار عميًا وبكمًا وصُمًّا على الحقيقة، وفي بعضها الآخر يرون ويتكلمون ويسمعون.

وهو قول أبي حيان وابن القيم وابن كثير والشنقيطي وغيرهم كثير.

* قال الإمام الطبري – رحمه الله -:

فإن قال قائل: وكيف وصف الله هؤلاء بأنهم يحشرون عميًا وبكمًا وصُمًّا وقد قال ( وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا ) فأخبر أنهم يرون، وقال ( إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا. وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا ) فأخبر أنهم يسمعون وينطقون؟.

قيل: جائز أن يكون ما وصفهم الله به من العَمى والبكم والصمم يكون صفتهم في حال حشرهم إلى موقف القيامة، ثم يجعل لهم أسماع وأبصار ومنطق في أحوال أُخَر غير حال الحشر. ” تفسير الطبري ” ( 17 / 559 ، 560 ).

 

 

* وقال ابن كثير – رحمه الله -:

وقوله: ( عُمْيًا ) أي: لا يبصرون ( وَبُكْمًا ) يعني: لا ينطقون ( وَصُمًّا ): لا يسمعون. وهذا يكون في حال دون حال؛ جزاء لهم كما كانوا في الدنيا بكمًا وعميًا وصمًّا عن الحق، فجوزوا في محشرهم بذلك أحوج ما يحتاجون إليه.

” تفسير ابن كثير ” ( 5 / 123 ).

* وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله -:

قوله تعالى ( وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمّا ) الآية، هذه الآية الكريمة يدل ظاهرها على أن الكفار يُبعثون يوم القيامة عميًا وبكمًا وصمًّا، وقد جاءت آيات أخر تدل على خلاف ذلك كقوله تعالى ( أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا ), وكقوله ( وَرَأى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا )، وكقوله ( رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا) الآية، والجواب عن هذا من أوجه:

الوجه الأول: هو ما استظهره أبو حيان من كون المراد مما ذكر حقيقته، ويكون ذلك في مبدأ الأمر ثم يرد الله تعالى إليهم أبصارهم ونطقهم وسمعهم فيرون النار ويسمعون زفيرها وينطقون بما حكى الله تعالى عنهم في غير موضع.

الوجه الثاني: أنهم لا يرون شيئاً يسرهم، ولا يسمعون كذلك، ولا ينطقون بحجة، كما أنهم كانوا في الدنيا لا يستبصرون ولا ينطقون بالحق ولا يسمعونه، وأخرج ذلك ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس، وروي أيضًا عن الحسن كما ذكره الألوسي في تفسيره، فنزَّل ما يقولونه ويسمعونه ويبصرونه منزلة العدم لعدم الانتفاع به كما تقدم نظيره.

الوجه الثالث: أن الله إذا قال لهم ( اخْسَئوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ ) وقع بهم ذاك العمى والصم والبكم من شدة الكرب واليأس من الفرج، قال تعالى ( وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ )، وعلى هذا القول تكون الأحوال الثلاثة مقدَّرة.

” دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ” ( ص 143 ).

وفي ” أضواء البيان ” ( 4 / 129 ) قال: أظهرها عندي: الأول.

والجواب الثاني:

أن النظر والكلام والسمع المُثبت لهم خاص بما لا فائدة لهم فيه، والمنفي عنهم خاص بما لهم فيه فائدة فهم لا يرون ولا يسمعون شيئًا يسرهم، ولا ينطقون بحجة.

وهو مروي عن ابن عباس والحسن البصري.

* قال الإمام الطبري – رحمه الله -:

ويجوز أن يكون ذلك، كما روي عن ابن عباس قوله ( وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا ) ثم قال ( وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا ) وقال

( سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا ) وقال ( دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا )، أما قوله ( عُمْيًا ): فلا يرون شيئًا يسرّهم، وقوله ( بُكْما ): لا ينطقون بحجة، وقوله ( صُمًّا ): لا يسمعون شيئًا يسرّهم. ” تفسير الطبري ” ( 17 / 560 ).

والقول الأول أظهر وأقوى، وقد فصَّل ابن القيم رحمه الله الحال الذي يُحشرون فيه على وجوههم عميًا وبكمًا وصمًّا وهو من موقف الحشر إلى وقت دخولهم النار، وأنهم يكونون قبل ذلك يرون ويتكلمون ويسمعون.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

 وفصل الخطاب: أن الحشر هو الضم والجمع، ويراد به تارة: الحشر إلى موقف القيامة كقوله النبي صلى الله عليه وسلم ( إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلًا ) وكقوله تعالى ( وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ )، وكقوله تعالى ( وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا ) يراد به: الضم والجمع إلى دار المستقر، فحشر المتقين: جمعهم وضمهم إلى الجنة، وحشر الكافرين: جمعُهم وضمُّهم إلى النار، قال تعالى ( يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا )، وقال تعالى ( احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ. مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ ) فهذا الحشر هو بعد حشرهم إلى الموقف وهو حشرهم وضمهم إلى النار؛ لأنه قد أخبر عنهم أنهم قالوا ( يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ. هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ) ثم قال تعالى ( احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ ) وهذا الحشر الثاني، وعلى هذا: فهم ما بين الحشر الأول من القبور إلى الموقف والحشر الثاني من الموقف إلى النار، فعند الحشر الأول: يسمعون ويبصرون ويجادلون ويتكلمون، وعند الحشر الثاني: يُحشرون على وجوههم عميًا وبكمًا وصمًّا، فلكل موقف حال يليق به ويقتضيه عدل الرب تعالى وحكمته، فالقرآن يصدِّق بعضُه بعضًا، ( وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا ).

” مفتاح دار السعادة ” ( 1 / 45 ، 46 ).

 

والله أعلم.

أُعطيت له وجبة إفطار فهل يأخذ أجر تفطير صائم إذا بذلها لغيره؟

أُعطيت له وجبة إفطار فهل يأخذ أجر تفطير صائم إذا بذلها لغيره؟

السؤال:

أعمل بمكان يوزع وجبات إفطار للموظفين، وأنا آخذ من الوجبات، هل لو أعطيت الوجبة لشخص آخر محتاج أكون قد فطَّرتُ صائمًا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

قد ذكرنا ثواب من فطَّر صائمًا وأن له مثل أجر الصائم لا ينقص من أجر الصائم شيئًا، وأن ذلك الثواب هو لمن أشبع الصائم ذاك.

وبما أنك تملكتَ الوجبة التي أُعْطيت لك : فلكَ أجر تفطير صائم – إن شاء الله- إذا دفعتَها لصائم يفطر عليها، وقد كان بعض السلف تُدفع إليهم الهدية أو الصدقة فيدفعونها لغيرهم تصدقاً بها أو إهداء لها، يبتغون بذلك الأجر، ولهم ذلك لأنهم أصبحوا لها مالكين، ويُكتب لهم – إن شاء الله – أجر ما بذلوه لغيرهم، وإذا كان ذلك البذل معه حاجة لذلك الطعام وتعلق للنفس به: فإنه يَعظم الأجر ولا شك.

قال ابن عمر رضي الله عنهما: أُهدي لرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأس شاة فقال: أخي فلان أحوج مني إليه، فبعث به إليه فبعثه ذلك الإنسان إلى آخر فلم يزل يبعث به واحد إلى آخر حتى رجع إلى الأول بعد أن تداوله سبعة . انظر ” إحياء علوم الدِّين ” ( 2 / 174 ).

*  الشيخ العثيمين – رحمه الله -:

الفقير إذا أخذ الصدقة وهو من أهلها، أو الزكاة وهو من أهلها : فإنه يملكها ملكًا تامًّا يتصرف فيها بما يشاء. ” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 21 / 103 ).

ومما يؤكد ذلك في السنَّة وأن المتملك للشيء حر التصرف يه: ما حصل من بريرة مولاة عائشة، ونسيبة الأنصارية – رضي الله عنهما -، فقد تُصدِّق عليهما بلحم، وتصرفتا به إهداءً للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو محرَّم عليه الصدقة مما يدل على أن الحكم للمالك الثاني لا للأول من جهة، ومن جهة أخرى فيه حرية التصرف فيما بُذل له.

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: أُتِىَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِلَحْمٍ فَقِيلَ تُصُدِّقَ عَلَى بَرِيرَةَ قَالَ ( هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ ). رواه البخاري ( 2438 ) ومسلم ( 1074 ).

وعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ رضي الله عنها قَالَتْ: بُعِثَ إِلَى نُسَيْبَةَ الأَنْصَارِيَّةِ بِشَاةٍ فَأَرْسَلَتْ إِلَى عَائِشَةَ رضي الله عنها مِنْهَا فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ( عِنْدَكُمْ شَيْءٌ ) فَقُلْتُ  لاَ إِلاَّ مَا أَرْسَلَتْ بِهِ نُسَيْبَةُ مِنْ تِلْكَ الشَّاةِ فَقَالَ ( هَاتِ فَقَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا ).

رواه البخاري ( 1377 ) ومسلم ( 1076 ).

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وقوله ( قد بلغت محِلَّها ) فيه: أن الصدقة يجوز فيها تصرف الفقير الذي أعطيها بالبيع والهدية وغير ذلك. ” فتح الباري ” ( 5 / 205 ).

وبه تَعلم أنك قد تملكت تلك الوجبة بإعطائها لك، وأنه يجوز التصرف بها إهداء لها وتصدقًا بها، وأن لك أجر تفطير صائم إن دفعتها لصائم يأكلها، واعلم أنّ الصدقة في وقت الحاجة والمجاعة أفضل من التطوع بالعمرة، فلينظر.

وكل ما تُحصله من أجور بفعلك ذاك فللأول الذي ملَّكك الوجبة مثل أجرك لا ينقص من أجرك شيءٌ.

 

والله أعلم.

 

 

 

 

أسئلة مهمة حول اعتقاد أهل السنَّة في أسماء الله تعالى وصفاته

أسئلة مهمة حول اعتقاد أهل السنَّة في أسماء الله تعالى وصفاته

السؤال:

هل صفات الله كلها متشابهة أم أنها صفات متعددة ومختلفة وكل صفة تختلف عن الأخرى؟ وكذلك الأسماء هل كلها معناها واحد ومتشابهة أم أن كل اسم يدل على معنى مغاير للآخر؟ وهل يجوز أن نقول إن صفات الله لا منتهى لها وكذلك الأسماء أم أن لها نهاية وهي محصورة وأن الله قد علمها وأحصاها؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا شك أن صفات الله تعالى متباينة من حيث معانيها، فصفة ” القدرة ” ليست هي صفة ” العزة ” وليست هي صفة ” العلم “، ولا يقول عاقل بأنها متشابهة من حيث معانيها، وسيأتي توضيح ذلك وتبيينه فيما يأتي.

 

ثانيًا:

ومن اعتقاد أهل السنَّة والجماعة في أسماء الله تعالى: أنها مترادفة من حيث دلالتها على ذاته عز وجل، ومتباينة من حيث دلالتها على معانيها.

ولتوضيح ذلك نقول: إن أسماءه تعالى ” القدير ” ” العليم ” ” العزيز ” ” الحكيم ” – مثلًا – كلها تدل على ذات واحدة وهي ذات الله المقدَّسة، فهي بهذا الاعتبار مترادفة.

وفي الوقت نفسه فإن صفة ” القدرة ” ” العلم ” ” العزة ” ” الحكمة ” تختلف بعضها عن بعض، فهي بهذا الاعتبار متباينة.

– فصارت أسماء الله تعالى الحسنى: أعلام مترادفة وأوصاف متباينة.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

فالله سبحانه أخبرنا أنه عليم، قدير، سميع، بصير، غفور، رحيم، إلى غير ذلك من أسمائه وصفاته، فنحن نفهم معنى ذلك، ونميز بين العلم والقدرة، وبين الرحمة والسمع والبصر، ونعلم أن الأسماء كلها اتفقت في دلالتها على ذات الله، مع تنوُّع معانيها، فهي متفقة متواطئة من حيث الذات، متباينة من جهة الصفات.

” مجموع الفتاوى ” ( 3 / 59 ).

* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

أسماء الله تعالى أعلام وأوصاف، أعلام باعتبار دلالتها على الذات، وأوصاف باعتبار ما دلت عليه من المعاني، وهى بالاعتبار الأول مترادفة لدلالتها على مسمى واحد وهو الله عز وجل، وبالاعتبار الثاني متباينة لدلالة كل واحد منهما على معناه الخاص

فـ ” الحي، العليم، القدير، السميع، البصير، الرحمن، الرحيم، العزيز، الحكيم ” كلها أسماء لمسمّى واحد وهو الله سبحانه وتعالى، لكن معنى ” الحي ” غير معنى ” العليم “، ومعنى ” العليم ” غير معنى ” القدير “، وهكذا.

وإنما قلنا بأنها أعلام وأوصاف لدلالة القرآن عليها، كما في قوله تعالى ( وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ )، وقوله ( وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ ) فإن الآية الثانية دلت على أن الرحيم هو المتصف بالرحمة، ولإجماع أهل اللغة والعرف أنه لا يقال: ” عليم ” إلا لمن علم، ولا ” سميع ” إلا لمن سمع، ولا ” بصير ” إلا لمن له بصر، وهذا أمر أبين من أن يحتاج إلى دليل. ” القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى ” ( ص 8 ).

وهكذا يقال في أسماء القرآن وأسماء النبي صلى الله عليه وسلم وأسماء اليوم الآخر، فهي مترادفة من حيث دلالتها على شيء واحد – القرآن أو الرسول أو اليوم الآخر-، وهي في الوقت نفسه متباينة من حيث أن كل اسم من أسماء ما سبق يحمل صفة غير الأخرى، فصار الأسماء باعتبار معاني الأسماء متباينة.

 

ثالثًا:

ومن معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله الحسنى- على القول الراجح الصحيح -: أنها غير محصورة بعدد معيَّن، وهكذا القول في صفاته تعالى؛ فإن لله تعالى أسماء قد استأثر بها في علم الغيب عنده، وهذه الأسماء تحمل صفات، فصارت أسماؤه وصفاته غير محصورة بعدد معيَّن.

ومما يستدل به على هذا الاعتقاد:

  1. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مسْعُود قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَا أَصَابَ أَحَدًا قَطُّ هَمٌّ وَلَا حَزَنٌ فَقَالَ ” اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ نَاصِيَتِي بِيَدِكَ مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي وَنُورَ صَدْرِي وَجِلَاءَ حُزْنِي وَذَهَابَ هَمِّي “: إِلَّا أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَجًا، قَالَ: فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نَتَعَلَّمُهَا؟ فَقَالَ: بَلَى يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهَا أَنْ يَتَعَلَّمَهَا ) رواه أحمد ( 3704 ) وصححه الألباني في ” السلسلة الصحيحة “( 199).

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

الأسماء الحسنى لا تدخل تحت حصر، ولا تحد بعدد؛ فإن لله تعالى أسماء وصفات استأثر بها في علم الغيب عنده لا يعلمها ملَك مقرب ولا نبي مرسل، كما في الحديث الصحيح ( أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ )، فجعل أسماءه ثلاثة أقسام:

قسم سمَّى به نفسه فأظهره لمن شاء من ملائكته أو غيرهم ولم ينزل به كتابه.

وقسم أنزل به كتابه فتعرف به إلى عباده.

وقسم استأثر به في علم غيبه فلم يطلع عليه أحد من خلقه، ولهذا قال (اسْتَأْثَرْتَ بِهِ ) أي: انفردت بعلمه، وليس المراد انفراده بالتسمِّي به لأن هذا الإنفراد ثابت في الأسماء التي أنزل الله بها كتابه. ” بدائع الفوائد ” ( 1 / 174 – 176 ).

* وقال ابن كثير – رحمه الله -:

ليُعلم أن الأسماء الحسنى غير منحصرة في تسعة وتسعين.

” تفسير ابن كثير ” ( 2 / 328 ).

ولينظر – للفائدة –  ” مجموع الفتاوى ” لابن تيمية ( 22 / 482 – 486 ).

  1. عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: فَقَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةً مِنْ الْفِرَاشِ فَالْتَمَسْتُهُ فَوَقَعَتْ يَدِي عَلَى بَطْنِ قَدَمَيْهِ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ وَهُوَ يَقُولُ ( اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ ). رواه مسلم ( 486 ).

فالصفات – كما ذكرنا – تتبع الأسماء، فكل اسم ثابت لله تعالى فيه صفة تليق بجلاله عز وجل.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

فأخبر أنه لا يُحصي ثناء عليه، ولو أحصى أسماءه لأحصى صفاته كلها فكان يُحصي الثناء عليه؛ لأن صفاته إنما يعبَّر عنها بأسمائه.

” درء تعارض العقل والنقل ” ( 3 / 332 ، 333 ).

  1. ومن أسمائه تعالى ما يجوز أن يُشتق منها أفعال، وأفعال الله لا منتهى لها.

وصفات الله عزَّ وجلَّ ذاتِيَّة وفعليَّة، والصفات الفعليَّة متعلقة بأفعاله تعالى، وأفعال الله لا منتهى لها.

* قال الشيخ العثيمين – رحمه الله -:

من الصفات ما يتعلق بأفعال الله تعالى، وأفعاله لا منتهى لها، كما أن أقواله لا منتهى لها، قال الله تعالى ( وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) لقمان/ 27.

” القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى ” ( ص 21 ).

* وقال الشيخ علوي السقاف – حفظه الله -:

القاعدة العاشرة:

” صفات الله عَزَّ وجَلَّ ذاتِيَّة وفعليَّة، والصفات الفعليَّة متعلقة بأفعاله، وأفعاله لا منتهى لها “، ( وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاءُ ).

” صفات الله عز وجل الواردة في الكتاب والسنة ” ( ص 22 ).

* وقال – أيضًا -:

القاعدة الحادية والعشرون:

” صفات الله عَزَّ وجَلَّ لا حصر لها؛ لأن كل اسم يتضمن صفة – كما مرَّ في القاعدة الثامنة -، وأسماء الله لا حصر لها، فمنها ما استأثر الله به في علم الغيب عنده. ” صفات الله عز وجل الواردة في الكتاب والسنة ” ( ص 26 ).

وقد ظنَّ بعضهم أن أسماء الله تعالى محصورة بعدد معين وهو العدد تسعة وتسعون! وقد نقل النووي رحمه الله اتفاق العلماء على أن أسماء الله تعالى غير محصورة في هذا العدد، وقد سبق في جواب السؤال رقم ( 41003 ) الدليل على نفي الحصر بهذا العدد، مع ذِكر أقوال أهل العلم في الرد على من فهم أن أسماء الله تعالى محصورة في هذا العدد.

والخلاصة في هذا الباب: أن أسماء الله تعالى وصفاته وأفعاله لا حصر لها، ولا يشك بهذا من اطلع على أدلة الكتاب والسنَّة ووقف على اعتقاد أهل السنَّة والجماعة، وضبط اعتقاده في الأسماء والصفات بقواعد منضبطة.

 

والله أعلم.