الرئيسية بلوق الصفحة 174

هل يجوز للخطيب استعمال ” البروجكتر ” في خطبة الجمعة؟!

السؤال:

هل يوجد مانع شرعي من استخدام وسائل الإيضاح المرئية، والإلكترونية، كشاشات التلفاز، أو ” البروجكترات “، كأداة مساعدة للخطيب في خطبة الجمعة، من غير أن يصدر منها أي صوت يقطع صوت الخطيب؟ فالهدف من خطبة الجمعة هو تذكير الناس، ووعظهم، وتعليمهم، والتواصل معهم في أمور دينهم، وأمور حياتهم اليومية، والنابعة من بيئتهم ومجتمعهم، وأن مثل هذه الوسائل تساعد علي إيصال الخطبة بشكل أكثر فعالية للمصلين، وجذبهم للب الموضوع، مع مراعاة جميع النواحي الشرعية في الوسيلة التوضيحية، فمكبرات الصوت ساعدت على إيصال صوت الخطيب إلى عدد كبير من الناس، فهي أداة سمعية مساعدة، وبالمثل: فالشاشات، والبروجكترات هي أدوات بصرية مساعدة، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير التواصل مع أصحابه بإشارات من يديه الكريمتين لتقريب الفكرة بصريًّا، فساعة نراه عليه الصلاة والسلام يقرب بين السبابة والوسطى، وساعة نراه عليه الصلاة والسلام يرسم ثلاث خطوط على الأرض يحدد فيها الإنسان وأجله وأمله كما جاء في ” مسلم “، فهي أمور بسيطة في ذلك الزمن، ولكنها تساعد على إيضاح فكرة ما، أو تقريب الصورة إلى أذهان المستمعين.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

مخطئ من يظن أن الإسلام يتعارض في أحكامه مع ” التطور ” التقني، والاختراعات الحديثة، وما استعمال الإنترنت، والقنوات الفضائية، وأدوات الاتصال الحديثة إلا أدلة يسيرة على صدق هذا القول، لكننا لسنا عبيداً لتلك التطورات، وليست هي صالحة للدخول في كل باب من أبواب الدين، كمن أراد إدخال ” الإمام الإلكتروني ” في الصلاة بزعم مواكبة التطور والاختراعات الحديثة، فجعل من فتواه مجالاً للسخرية.

ومن ذلك: ما يسعى بعض الناس لإقراره وإثبات صلاحيته في خطبة الجمعة، وهو استعمال التقنيات الحديثة في العرض الضوئي ” البروجكتر ” على المصلين أثناء خطبة الجمعة! وقد حاول بعضهم إحراج العلماء بذِكره استعمال مكبرات الصوت في الخطبة! وهذا ليس من ذاك، ولا يشبهه، ولا يقربه، وهو يؤكد ما قلناه أولا أننا لا نمانع من استعمال ما هو جديد من التقنيات، لكن ذلك مشروط بموافقته للشرع، وعدم وجود محاذير، أو آثار سلبية.

والذي نراه أن استعمال ” البروجكتر ” في خطبة الجمعة لا يتوافق مع الشرع؛ لأسباب:

  1. أن خطبة الجمعة لها هيبتها، ومنزلتها التي سماها الله تعالى في كتابه ” ذكر الله “، فقال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) [ الجمعة / الآية 9 ] .

وإن استعمال جهاز العرض ذاك يقلل هيبتها، أو يُذهبه، ولا يتناسب مع كون الخطبة ذِكراً لله تعالى.

  1. أن السنَّة في خطبة الجمعة أنها تكون قصيرة، ومن شأن استعمال جهاز العرض فيها أن يطوِّلها، وهو مخالف للهدي النبوي.

قَالَ أَبُو وَائِلٍ: خَطَبَنَا عَمَّارٌ – أي: ابن ياسر – فَأَوْجَزَ، وَأَبْلَغَ، فَلَمَّا نَزَلَ قُلْنَا: يَا أَبَا الْيَقْظَانِ لَقَدْ أَبْلَغْتَ وَأَوْجَزْتَ فَلَوْ كُنْتَ تَنَفَّسْتَ – أي: أطلتَ -، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ” إِنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ, وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ, مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ، فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ، وَاقْصُرُوا الْخُطْبَةَ، وَإِنَّ مِنْ الْبَيَانِ سِحْرًا “.

رواه مسلم ( 869 ).

وقد تتابعت كلمات العلماء على توكيد هذا الأمر، وتثبيته:

أ. قال ابن عبد البر – رحمه الله -:

وأما قصر الخطبة: فسنَّة مسنونة، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بذلك، ويفعله ، وفي حديث عمار بن ياسر: ” أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقصر الخطبة “، وكان يخطب بكلمات طيبات، قليلات، وقد كره التشدق، والتفيهق.

وأهل العلم يكرهون من المواعظ ما ينسي بعضه بعضاً لطوله، ويستحبون من ذلك ما وقف عليه السامع الموعوظ فاعتبره بعد حفظه له، وذلك لا يكون إلا مع القلة.

” الاستذكار ” ( 2 / 363 ، 364 ).

ب. وقال ابن حزم – رحمه الله -:

ولا تجوز إطالة الخطبة. ” المحلى ” ( 5 / 60 ).

  1. ثم يقال لهؤلاء المجيزين لاستعمال جهاز العرض الضوئي: أين تضعون شاشة العرض؟ وماذا عن المصلين عن يمين المسجد وعن شماله؟ وماذا عن المصلين خلف الأعمدة؟ وماذا عن المصلين خارج المسجد؟ وماذا عن النساء، هل سيشاركن في النظر؟! إن من شأن ذلك الاستعمال أن يكون لأناس دون آخرين، ومن شأنه أن يحرم طائفة من المصلين من الاستمتاع! بالمشاهدة، فأين الحكمة في ذلك الاستعمال مع ذلك الحرمان لتلك الطائفة.
  2. وإن من شأن استعمال جهاز العرض ذاك أن تُطفأ الأنوار! وأن تشغل أنوار جهاز العرض، وهو ما سيتسبب في حركة بعض المصلين الحاضرين في الإطفاء، والتشغيل، وإشغالهم بطريقة العرض، والصور المعروضة، أو الصوت الخارج منها، وهو ما يتنافى مع أحكام الجمعة، وقد حرَّم النبي صلى عليه وسلم مسَّ الحصى أثناء الخطبة، وجعل من فعل ذلك متعمداً أنه يُحرم من أجر الجمعة.

قال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -:

لا شك أن المسلم مأمور حالة خطبة الجمعة بالاستماع، والإنصات، وقطع الحركة، فهو مأمور بشيئين:

أولا: السكون، والهدوء، وعدم الحركة، والعبث.

ثانيًا: هو مأمور بالسكوت عن الكلام، فيحرم عليه أن يتكلم، والإمام يخطب، ويحرم عليه كذلك أن يستعمل الحركة، والعبث، أو يمسح الحصى، ويخطط في الأرض، أو ما أشبه ذلك، وما ذكرته من الحديث: ” من مسَّ الحصى فقد لغا ” فهو ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومعنى ( لغا ) : أنه ارتكب خطأ يُسبب إلغاء ثوابه، فمعنى ( لغا ) : ليس معناه أنه تبطل صلاته، وأنه يؤمر بالإعادة، وإنما معناه أنه لا ثواب له في تلك الصلاة. ” المنتقى من فتاوى الشيخ صالح الفوزان ” ( 5 / 71 ).

فالذي نراه: هو عدم جواز استعمال جهاز العرض الضوئي في خطبة الجمعة، وأما في الدروس والمواعظ والمحاضرات: فالأمر فيه واسع، ولا حرج في استعماله.

 

والله أعلم.

نبذة عن الإمام الشافعي

السؤال:

نريد نبذة عن حياة الإمام الشافعي، وإذا كان بالإمكان ترجمتها إلى الفرنسية لتعميم الفائدة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أكثر الرواة على أن الشافعي قد ولد بغزة بالشام، وعلى ذلك اتفق رأي الجمهرة الكبرى من مؤرخي الفقهاء وكاتبي طبقاتهم، ولكن وجد بجوار هذه الرواية من يقول إنه ولد بعسقلان، وهي على بعد ثلاثة فراسخ من غزة.

والرواية التي تعتنقها الكثرة العظمى من مؤرخي الفقهاء أيضًا بالنسبة لنسبه أنه ولد من أب قرشي مطلبي، واسمه محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف, فهو يلتقي مع النبي صلى الله عليه وسلم في عبد مناف.

والأخبار تتفق على أنه عاش عيشة اليتامى الفقراء، حفظ القرآن الكريم، وبدا ذكاؤه الشديد في سرعة حفظه له، ثم اتجه بعد حفظه القرآن الكريم إلى استحفاظ أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان حريصًا عليها، ويستمع إلى المحدثين فيحفظ الحديث بالسمع، ثم يكتبه على الخزف أحيانًا، وعلى الجلود أخرى، وكان يذهب إلى الديوان يستوعب الظهور ليكتب عليها، وبهذا تدل كل الروايات، أنه أغرم بالعلم، وحبب إليه حديث النبي صلى الله عليه وسلم منذ نعومة أظفاره.

خرج إلى البادية ولزم هذيلًا وهو يقول: خرجت من مكة فلازمت هذيلًا بالبادية، أتعلم كلامها، وآخذ طباعها، وكانت أفصح العرب، أرحل برحيلهم، وأنزل بنزولهم، فلما رجعت إلى مكة جعلت أنشد الأشعار، وأذكر الآداب والأخبار، ولقد بلغ من حفظه لأشعار الهذيليين وأخبارهم أن الأصمعي – ومكانته من اللغة مكانته – قال: صححت أشعار هذيل على فتى من قريش يقال له محمد بن إدريس.

طلب الشافعي العلم بمكة على من كان فيها من الفقهاء والمحدثين، وبلغ شأوًا عظيمًا، حتى لقد أذن له بالفتيا مسلم بن خالد الزنجي، وقال له: افت يا أبا عبد الله، فقد آن لك أن تفتي.

وكان ذلك في وقت انتشر اسم مالك في الآفاق، وتناقلته الركبان، وبلغ شأوًا من العلم والحديث بعيدًا، فسمت همة الشافعي إلى الهجرة إلى يثرب في طلب العلم، ولكنه لم يرد أن يذهب إلى المدينة خالي الوفاض من علم مالك – رضي الله عنه -، فقد استعار الموطأ من رجل بمكة وقرأه، والروايات تقول إنه حفظه.

ذهب الشافعي إلى مالك يحمل معه كتاب توصية من والي مكة، وبهذه الهجرة أخذت حياة الشافعي تتجه إلى الفقه بجملتها، ولما رآه مالك – وكانت له فراسة – قال له: يا محمد! اتق الله، واجتنب المعاصي، فإنه سيكون لك شأن من الشأن، إن الله تعالى قد ألقى على قلبك نورًا ، فلا تطفئه بالمعصية. ثم قال له: إذا ما جاء الغد تجيء ويجيء ما يقرأ لك. ويقول الشافعي: فغدوت عليه وابتدأت أن أقرأ ظاهرا والكتاب في يدي، فكلما تهيبت مالكًا وأردت أن أقطع أعجبه حسن قراءتي وإعرابي فيقول: يا فتى زد، حتى قرأته عليه في أيام يسيرة.

لما مات مالك وأحس الشافعي أنه نال من العلم أشطرًا، اتجهت نفسه إلى عمل يكتسب منه ما يدفع حاجته ويمنع خصاصته، وصادف في ذلك الوقت أن قدم إلى الحجاز والي اليمن، فكلمه بعض القرشيين في أن يصحبه الشافعي، فأخذه ذلك الوالي معه، ويقول الشافعي: ولم يكن عند أمي ما تعطيني ما أتمول به، فرهنت دارًا، فتحملت معه، فلما قدمنا عملت له على عمل.

تولى على نجران، فأقام العدل ونشر لواءه، ويقول هو في ذلك: وليت نجران وبها بنو الحارث بن عبد المدان، وموالي ثقيف، وكان الوالي إذا أتاهم صانعوه، فأرادوني على نحو ذلك فلم يجدوا عندي.

اتُّهِم الشافعي بأنه مع العلوية، فأرسل الرشيد أن يحضر النفر التسعة العلوية ومعهم الشافعي، ويقول الرواة أنه قتل التسعة، ونجا الشافعي بقوة حجته، وشهادة محمد بن الحسن له، كان قدومه بغداد في هذه المحنة سنة ( 184هـ ) أي وهو في الرابعة والثلاثين من عمره. ولعل هذه المحنة التي نزلت به ساقها الله إليه ليتجه إلى العلم لا إلى الولاية والسلطان.

قال ابن حجر: انتهت رياسة الفقه بالمدينة إلى مالك بن أنس، فرحل إليه ولازمه وأخذ عنه، وانتهت رياسة الفقه بالعراق إلى أبي حنيفة، فأخذ عن صاحبه محمد بن الحسن حملًا ليس فيه شيء إلا وقد سمعه عليه، فاجتمع علم أهل الرأي وعلم أهل الحديث، فتصرف في ذلك حتى أصل الأصول وقعد القواعد وأذعن له الموافق والمخالف، واشتهر أمره وعلا ذكره وارتفع قدره حتى صار منه ما صار.

بهت أهل الرأي في أول التقائه بهم في بغداد سنة ( 184هـ ) حتى قال الرازي في ذلك: انقطع بسببه استيلاء أهل الرأي على أصحاب الحديث.

ثم عاد الشافعي إلى مكة وأخذ يلقي دروسه في الحرم المكي، والتقى به أكبر العلماء في موسم الحج، واستمعوا إليه، وفي هذا الإبان التقى به أحمد بن حنبل.

ثم قدم الشافعي بغداد للمرة الثانية في سنة ( 195هـ )، وألف لأول مرة كتاب ” الرسالة ” الذي وضع به الأساس لعلم أصول الفقه، وجاء في مناقب الشافعي للرازي أنه روى أن عبد الرحمن بن مهدي التمس من الشافعي وهو شاب أن يضع له كتابًا يذكر فيه شرائط الاستدلال بالقرآن, والسنة, والإجماع, والقياس, وبيان الناسخ والمنسوخ, ومراتب العموم والخصوص، فوضع الشافعي – رضي الله عنه – كتاب ” الرسالة ” وبعثها إليه، فلما قرأها عبد الرحمن بن مهدي قال: ما أظن أن الله عز وجل خلق مثل هذا الرجل، ثم يقول الرازي: واعلم أن الشافعي – رضي الله عنه – قد صنف كتاب الرسالة وهو ببغداد، ولما رجع إلى مصر أعاد تصنيف كتاب الرسالة، وفي كل واحد منهما علم كثير.

ثم انتقل الشافعي إلى مصر، وقال الشافعي عندما أراد السفر:

لقد أصبحت نفسي تتوق إلى مصر   ومن دونها قطع المهامة والقفر

فوالله ما أدري الفوز والغنى   أساق إليها أم أساق إلى القبر

تساءل الشافعي في هذا الشعر أيساق إلى الغنى والفوز في مصر، أم يُساق إلى القبر، ولقد أجابه القدر عن سؤاله فساقه إليهما معًا، فقد نال الغنى بما كان يأخذه من سهم ذوي القربى الذي قد ناله بنسبه الشريف، ونال الفوز بنشر علمه وآرائه وفقهه، ثم ناله الموت، فكان مسوقًا إلى قبره بمصر، فقد مات في آخر ليله من رجب سنة ( 204هـ ) وقد بلغ من العمر أربعة وخمسين عامًا.

قال داود بن علي الظاهري:

” للشافعي من الفضائل ما لم يجتمع لغيره من شرف نسبه، وصحة دينه ومعتقده، وسخاوة نفسه، ومعرفته بصحة الحديث وسقيمه, وناسخه ومنسوخه, وحفظ الكتاب والسنة وسيرة الخلفاء, وحسن التصنيف “.

ولقد قال أحمد بن حنبل فيه:

” ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة رجلًا يقيم لها أمر دينها، فكان عمر بن عبد العزيز على رأس المائة، وأرجو أن يكون الشافعي على رأس المائة الأخرى “.

وقال الإمام أحمد – رحمه الله – أيضًا:

” كان الشافعي كالشمس للدنيا وكالعافية للبدن، فهل ترى لهذين من خلف، أو عنهما من عوض “.

وللتوسع عن حياة هذا الإمام وعلمه وفقهه، نحيل إلى كتاب ” الإمام الشافعي حياته ومذهبه، آراؤه وفقهه ” للشيخ محمد أبو زهرة، ومنه استفدنا هذه الترجمة.

 

والله أعلم.

كيف يزكي التاجر بضاعته التي في الطريق إليه؟ وهل يحسم ديونه من النصاب؟.

السؤال:

ما تقولون فضيلتكم في كيفية إخراج الزكاة ، حيث إنني أملك محلًا تجاريًّا لبيع الأقمشة، وقد حال الحول على البضاعة الموجودة بالمحل، وهناك ديون متعلقة بالبضاعة الموجودة، والمشتراة بالأجل، بأن تم دفع جزء من قيمتها، والباقي مؤجل، و بعض الديون على المحل، بالإضافة للمصاريف سنوية – كإيجار المحل، ورسوم رخصة سنوية … -.

وكذلك يوجد طلبيات في الطريق، فهل تحسب قيمة البضاعة حتى يومنا هذا، ويخصم منها قيمة الديون، وقيمة البضائع التي في الطريق، وتحسب قيمة الزكاة، أم فقط قيمة البضاعة حتى يومنا هذا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

يخطئ بعض التجار في زكاة عروض التجارة، فيحسبون لبضاعتهم حوْلاً كاملاً خاصًّا! وهذا خطأ، بل بضاعتهم هي جزء من أموالهم، فعليهم إضافة قيمة البضاعة إلى ما يملكونه من أموال نقدية، ليكون حساب الزكاة على جميع ما يملكونه من مال، وبضاعة، وديون على الآخرين، فتضم البضاعة إلى المال ويكون النصاب والزكاة عليهما مجتمعيْن.

فانتبه لهذا – بارك الله عليك -، ولا تقع فيما وقع فيه غيرك.

ثانيا:

ومن أخطاء بعض التجار: أنه يقدِّر بضاعته بثمن شرائها، وهذا خطأ، بل عليه حسابها بسعر بيعها، بسعر الجملة للجملة، بسعر المفرَّق – القطاعي – للمفرَّق، فينظر وقت وجوب الزكاة عليه ويخرج الزكاة على بضاعته بسعر بيعها، فإن عجز عن الإحصاء الدقيق: فيقدِّر ذلك تقديرا يتقي الله تعالى فيه.

وانتبه – أخي السائل – إلى أن النصاب يقدَّر بالفضة، لا بالذهب، فإذا بلغ إجمالي ما عندك من مال نقدي وبضاعة قيمة ( 595 غراماً ) من الفضة: فقد بلغ مالك النصاب الشرعي الذي تجب فيه الزكاة.

ثالثا:

والديون التي عليك – أخي السائل – حكمها حكم الديون النقدية، فإن كان معه ما يقضي دينَه به، مالا، أو بضاعة: فلا يحسم الذي عليه منها, بل إما أن يقضي دينه، أو يحسب زكاة ما معه من مال أو بضاعة.

والرسوم السنوية للرخصة، وإيجار المحل: لا يمنعان من وجوب الزكاة، فإذا دَفعتَ الرسوم والإيجار قبل حلول وقت الزكاة: فلا إشكال، وإن جاء وقت الزكاة قبل وقت دفع الإيجار: فتحسب جميع ما معك من مال لتزكيه، ولا تحسم منه رسوم الرخصة، وقيمة الإيجار.

رابعا:

ويجوز لك أن تخرج زكاة بضاعتك أقمشة، ولا يجب عليك إخراجها نقوداً، فتتحرى أهل الزكاة المحتاجين للباس، فتعطيهم أقمشة يسترون بها أبدانهم.

خامسا:

وأما البضاعة المشتراة من مصدرها، وهي في طريقها إليكَ، وقد وجبت عليك الزكاة ولمَّا تصل بعدُ: فإنها تضاف على ما تملكه من مال وبضائع تحت تصرفك، لكن بقيتها بحسب مكانها الذي هي فيه عند حلول الزكاة، فإن كانت في ميناء البلد المصدِّر فلها قيمة، وإن كانت في البحر فلها قيمة، وإن كانت في ميناء بلدك فلها قيمة، وعليك معرفة مكانها عند حلول الزكاة لتخرج زكاتها مع ما معك من مال أو بضاعة.

 

والله أعلم.

علَّق طلاقها على معصيتها له فعصته في أمرٍ سابق لتعليقه, فهل يقع طلاقها؟.

السؤال:

أنا شاب متزوج، أعمل بالمملكة العربية السعودية، وزوجتي موجودة بمصر، ونشأت بيني وبين زوجتي بعض الخلافات، ونتيجة لهذه الخلافات أصبحتْ لا تطيعني في بعض الأمور، فأنا قلت لها: إذا أمرتك بشيء ليس فيه معصية لله ولم تطيعيني فيه: تكونين طالقا، وإذا كذبتِ عليَّ ثانية: تكونين طالقًا، وبعدها بأسبوع عصتني في أمر كنت قد نهيتها عنه من قبل أن أحلف عليها يمين الطلاق، فهل وقع الطلاق أم لا؟ مع العلم أنني مسافر ولن أعود إلا بعد ( 6  أشهر )، وكذلك الأمر الذي عصتني فية لا يوجد فيه معصية لله، وهذه أول مرة أحلف عليها هذا اليمين، فما هو الحل؟ .

 

الجواب:

الحمد لله

من علَّق طلاق زوجته على فعلها لشيء، وكان يقصد تطليقها إن فعلته، ثم فعلته: فقد وقع طلاقها عند جميع علماء المسلمين، ولا يُعلم بينهم في هذا اختلاف.

وما خالف فيه شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – في هذه المسألة: هو فيما إذا لم يكن يقصد الطلاق، بل الحث، أو المنع، وقد عدَّه رحمه الله بذلك يمينًا.

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 7 / 272 ، 273 ):

وقد اختلف الفقهاء في تعليق الطلاق عند تحقق شرائط الطلاق الشرعية: أنه يقع عند وقوع ما علق عليه أو لا يقع.

وللفقهاء في وقوع الطلاق المعلق، وعدم وقوعه قولين:

القول الأول: أنه يقع إذا تحقق ما علق عليه، سواء أكان جارياً مجرى اليمين أم لا، وإلى هذا ذهب الجمهور، من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة.

القول الثاني: التفرقة بين ما جرى مجرى اليمين، وما لم يجرِ مجراه.

فالأول: لا يقع، وإن وقع ما علق عليه، والثاني: يقع عند وقوع ما علق عليه، وهذا رأي ابن تيمية، وابن القيم، جمعاً بين ما روي عن الصحابة من الوقوع، وعدمه.

وهل تجب كفارة اليمين فيما جرى مجرى اليمين أو لا تجب؟.

اختار ابن تيمية وابن القيم وجوب الكفارة؛ لأنها يمين منعقدة يشملها قوله تعالى: ( ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ).

انتهى باختصار وتصرف يسير.

والذي يظهر من سؤالك أنك قصدتَ تطليقها إن هي عصتك، أو كذبت عليك، وفي حال وقوع ذلك منها: فقد وقعت عليها طلقة.

وأما كون ذلك الأمر وقع منك قبل تعليق الطلاق: فمرجع وقوع الطلاق من عدمه راجع إلى نيتك، فإن كنتَ تقصد بقولك جميع أوامرك لها السابقة واللاحقة: وقع الطلاق، وإن كنتَ تقصد ما يأتي من أوامر بعد تعليق الطلاق: فلا يقع الطلاق.

وينبغي التنبه إلى أنها إن تكرر منها معصية أمرك المباح، أو تكرر كذبها عليك: فإنها تطلق كلما فعلت ذلك! وهذا في حال أنك علَّقت طلاقها على تكرار الفعل منها، لا على فعله مرة واحدة، واشتراط بعض الفقهاء لفظ ” كلما ” في هذه المسألة لا وجه له؛ لأن العبرة بمعنى الكلام، لا بلفظه.

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 29 / 41 ، 42 ):

إذا علَّق الزوج الطلاق على شرط: فإنه ينحل بحصول الشرط المعلق عليه مرة واحدة، مع وقوع الطلاق به على الزوجة في هذه المرة، فإذا عادت إليه ثانية في العدة أو بعدها: لم تقع عليها به طلقة أخرى؛ لانحلاله، هذا ما لم يكن التعليق بلفظ ” كلما “، وإلا وقع عليها به ثانية، وثالثة؛ لأن ” كلما ” تفيد التكرار، دون غيرها.

انتهى.

وإذا كنتَ تزعم أنك تقصد بالأوامر ما يستقبل تعليق الطلاق، أو تزعم أنك لم ترد تطليق زوجتك بقولك ذاك، أو أن التعليق للطلاق ليس على كل مرة تعصي فيها أمرك، أو تكذب عليك: فعليك مراجعة المحكمة الشرعية، ليبت القاضي في قضيتك.

وليحذر الأزواج من الاستعجال في أمر لهم فيه سعة، وليعلموا أنهم إن ورطوا أنفسهم بكلمة الطلاق أنهم لا يسعهم التراجع عنها، وأن عدد الطلاق الذي يملك به الزوج الرجعة طلقتان، وليعلقوا على فعل زوجاتهم ما لا ينبغي لهن فعله غير الطلاق كالحرمان من الخروج من المنزل، أو منعها مما تحبه مما لا يجب على الزوج توفيره لها، وغير ذلك من العقوبات غير الطلاق؛ لأن الطلاق تنهدم به الأسرة، ويضيع به الأولاد، ويفرح به الشيطان.

 

والله أعلم.

زكاة المال المجتمع في الصندوق التعاوني للإقراض

السؤال:

لدينا صندوق عائلي تعاوني، يشترك به ( 21 فردًا ) ، يدفع كل فرد مبلغ متساوٍ من المال، وبعد سنَة يُسمح لأي مشترك طلب قرضًا أن يُعطى، شريطة ألا تقل موجودات الصندوق عن ( 20 ألف )، وبدون فائدة، تسدد على أقساط شهرية، يعاد لكل فرد مشترك بالصندوق مبلغ مساوٍ لما دفعه خلال ( 7 سنوات ) – مدة الصندوق -.

عند حلول الزكاة: كان بالصندوق ( 88 ألف – 20 ألف ) كأصل ثابت، و( 48 ) هي من تسديد أقساط المقترضين التي توفرت من ( 4 شهور ) ماضية فقط – هل الزكاة في الـ (20 ألف ) فقط، أم في كامل المبلغ ( 88 ألف ) ؟ هل الزكاة على كل المشتركين في الصندوق, أم على المقترضين، أم على غير المقترضين؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

إنشاء صناديق الأسر التعاونية من الأعمال الخيِّرة، وهي منتشرة بين القبائل الكبيرة، والأسر الصغيرة، وتكون أحياناً بين موظفين، أو أصدقاء.

وتختلف أعمال وطبيعة هذه الصناديق بعضها عن بعض، فبعضها يُخرج المنتسب إلى الصندوق مالاً شهريًّا، أو دوريًّا، ولا ينتظر رجوعه إليه، بل هو مال تبرع فيه للصندوق، لسد حاجة محتاج، أو فك كربة مكروب، وبعض الصناديق تخصص لإقراض المنتسبين إليه، والمشتركين فيه، وتعود إليهم أموالهم – أو إلى ورثتهم – في نهاية المطاف.

فأما أصحاب الصناديق من القسم الأول: فليس في مال صندوقهم زكاة؛ لانقطاع تملكهم للمال المبذول للصندوق.

وأما أصحاب الصناديق من القسم الثاني: ففي مال الصندوق زكاة؛ لأنه لم يخرج عن ملك صاحبه.

وقد صدرت فتاوى متعددة من علماء اللجنة الدائمة في هذه الأقسام والأنواع من الصناديق:

ففي النوع الأول قالوا: 

إذا كان الواقع كما ذُكر، وكان لا يعود ما توفر منه إلى مَن تبرعوا به بنسبة تبرعهم، بل انقطع تملكهم الخاص بمجرد تبرعهم، وإنما يصرف فيما تبرعوا من أجله: فلا زكاة فيه.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.  ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 9 / 289 ).

وفي النوع الثاني قالوا:

تجب الزكاة في الصندوق المذكور؛ لأنه لم يخرج عن ملك صاحبه، وإنما هو في حكم القرض.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 9 / 291 ).

ثانيا:

وإذا قلنا إن الزكاة على المال الذي في الصندوق: فكيف يكون إخراجها؟.

الظاهر: أن الزكاة تجب على كل مشترك بماله الخاص الذي دفعه، وذلك بشرط أن يبلغ النصاب وحده، أو مجموعاً إلى مال من جنسه خارج الصندوق.

فمن كان – مثلًا – يخرج زكاته في ” شعبان “: فيحسب ما معه من مال ويضيف إليه ما دفعه للصندوق، ويزكي جميع المال، والزكاة: ( 2,5% ) على المبالغ الموجودة.

وإذا كان لا يملك مالاً خارج الصندوق: فلينتبه لمجموع ما دفعه للصندوق، فإذا بلغ النصاب أثناء السنَة: فليبدأ بحساب الحوْل.

واقتراض المشتركين من الصندوق – بما فيه ماله المدفوع له – لا يؤثر في وجوب الزكاة؛ لأن الدَّيْن هنا إذا بلغ النصاب فهو مال زكوي تجب فيه الزكاة، والدَّين في الذمة، يؤدى عند الاستطاعة.

وقد اختلف العلماء رحمهم الله في زكاة مَن عليه ديْن، إذا كان ما معه يبلغ النصاب، والذي نرجحه في موقعنا هذا هو أن الدَّين لا يمنع من الزكاة، وهو مذهب الشافعي – رحمه الله -، وهو ما يرجحه الشيخان ابن باز والعثيمين – رحمهما الله -، وهو قول اللجنة الدائمة.

وعليه: فالمال الذي لغيرك عندك، وهو بيدك: لا يُحسم مما لك من مال، بل يضاف عليه، ويزكَّى جميعه، إلا أن تُرجع المال لأصحابه قبل نهاية الحول، كما بينه العلماء في الأجوبة المحال عليها.

 

والله أعلم.

حكم إجراء عقد النكاح بالهاتف، وماذا يترتب عليه من أحكام لمن فعله

السؤال:

أرجو من فضيلتكم التكرم بإجابتي على سؤالي؛ حيث أني في أمس الحاجة إلى مساعدتكم بسرعة الإجابة.

1) تزوجت امرأة مسلمة كانت تعمل عندنا بالبيت، وذلك بعد موافقتها – لدرء الكثير من أبواب ومصادر الفتن – وبمباركة من زوجتي المقبلة على عملية جراحية – حيث كانت هي من تبنى الفكرة -؛ فتم إحضار شاهدين في وجودها، وتم كتابة العقد، وتحديد المهر، ثم تم الاتصال بولي أمرها – والدها – في بلدها البعيد، ولم نجده، ووجدنا أختها، فأخبرتْنا بموافقتها على ذلك، ووعدت بإخبار والدها – الذي حسب قولها لا مانع لديه من إتمام الزواج -، وتم توقيعها على عقد الزواج، وتوقيع الشاهدين، وتسليمها المهر، وأجَّلتُ الدخول بها لحين سماع رأي والدها، إلا أنني لم أرتح، وواصلت أنا والشاهدان الاتصال بوالدها، دون جدوى، وبعد يومين أعطتنا هي رقم تلفون آخر، وتم الاتصال، وأعطتني الهاتف، وأخبرتني أن الذي على الخط هو والدها، فطلبتُ منه رأيه في الموضوع، فوافق بقوله: ” حلال، حلال “، ثم أعطيتها الهاتف وهي في غاية السعادة، وبحضور زوجتي الأولى التي باركت الأمر، وفي تلك الليلة تم الدخول بها، وسارت الأمور على طبيعتها، وفي ظهر اليوم التالي: أحضرتْ هذه المرأة إلى زوجتي الأولى صورة لزوجها السابق الذي توفي قبل ( 3 أعوام ) ، وقالت: ” حرام، حرام “، وفي اعتقادها أن زواجها بي يعد خيانة لزوجها السابق!، ثم أخبرتني أن الشخص الذي هاتفني ليس والدها بل زوج أختها!! ومن ذلك الحين وأنا في حيرة من أمري، ثم حصلت مشكلة بين زوجتي الأولى وبينها، وعزمت زوجتي الأولى على مغادرة البيت وعدم الرجوع إلا إذا طلقت هذه المرأة، فكررتُ ثلاثاً أمامها – وأنا مكره -: ” والله إن ” فلانة ” طالق، والله إن ” فلانة ” طالق، والله إن ” فلانة ” طالق “، وبعد أن هدأت زوجتي الأولى ذهبنا سوية إلى هذه المرأة وقلت لها: ” أنتِ طالق، طالق “، ولم أكمل الثالثة، فلم تفهم لغتي، وسألت زوجتي الأولى عن معنى هاتين الكلمتين، ففسرت لها.

فما حكم كل ما جرى – يا فضيلة الشيخ – ” الزواج، الطلاق، استحقاقها للمهر – حيث أنها طلبت مني إرساله لوالدها، وأضاعت رقم حسابها -.

2) نصحني أحد الإخوة بإرسال شخص من بني جنسها إلى بلادها؛ ليتصل بأهلها، ويأخذ الموافقة من والدها شخصيًّا، وأعلم أحد الإخوة الفاضل الدعاة مسافرا إلى هناك، وهو من نفس جنسية هذه المرأة، فهل أكلفه بالمهمة – علماً بأنه أحد الشهود على العقد -؟.

أرجو من فضيلتكم مأجورين توضيح الحكم في كل ما حصل، وأنا في أشدّ الأسف لاستهلاك وقت فضيلتكم في الإجابة على قضيتي، جعل المولى جل شأنه ما تقدمونه وكل القائمين على الموقع للمسلمين عبر موقعكم الميمون في موازين حسناتكم، وجزاكم الله خيرا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

الجواب:

الحمد لله

إن عقد النكاح الذي تم بينك وبين تلك المرأة باطل شرعًا، ومن شروط النكاح: موافقة ولي المرأة، وهو هنا لم يكن أثناء كتابة العقد، وهذا يفسده، ويجعله باطلا.

وما حصل من اتصال بعد كتابة العقد: لا يستفاد منه؛ لأن الولي هو الذي يزوِّجك، وليس يُطلب منه الموافقة على العقد بعد إتمامه.

هذا، مع العلم بأنه لو تمَّ عقد النكاح بالهاتف ابتداء، وأخذتم موافقته على العقد قبل إنشائه ما كان العقد صحيحاً! فكيف أن يتم أخذ موافقته بعده؟!؛ وذلك أن إجراء عقد النكاح بالهاتف تعتريه أشياء يمكن أن ترجع عليه بالفساد، وعقد الزواج ميثاق غليظ، وهو كلمة الله، به تُستحل الفروج المحرَّمة، ويثبت به النسب، فلا يمكن لمثل هذه العقود أن تُجرى بالهاتف الذي لا يُطلَّع على حقيقة أمر الولي فيه، فقد يكون سفيهاً، أو مجنوناً، أو غير مسلم، أو يقلِّد أحد صوته، أو يُزعم بأنه هو الولي وليس الأمر كذلك، وقضيتك هذه تؤكد مثل هذا المنع، ولذلك كان الصواب في منع إجراء عقود النكاح بالهاتف.

سئل علماء اللجنة الدائمة:

إذا توفرت أركان النكاح، وشروطه، إلا أن الولي والزوج كلٌّ منهما في بلد، فهل يجوز العقد تليفونيًّا، أو لا؟.

فأجابوا:

نظرا إلى ما كثُر في هذه الأيام من التغرير، والخداع، والمهارة في تقليد بعض الناس بعضاً في الكلام، وإحكام محاكاة غيرهم في الأصوات، حتى إن أحدهم يقوى على أن يمثل جماعة من الذكور، والإناث، صغارا، وكبارا، ويحاكيهم في أصواتهم، وفي لغاتهم المختلفة محاكاة تلقي في نفس السامع أن المتكلمين أشخاص، وما هو إلا شخص واحد، ونظراً إلى عناية الشريعة الإسلامية بحفظ الفروج، والأعراض، والاحتياط لذلك أكثر من الاحتياط لغيرها من عقود المعاملات: رأت اللجنة أنه ينبغي ألا يعتمد في عقود النكاح في الإيجاب، والقبول، والتوكيل على المحادثات التليفونية؛ تحقيقاً لمقاصد الشريعة، ومزيد عناية في حفظ الفروج، والأعراض، حتى لا يعبث أهل الأهواء ومن تحدثهم أنفسهم بالغش، والخداع.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن منيع.  ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 18 / 91 ).

وسئل الشيخ عبدالعزيز الراجحي:

هل يجوز عقد النكاح عن طريق الهاتف؟.

فأجاب:

لا، لا يجوز عقد النكاح في الهاتف؛ لأن عقد النكاح لا بد فيه من أربعة: الولي، والزوج، والشاهدان، ولا يمكن أن يجتمعوا في الهاتف, ولا يكفي معرفة الصوت؛ لأنه قد يتكلم في الهاتف من لا يكون وليًّا، وقد يقبل من لا يكون زوجا، وقد يتكلم من الشهود من لا يكون عدلاً، وقد يكون الواحد يغير الصوت فهو الولي، وهو الشاهد، المقصود: أنه لا يجوز عقد النكاح في الهاتف، لا بد من حضور الأربعة في المجلس: الولي، والزوج، والشاهدان العدلان. ” فتاوى الشيخ عبدالعزيز الراجحي ” ( 1 / 53 ) – ترقيم الشاملة -، رقم الفتوى: ( 1762 ).

وكلام العلماء هنا متقن غاية الإتقان، وأنت ترى واقع مخالفته في قضيتك، فلا الولي تكلم أمام الشهود بالموافقة ، ولا أنتم عرفتم – أصلا – أنه وليها، ثم إن الذي زعم لكم أنه هو الولي قد أنكر ذلك، وليس إثباته مقدماً على نفيه!.

وعلى كل حال: فالعقد باطل أصلا، ويلزمكم جميعا التوبة والاستغفار من فعلكم ذاك، ويجب عليك دفع المهر كاملاً لها، وما وقع بعد ذلك من طلاق: فقد وقع في غير محله، وهو لا قيمة له.

وإذا أردت الزواج بها نفسها: فيمكنك ذلك، وعلى الولي الحضور شخصيًّا، أو يمكنه أن يوكِّل من يقوم مقامه، وليكن صاحبك الداعية الذي من بني جنسه، ليتأكد من هويته، وعقله، ودينه.

قال ابن قدامة – رحمه الله -:

ويجوز التوكيل في عقد النكاح في الإيجاب والقبول; لأن ” النبي صلى الله عليه وسلم وكَّل عمرو بن أمية, وأبا رافع, في قبول النكاح له “؛ ولأن الحاجة تدعو إليه, فإنه ربما احتاج إلى التزوج من مكان بعيد, لا يمكنه السفر إليه, فإن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج أم حبيبة, وهي يومئذ بأرض الحبشة.

ويجوز التوكيل في الطلاق, والخلع, والرجعة, والعتاق; لأن الحاجة تدعو إليه, كدعائها إلى التوكيل في البيع والنكاح. ” المغني ” ( 5 / 52 ).

وننبه إلى أن ما ذكرناه في جواب السؤال رقم: ( 2201 ) عن الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – لا يخالف ما قررناه هنا – وهو من الموقعين على فتوى اللجنة الدائمة – حيث ذكر أن الولي أظهر موافقته أمام الشهود بمكبر الصوت، وهو الذي قام بالتزويج، ولم يكن في المسألة تلاعب، أو إيهام، إلا أن ما ذكرناه من المنع مطلقا هو الذي ينبغي أن يُفتى به؛ قطعاً لدابر التلاعب من أصله.

 

والله أعلم.

تلحُّ على زوجها بإحضار خادمة وهو يرفض، ويطلب منها الإنجاب وهي ترفض!.

السؤال:

تريد زوجته منه استقدام خادمة كي تساعدها في عمل المنزل، مع العلم أن الأخ ملتزم، ولا يريد الخادمة في بيته، وهو مصر على رأيه، وزوجته تردد عليه طلبها، مع العلم أن الزوجة تدرس بنظام الانتساب في الجامعة، ولديها بنت عمرها سنة، والزوج لا يريد الخادمة في بيته؛ لأنها بدون محرم، وليس لإحضارها داعٍ، وهذه المشكلة أدت بالزوج إلى التفكير في الانفصال عن زوجته؛ فهو يريد أولاد، وهي تقول لن أحمل حتى يكون عمر ابنتي ( 3 سنوات )، وتستعمل حبوب منع الحمل؟

 

الجواب:

الحمد لله

إن صحَّ ما ذكره السائل عن حال تلك الزوجة: فقد أساءت إساءات بالغة لزوجها، وهي تتسبب في هدم حياتها الزوجية، ونقض أركان بيتها.

وهذه الإساءات هي:

  1. الإلحاح في طلبها إحضار خادمة.

وخلُق ” الإلحاح ” بحد ذاته مبغوض للأزواج، والعاقلات من الزوجات تتجنبه، والعاقلات من الأمهات توصي ابنتها قبل تزوجها بتركه.

وهذا الإلحاح ممجوج مستقبح لو كان في أمرٍ مباح حلال، فكيف أن يكون في أمرٍ منكر حرام؟!.

وإن اتخاذ خادمات في البيوت – وخاصة من غير المسلمات – له مفاسد لم تعد تخفى على أحد، وكم تسبَّب وجود الخادمات في كثير من المشكلات في بيوت المسلمين، ووقع كثيرون في المعاصي الصغيرة، والكبيرة بسبب ذلك.

والأصل في الزوجة أن تكون هي الرافضة لوجود خادمة في بيتها؛ لما يُعلم من احتمال فتنة زوجها بها، بسبب الخلطة، والرؤية، فأن يكون الزوج هو الرافض بشدة، والزوجة هي المصرَّة بشدة: فهذا يدعو للعجب، وخاصة مع عدم الضرورة، وعدم الحاجة لها، فالزوجة لا تعمل خارج البيت، وليس عندها كثير أولاد حتى يحتاج الأمر لوجود خامة.

ويمكن حل الأمر بين الزوجين بحل وسط، وهو إحضار امرأة تساعدها في بيتها في وقت معيَّن محدد، والأنسب في ذلك أن يكون وقت غياب الزوج في عمله، ولا تكون هذه المرأة مقيمة في البيت، بل تأتي لتساعد الزوجة، ثم تغادر، وإذا لم تجد من تفعل ذلك فيمكن إحضار خادمة تعمل عند أهلها، أو جيرانها، لساعات محددة، وتدفع مقابل ذلك لهم ما يساعدهم على راتبها، وبذلك يتحقق لها أمر المساعدة، والإعانة، ويتحقق للزوج عدم وجود فتنة خادمة في بيته.

  1. رفض الزوجة الإنجاب.

وهذا ليس من حقها، وليس لها أن تنفرد بهذا القرار عن زوجها، نعم، يمكن أن يتشاور الزوجان في تنظيم الحمل والنسل، لمدة معقولة، بسبب رضاع صغير، أو بسبب مشقة كبيرة في الحمل، لكن ليس الأمر على هوى الزوج وحده، ولا على هواها وحدها، من باب أولى؛ لأن الإنجاب من الحقوق المشتركة بين الزوجين.

فعلى الزوجة أن تتقي الله ربَّها، وعليها أن تطيع زوجها فيما يأمرها به، مما لا يخالف شرعه تعالى، ولتكف عن الإلحاح، وعن طلب خادمة، ولتستجب لزوجها في الحمل والإنجاب، ولا تستأثر بمثل هذا القرار لنفسها، وهذا كله من العشرة بالمعروف التي أمرها الله تعالى به، ولتعلم أن خلقها هذا وتصرفاتها لا يرضى بها زوج، فهي تحكم على نفسها بالعنوسة، أو بزواجات فاشلة، ومما يميز المرأة الصالحة: حياؤها، وطاعتها لزوجها، بهذا تستقيم حياتها، ويكون لها المنزلة العظيمة في قلب زوجها.

 

والله أعلم.

تقدَّم لها قاضٍ يقضي بين الناس بما يخالف شرع الله, فهل تقبل به زوجا؟.

السؤال:

أنا فتاة مسلمة عمري ( 29 سنة )، تقدم لخطبتي شاب على دِين، وخُلُق، ولكنه يعمل بالقضاء، علمًا بأن القضاء المصري لا يحكم بالشريعة الإسلامية، فماذا عليَّ أن أفعل؟ أخاف أن يكون هذا العمل حرام؟.

 

الجواب:

الحمد لله

المحاكم قسمان: شرعية تحكم بشرع الله تعالى، ونظامية تحكم بالقوانين الوضعية، وهذه القوانين الوضعية بعضها يخالف ما شرعه الله تعالى من أحكام، وبعضها لا يخالف شرع الله.

فمن كان عمله في المحاكم النظامية التي يُحكم فيها بما يخالف شرع الله تعالى: فإن عمله محرَّم، سواء كان كاتبًا، أو حارسًا، أو مراسلًا، وأشد الأعمال إثما فيها: أن يكون العامل قاضيًا؛ لأنه سيباشر الحكم بما يخالف شرع الله تعالى، وهو إثم لا يُختلف فيه.

فعمل القاضي الراغب بالزواج منك محرَّم، وكسبه محرَّم، وهو غير مرضي الدِّين، إن كان عمله بالقضاء الذي يخالف شرع الله تعالى.

فالنصيحة لك بعدم قبول التزوج منه، عسى الله أن يهديه فيترك عمله المحرَّم، وعسى الله أن يبدلك خيراً منه.

 

والله أعلم.

تزوج الثانية برغبة أمه وهو لا يحبها, ولا يعطيها حقها من العشرة الحسنة

السؤال:

أنا متزوج من امرأتين، لكن قلبي متعلق في الأولى، وأهلي لا يحبونها بسبب سوء تفاهم كبير حصل بينهم على فترة ( 4 سنوات ) ، فتزوجت تحت رغبة والدتي غير المعلنة من امرأة ثانية، لكن الزواج كان تقليديًّا, ولم أشعر بأني تزوجت إلا عند ليلة الدخول، عندها تساءلتُ ماذا فعلت؟ وأصبح الآن لي ولد من الثانية، لكن لا أملك أي شعور تجاه الزوجة الثانية منذ البداية حتى هذه اللحظة، حتى إني أجد صعوبة بالغة في إعطائها حقها الشرعي، أو أن أقول لها كلمة جميلة، وكل يوم تزداد الفجوة بيننا، ويزداد عذابي، مع العلم أنها متدينة، وأهلي يحبونها، لكن المشكلة عندي، أحب أن أتهرب حتى من الانفراد معها، لكني لا أكرهها، ولا أحبها, ماذا أفعل؟.

 

الجواب:

الحمد لله

قد أخطأت أيها الفاضل في زواجك الثاني، وإنما كان يجب أن يكون زواجك تبعًا لرغبتك واختيارك، لا لرغبة والدتك واختيارها، وهو ما سبَّب لك تلك المعاناة، والعذاب، وما ذاك إلا لأنك واجهتَ أمر الزواج عمليًّا، وأصبحت تعرف مخالفتك للشرع بظلم تلك المرأة الثانية, والتي لا ذنب لها بسوء معاملتك لها.

والحل الذي تطلبه منا موجود في كتاب الله تعالى:

  1. أن تعاشرها بالمعروف، وتعطيها حقها، قولا، وفعلا.

قال تعالى: ( وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) [ البقرة / من الآية 228 ] .

وقال تعالى: ( وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) [ النساء / من الآية 19 ] .

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

وهذا يشمل المعاشرة القولية، والفعلية، فعلى الزوج أن يعاشر زوجته ببذل النفقة، والكسوة، والمسكن، اللائق بحاله، ويصاحبها صحبة جميلة، بكف الأذى، وبذل الإحسان، وحسن المعاملة، والخلًق، وأن لا يمطلها بحقها، وهي كذلك عليها ما عليه من العشرة، وكل ذلك يتبع العرف، في كل زمان، ومكان، وحال، ما يليق به.

” تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير الأحكام ” ( ص 132 ).

  1. فإن لم تستطع إعطاءها حقوقها من العشرة الحسنة: فسرحها، وتخلص من عذابك، وتعذيبك لها.

قال تعالى: ( فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ) [ البقرة / من الآية 231 ] .

 

 

وننبهك أخي الفاضل إلى أمرين:

الأول: أنك قد تكره زوجتك لعدم التوافق بينكما، لكن يجعل الله تعالى في حياتكما خيرًا عظيما عميما، وذلك بأن تُرزق بسبب تدينها، وطاعتها، ودعائها، أو تُرزق منها بذرية صالحة طيبة، تكون لك ذخراً في الدنيا، والآخرة.

قال تعالى: ( وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً ) [ النساء / من الآية 19 ].

قال الإمام ابن كثير – رحمه الله -:

وقوله تعالى: ( فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلُ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيراً ) ، أي: فعَسَى أن يكون صبركم مع إمساككم لهن وكراهتهن: فيه خير كثير لكم في الدنيا، والآخرة، كما قال ابن عباس في هذه الآية: هو أن يَعْطف عليها، فيرزقَ منها ولداً، ويكون في ذلك الولد خير كثير، وفي الحديث الصحيح: ” لا يَفْرَك مؤمنٌ مؤمنةً، إن سَخِطَ منها خُلُقا رَضِيَ منها آخر “. ” تفسير ابن كثير ” ( 2 / 243 ).

الثاني: أن الطلاق قد يكون مفتاح الفرج لتلك الزوجة المتدينة المظلومة معك، وقد تكون بطلاقها قد وضعت رجلها على أول طريق السعادة، فلا تطل مدة بقائها عندك إن لم ترد إصلاح نفسك تجاهها، وتعطيها ما أوجب الله عليك من حقوق.

قال تعالى: ( وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلّاً مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعاً حَكِيماً ) [ النساء / الآية 130 ] .

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

إذا تعذر الاتفاق: فإنه لا بأس بالفراق، فقال: ( وَإِنْ يَتَفَرَّقَا ) أي: بطلاق، أو فسخ، أو خلع، أو غير ذلك.

– ( يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا ) من الزوجين.

– ( مِنْ سَعَتِهِ ) أي: من فضله، وإحسانه الواسع الشامل، فيغني الزوج بزوجة خيرٍ له منها، ويغنيها من فضله، وإن انقطع نصيبها من زوجها، فإنَّ رزقها على المتكفل بأرزاق جميع الخلق، القائم بمصالحهم، ولعل الله يرزقها زوجاً خيراً منه.

– ( وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا ) أي: كثير الفضل، واسع الرحمة، وصلت رحمته وإحسانه إلى حيث وصل إليه علمه، ولكنه مع ذلك:

– ( حَكِيمًا ) أي: يعطي بحكمة، ويمنع لحكمة، فإذا اقتضت حكمته منع بعض عباده من إحسانه بسبب من العبد لا يستحق معه الإحسان: حرمه، عدلاً، وحكمة.

” تفسير السعدي ” ( ص 207 ).

 

والله أعلم.

هل التصدق بالثياب القديمة يدخل في قوله تعالى: ( ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون )؟

السؤال:

هل التصدق بالثياب القديمة يدخل في قوله تعالى: ( ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه )؟.

 

الجواب:

الحمد لله

الصدقة بالمال الرديء له حالتان:

الحالة الأولى:

أن يكون المتصدق به يملك غيره، وقد أوسع الله عليه من جيد المال وحسنه وطيبه: فهذا يكره له الصدقة بالمال الرديء أو القديم البالي، فقد نهى الله تعالى عن ذلك في كتابه الكريم فقال: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ) [ البقرة / الآية 267 ].

يقول الإمام النووي – رحمه الله -:

” يكره تعمد الصدقة بالرديء، قال الله تعالى: ( وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ)، ويستحب تعمد أجود ماله وأحبه إليه، قال الله تعالى: ( لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ) وفي المسألة أحاديث ” انتهى. “المجموع” (6/241).

وجاء في “الموسوعة الفقهية” (26/336):

” يستحب في الصدقة أن يكون المتصدَّق به – أي: المال المعطَى – مِن أجود مال المتصدق وأحبه إليه, قال الله تعالى: ( لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ) [ آل عمران / الآية 92 ].

قال القرطبي: والمعنى: لن تكونوا أبرارًا حتى تنفقوا مما تحبون, أي: نفائس الأموال وكرائمها, وكان السلف – رضي الله عنهم – إذا أحبوا شيئًا جعلوه لله تعالى.

كان عمر بن عبد العزيز يشتري أعدالًا من سكر ويتصدق بها, فقيل له: هلا تصدقت بقيمتها؟ قال: لأن السكر أحب إلي فأردت أن أنفق مما أحب. والمراد بالآية حصول كثرة الثواب بالتصدق مما يحبه ” انتهى باختصار.

الحالة الثانية:

أن يكون المتصدق لا يملك غير هذا المال الرديء أو القديم، أو لا تتيسر له الصدقة إلا منه، فمثله لا يكره منه هذه الصدقة، بل يستحب له أن يجود بما يملك، والله سبحانه وتعالى مطلع على قلبه، ويعلم صدق نيته.

 

 

يقول الخطيب الشربيني – رحمه الله -:

” وتكره الصدقة بالرديء لقوله تعالى: ( وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ )، فإن لم يجد غيره فلا كراهة ” انتهى. ” مغني المحتاج ” (4/197).

فمن تصدق بالثياب القديمة وهو يجد غيرها، ويقدر على التصدق بأفضل منها: كره له ذلك ومع ذلك يكتب الله له أجره بإذنه عز وجل.

أما إن كانت هذه الثياب هي التي يستطيع التصدق بها فقط فلا كراهة في حقه.

على أن المقصود بالكراهة هنا تحفيز المتصدق أن يختار أجود ماله وأطيب ما يملك كما فعل أبو طلحة الأنصاري – رضي الله عنه – حين تصدق بأرض بيرحاء، وليس المقصود بالكراهة هنا هو تثبيط المتصدق عن عمله، فهو مأجور على كل حال، والحمد لله.

 

والله أعلم.