الرئيسية بلوق الصفحة 261

وقت صلاة العشاء في المناطق التي لا يغيب فيها الشفق إلا متأخراً

وقت صلاة العشاء في المناطق التي لا يغيب فيها الشفق إلا متأخراً

السؤال:

نحن طلاب سعوديون ، مبتعثون للدراسة في بريطانيا ، وبالتحديد : في مدينة ” Birmingham ” , وتواجهنا في مثل هذه الأيام – ومع بداية فصل الصيف – مشكلة ” طول الفترة بين دخول المغرب ، ودخول العشاء ” .

وفي كل عام تثار ضجة بين المسلمين فيما يفعلون ، فبعض المساجد تصلي العشاء بعد 90 دقيقة من دخول المغرب ، والبعض ينتظر غياب حمرة الشفق لمدة تصل إلى 3 ساعات أحياناً !! مما يوقع الناس في حرج ، خصوصاً مع قصر الليل .

نحن المسلمون في سكن الكلية في مثل هذه الأيام نصلي العشاء في جماعتين ، الأولى : تصلي بعد 90 دقيقة , وتعتمد على ما يلي :

أ. أن الشيخ ابن عثيمين رحمه الله قد ذكر في إحدى خطبه أن أقصى مدة بين دخول المغرب والعشاء هي ساعة واثنين وثلاثين دقيقة .

ب. بناء على فتوى من أحد المشايخ المشهورين في المملكة .

ج. أن الشفق لا يغيب طوال الليل في بعض الأجزاء ، وبعض الفصول من السنَة .

د. أن بعض المساجد ، والمراكز الإسلامية تعتمد نظام الـ 90 دقيقة .

هـ. أن الحرمين الشريفين تعتمد هذا النظام .

أما الجماعة الأخرى : فتصلي متأخرة ، بناء على ما يلي :

أ. فتوى اللجنة الدائمة ، بأن تصلى كل صلاة بتوقيتها الشرعي ، حسب علامتها الشرعية ( إذا تميز الليل من النهار ) .

ب. فتوى من شيخ آخر مشهور ، في السعودية ، أكد فيها أن نظام الـ 90 دقيقة اجتهاد خاطئ .

ج. أن بعض المساجد ، والمراكز الإسلامية ، تفعل هذا .

د. التقويم المعتمد من ” رابطة العالم الإسلامي ” .

وفي حقيقة الأمر – يا فضيلة الشيخ – أن تقويم ” الرابطة ” يوقعنا في حرج ، ومشقة ، في بعض فصول السنَة .

نحن نعتمد في تقاويم الصلاة على الموقع التالي :

www.islamicfinder.org

والذي يوفر جميع التقاويم ، وطرق الحساب المعروفة ، بالإضافة إلى إمكانية التعديل الشخصي .

ونظراً لأننا لم نجد في الإنترنت ، ولا غيره ، بحثاً مؤصَّلاً في هذه المسألة ، ولا فتوى واضحة : فإننا – يا فضيلة الشيخ – ننتظر منكم البحث الكافي ، والجواب الشافي ، الذي نسأل الله أن يوحد به القلوب ، ويجمعها على الحق ، في هذه المسألة .

وجزاكم الله خيراً .

الجواب:

الحمد لله

أولاً: 

من شروط صحة الصلاة المتفق عليها بين أهل العلم : دخول وقت الصلاة ، قال تعالى : ( إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً ) النساء/ 103 .

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله – :

أي : مفروضاً في وقته ، فدلَّ ذلك على فرضيتها ، وأن لها وقتاً لا تصح إلا به ، وهو هذه الأوقات التي قد تقررت عند المسلمين ، صغيرهم ، وكبيرهم ، عالمهم ، وجاهلهم . ” تفسير السعدي ” ( ص 198 ) .

 

ثانياً:

أول وقت صلاة المغرب : مغيب قرص الشمس في الأفق , وآخره – وبه يدخل وقت العشاء – : مغيب الشفق الأحمر ، وهذا مما لا خلاف فيه بين أهل العلم .

عنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ قَالَ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ وَقْتِ الصَّلَوَاتِ فَقَالَ : ( وَقْتُ صَلاَةِ الْفَجْرِ مَا لَمْ يَطْلُعْ قَرْنُ الشَّمْسِ الأَوَّلُ ، وَوَقْتُ صَلاَةِ الظُّهْرِ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ عَنْ بَطْنِ السَّمَاءِ مَا لَمْ يَحْضُرِ الْعَصْرُ ، وَوَقْتُ صَلاَةِ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ وَيَسْقُطْ قَرْنُهَا الأَوَّلُ ، وَوَقْتُ صَلاَةِ الْمَغْرِبِ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ مَا لَمْ يَسْقُطِ الشَّفَقُ ، وَوَقْتُ صَلاَةِ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ ) .

رواه مسلم ( 612 ) .

 

ثالثاً: 

وهذه المواقيت المحددة في الشرع إنما تكون في البلاد التي فيها الليل والنهار في أربع وعشرين ساعة ، ولا عبرة بطول النهار وقصَر الليل في هذه الحال ، إلا أن يكون وقت العشاء لا يتسع لأداء الصلاة ، فإن لم يتسع : فكأنه لا وقت لها ، ويقدَّر بأقرب البلاد إليه مما فيه ليل ونهار يتسعان لأداء الصلوات الخمس .

ومسألتكم هذه مما عُني بها العلماء ، وتداولوها بينهم بالبحث ، والفتوى ، وقد ألَّف بعضهم رسالة مستقلة فيها بعنوان ” وقت صلاة العشاء ووقت الإمساك في المناطق التي لا يغيب فيها الشفق إلا متأخرًا ويطلع الفجر مبكراً ” وهي لرئيس مركز البحوث الإسلامية في إستانبول ، الدكتور ” طيار آلتي قولاج ” ، وقد اختلفوا بينهم فيها إلى ثلاثة أقوال :

القول الأول : الفتوى بالأخذ برخصة الجمع بين المغرب والعشاء ؛ لوجود المشقة التي لا تقل عن المطر ، وغيره من أعذار الجمع .

والقول الثاني : الفتوى بتقدير مواقيت العشاء ، ودعا بعضهم إلى جعل الاعتبار في هذه المواقيت : مكة المكرمة ، وممن قال بهذا القول صاحب الرسالة آنفة الذِّكر .

والقول الثالث : الفتوى بالالتزام بالأوقات الشرعية للعشاء ، وهي مغيب الشفق ، ما دام الوقت يتسع لأداء الصلاة .

وهذا القول هو الذي نراه راجحاً ، وهو الذي تدل عليه النصوص النبوية ، وبه يفتي هيئة كبار العلماء ، واللجنة الدائمة ، والشيخان العثيمين ، وابن باز ، وغيرهم من أهل العلم .

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – :

وهذه المواقيت المحددة : إنما تكون في مكان يتخلله الليل والنهار في أربع وعشرين ساعة ، سواء تساوى الليل والنهار ، أم زاد أحدهما على الآخر زيادة قليلة أو كثيرة .

أما المكان الذي لا يتخلله الليل والنهار في أربع وعشرين ساعة : فلا يخلو : إما أن يكون ذلك مطرداً في سائر العام ، أو في أيام قليلة منه .

فإن كان في أيام قليلة منه ، مثل أن يكون المكان يتخلله الليل والنهار في أربع عشرين ساعة طيلة فصول السنة ، لكن في بعض الفصول يكون فيه أربعاً وعشرين ساعة أو أكثر والنهار كذلك : ففي هذه الحالة إما أن يكون في الأفق ظاهرة حية يمكن بها تحديد الوقت ، كابتداء زيادة النور مثلاً ، أو انطماسه بالكلية ، فيعلَّق الحكم بتلك الظاهرة ، وإما أن لا يكون فيه ذلك فتقدر أوقات الصلاة بقدرها في آخر يوم قبل استمرار الليل في الأربع والعشرين ساعة أو النهار … .

إما إذا كان المكان لا يتخلله الليل والنهار في أربع وعشرين ساعة طيلة العام في الفصول كلها : فإنه يحدد لأوقات الصلاة بقدرها ؛ لما رواه مسلم من حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه أن النبي صلي الله عليه وسلم ذكر الدجال الذي يكون في آخر الزمان فسألوه عن لبثه في الأرض فقال : ( أربعون يوماً ،يوم كسنة ، ويوم كشهر ، ويوم كجمعة ، وسائر أيامه كأيامكم ) ، قالوا : يا رسول الله فذلك اليوم كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم ؟ قال : ( لا ، اقدروا له قدره ) .

… فإذا ثبت أن المكان الذي لا يتخلله الليل والنهار يقدر له قدره فماذا نقدره ؟

… يرى بعض العلماء : أنه يقدر بالزمن المعتدل ، فيقدر الليل باثنتي عشرة ساعة ، وكذلك النهار ؛ لأنه لما تعذر اعتبار هذا المكان بنفسه اعتبر بالمكان المتوسط ، كالمستحاضة التي ليس لها عادة ولا تمييز .

ويرى آخرون : أنه يقدَّر بأقرب البلاد إلى هذا المكان ، مما يحدث فيه ليل ونهار في أثناء العام ؛ لأنه لما تعذر اعتباره بنفسه : اعتُبر بأقرب الأماكن شبهاً به ، وهو أقرب البلاد إليه التي يتخللها الليل والنهار في أربع وعشرين ساعة .

– وهذا القول أرجح ؛ لأنه أقوى تعليلاً ، وأقرب إلي الواقع .

” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 12 / 197 ، 198 ) .

– وهو قول هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية ، وأيدته اللجنة الدائمة، وقد نقلنا فتواهم في جواب آخر وفيها قولهم :

” … إلى غير ذلك من الأحاديث التي وردت في تحديد أوقات الصلوات الخمس ، قولاً ، وفعلاً ، ولم تفرِّق بين طول النهار ، وقصره ، وطول الليل وقصره ، ما دامت أوقات الصلوات متمايزة بالعلامات التي بيَّنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ” . انتهى

وبالنظر في حال البلاد التي تدرسون فيها : نجد أن فيها ليلاً ، ونهاراً في أربع وعشرين ساعة ، وقصَر وقت العشاء ليس بالقدر الذي لا يتسع لأداء الصلاة فيه ، وعليه : فالمتعين في حقكم : أداء الصلوات في أوقاتها الشرعية .

 

رابعاً:

وما قلناه لا يعني عدم جواز الجمع بين المغرب والعشاء لمن وجد مشقة بالغة في انتظار وقت العشاء ، وغلب على ظنه أنه يفوته الوقت بطلوع الفجر – مثلاً – .

والعلماء الذين يفتون للمسلمين في مثل بلدانكم أن يلتزموا بالصلوات في أوقاتها ، ولو قصر الليل عندهم : يفتون أيضاً بصيام ذلك النهار الطويل ، وليس ثمة عذر بسبب ذلك ، ومع هذا كله : فإنهم يقولون بأنه من وجد مشقة بالغة في صيام النهار الطويل : فإن له أن يفطر ، ويقضي في أيام يقصر النهار فيها .

– وهو قول هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية ، وأيدته اللجنة الدائمة ، وقد نقلنا فتواهم في جواب آخر وفيها قولهم :

” ومن عجز عن إتمام صوم يومه لطوله ، أو علم بالأمارات أو التجربة أو إخبار طبيب أمين حاذق ، أو غلب على ظنه أن الصوم يفضي إلى إهلاكه ، أو مرضه مرضاً شديداً ، أو يفضي إلى زيادة مرضه ، أو بطء برئه : أفطر ، ويقضي الأيام التي أفطرها ، في أي شهر تمكَّن فيه من القضاء ” . انتهى.

وهكذا يقال في الصلاة ، فإنه لا حرج في الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء لمن يجد حرجاً في انتظار وقت صلاة العشاء ، وأما الفتوى العامة فيها : فإن من شأنها جعل الصلوات الخمس في أربع أوقات ، وهذا ما لم تأت به الشريعة ، وعليه : فتكون الفتوى في إفطار نهار رمضان ، وفي الجمع بين الصلاتين لآحاد الناس ممن يجدون مشقة بالغة في الصيام ، وانتظار وقت الصلاة الأخرى ، وليست فتوى لعموم الناس .

 

 

 

* وفي جواب آخر نقلنا عن الشيخ العثيمين رحمه الله قوله :

” وإن كان الشفق يغيب قبل الفجر بوقت طويل يتسع لصلاة العشاء : فإنه يلزمهم الانتظار حتى يغيب ، إلا أن يشق عليهم الانتظار ، فحينئذ يجوز لهم جمع العشاء إلى المغرب جمع تقديم ؛ دفعاً للحرج ، والمشقة … ” . انتهى.

وما قلنا إنه الراجح ، والذي دلت عليه النصوص الشرعية ، وأفتى به العلماء الثقات ممن ذكرنا : هو الذي يقول به ” المجمع الفقهي الإسلامي ” التابع لرابطة العالم الإسلامي .

فقد جاء في قرارهم رقم ( 2 / 12 ) ما نصه :

” تداول أعضاء المجلس في موضوع مواقيت الصلاة ، والصيام في البلاد ذات خطوط العرض العالية ، واستمعوا إلى الدراسات الشرعية ، والفلكية ، المقدمة من بعض الأعضاء ، والعروض التوضيحية للجوانب الفنية ذات الصلة التي تمت التوصية بها في الدورة الحادية عشرة للمجلس ، وقرر ما يلي :

أولاً : تأكيد القرار السادس الصادر عن المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي بشأن مواقيت الصلاة ، والصيام ، في البلاد ذات خطوط العرض العالية ، ونصه :

” الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم .

أما بعد :

فإن ” مجلس المجمع الفقهي الإسلامي ” في دورته التاسعة المنعقدة بمبنى ” رابطة العالم الإسلامي ” في مكة المكرمة في الفترة من يوم السبت 12 رجب 1406 هـ ، إلى يوم السبت 19 رجب 1406هـ قد نظر في موضوع ” أوقات الصلاة والصيام لسكان المناطق ذات الدرجات العالية ” .

ومراعاة لروح الشريعة المبنية على التيسير ، ورفع الحرج ، وبناءً على ما أفادت به لجنة الخبراء الفلكيين : قرر المجلس في هذا الموضوع ما يلي :

أولاً : دفعاً للاضطرابات الناتجة عن تعدد طرق الحساب : يحدد لكل وقت من أوقات الصلاة العلامات الفلكية التي تتفق مع ما أشارت الشريعة إليه ، ومع ما أوضحه علماء الميقات الشرعي في تحويل هذه العلامات إلى حسابات فلكية متصلة بموقع الشمس فوق الأفق ، أو تحته ، كما يلي :

(1) الفجر : ويوافق بزوغ أول خيط من النور الأبيض ، وانتشاره عرضاً في الأفق ” الفجر الصادق ” ، ويوافق الزاوية (18ْ) تحت الأفق الشرقي .

(2) الشروق : ويوافق ابتداء ظهور الحافة العليا لقرص الشمس من تحت الأفق الشرقي وي، قدر بزاوية تبلغ (50َ) دقيقة زاوية تحت الأفق .

(3) الظهر : ويوافق عبور الشمس لدائرة الزوال ، ويمثل أعلى ارتفاع يومي للشمس ، يقابله أقصر ظل للأجسام الرأسية .

(4) العصر : ويوافق موقع الشمس الذي يصبح معه ظل الشيء مساوياً لطوله ، مضاف إليه فيء الزوال ، وزاوية هذا الموقع متغيرة بتغير الزمان ، والمكان .

(5) المغرب : ويوافق اختفاء كامل قرص الشمس تحت الأفق الغربي ، وتقدر زاويته بـ (50َ) دقيقة زاوية تحت الأفق .

(6) العشاء : ويوافق غياب الشفق الأحمر ، حيث تقع الشمس على زاوية قدرها (17ْ) تحت الأفق الغربي .

ثانياً : عند التمكين للأوقات : يُكتفى بإضافة دقيقتين زمنيتين على كل من أوقات الظهر ، والعصر ، والمغرب ، والعشاء ، وإنقاص دقيقتين زمنيتين من كل من وقتي الفجر ، والشروق .

ثالثاً : تقسم المناطق ذات الدرجات العالية إلى ثلاثة أقسام :

المنطقة الأولى : وهي التي تقع ما بين خطي العرض (45ْ) درجة و (48ْ) درجة ، شمالاً وجنوباً ، وتتميز فيه العلامات الظاهرة للأوقات في أربع وعشرين ساعة ، طالت الأوقات ، أو قصرت .

المنطقة الثانية : وتقع ما بين خطي عرض (48ْ) درجة و(66ْ) درجة شمالاً وجنوباً ، وتنعدم فيها بعض العلامات الفلكية للأوقات في عدد من أيام السنة ، كأن لا يغيب الشفق الذي به يبتدئ العشاء ، وتمتد نهاية وقت المغرب حتى يتداخل مع الفجر .

المنطقة الثالثة : وتقع فوق خط عرض (66ْ) درجة شمالاً وجنوباً إلى القطبين ، وتنعدم فيها العلامات الظاهرة للأوقات في فترة طويلة من السنة نهاراً ، أو ليلاً .

رابعاً : والحكم في المنطقة الأولى : أن يلتزم أهلها في الصلاة بأوقاتها الشرعية ، وفي الصوم بوقته الشرعي من تبيّن الفجر الصادق إلى غروب الشمس ؛ عملاً بالنصوص الشرعية في أوقات الصلاة ، والصوم ، ومن عجز عن صيام يوم ، أو إتمامه لطول الوقت : أفطر ، وقضى في الأيام المناسبة … . انتهى.

والمسؤول عنها هي الحالة الأولى – كما هو واضح وبيِّن -, وعلى ذلك: فالراجح مما تقدم أن تصلى صلاة العشاء في وقتها , وإن قصر الوقت , وهو الأحوط  لدين المرء .

وفي قرار لاحق للمجمع الفقهي الإسلامي فقد أكَّد على القرار السابق ، ورخَّص لمن يجد مشقة في أداء صلاة العشاء أن يجمعها مع المغرب ، وقد نصَّ على ما نبهنا عليه من عدم جعل هذا ديدناً عامّاً ، ومن كون ذلك لأصحاب الأعذار. وهذا نص الكلام في القرار موضع الشاهد :

” أما إذا كانت تظهر علامات أوقات الصلاة ، لكن يتأخر غياب الشفق الذي يدخل به وقت صلاة العشاء كثيراً : فيرى ” المجمع ” وجوب أداء صلاة العشاء في وقتها المحدد شرعاً ، لكن مَن كان يشق عليه الانتظار وأداؤها في وقتها – كالطلاب ، والموظفين ، والعمَّال أيام أعمالهم – : فله الجمع ؛ عملاً بالنصوص الواردة في رفع الحرج عن هذه الأمة ، ومن ذلك ما جاء في صحيح مسلم وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : ” جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر ، والمغرب والعشاء بالمدينة ، من غير خوف ولا مطر ” ، فسئل ابن عباس عن ذلك فقال : ” أراد ألا يُحرج أمته ” .

على ألا يكون الجمع أصلاً لجميع الناس في تلك البلاد ، طيلة هذه الفترة ؛ لأن ذلك من شأنه تحويل رخصة الجمع إلى عزيمة ، ويرى المجمع أنه يجوز الأخذ بالتقدير النسبي في هذه الحال من باب أولى .

وأما الضابط لهذه المشقة : فمرده إلى العُرف ، وهو مما يختلف باختلاف الأشخاص ، والأماكن ، والأحوال . انتهى من ” الدورة التاسعة عشر ” المنعقدة بمقر رابطة العالم الإسلامي ، بمكة المكرمة ، في الفترة من 22 – 27 شوال 1428هـ ، الموافق 3 – 8 نوفمبر2007 م ، القرار الثاني .

والتقدير النسبي : هو مذهب الشافعية في البلد الذي يستمر الشفق الأحمر في الظهور إلى الفجر ، فيصلون العشاء على وقت أقرب بلد إليهم يغيب الشفق الأحمر قبل الفجر ، ويقدرون ذلك بالنسبة ، فلو فرض أن الشفق في البلد الأقرب يستمر خمس الليل : فتكون تلك النسبة هي المعتمدة عند من يستمر الشفق الأحمر في الظهور إلى الفجر ، وهذا ما يُطلق عليه ” التقدير النسبي ” ، وأما عند المالكية ، والحنابلة : فإنهم يصلون في الوقت نفسه الذي يصلي فيه البلد الأقرب ، ويُطلق على هذا عندهم ” التقدير المطابق ” .

وفي ” حاشية قليوبي ” – من الشافعية – ( 1 / 130 ) :

ولو لم يغب الشفق عند قوم , كأن طلع الفجر مع غروبه : اعتُبر بعد غروب الشمس زمن يغيب فيه شفق أقرب بلد إليهم , أي : قدْر ذلك , وبمضي ذلك : يصلون العشاء , ويخرج وقت المغرب مع بقاء شفقهم , والمراد بـ ” قدْر ذلك ” : بالنسبة الجزئية إلى ليل البلد الأقرب , مثاله : لو كان البلد الأقرب ما بين غروب شمسه وطلوعها مائة درجة ، وشفقهم عشرون منها : فهو خمس ليلهم ، فخمس ليل الآخرين هو حصة شفقهم , وهكذا طلوع فجرهم . انتهى.

ويتميز القول بمذهب المالكية والحنابلة بسهولة العمل به ؛ لأنه لا يحتاج إلى حساب ، بل هو مطابقة تامة لتوقيت أقرب البلاد الطبيعية من حيث الليل والنهار ، وغياب الشفق قبل الفجر .

خامساً:

وأما تقدير الوقت بين المغرب والعشاء بساعة وثلث : فلم نجده عند الشيخ العثيمين ، ولا غيره ، والشيخ رحمه الله ذكر أقولاً ثلاثة لمن كان يعيش في بلد ليس فيه ليل ونهار في أربع وعشرين ساعة ، أو في بلاد لا يتسع الليل لأداء صلاة العشاء ، والقول الأول أنه يقدر بالمتوسط من الأيام ، فيُجعل للنهار اثنتا عشرة ساعة ، وكذا لليل ، والقول الثاني : أنه يقدَّر بحسب توقيت مكة ، والثالث : أنه يُحسب تبعاً لأقرب البلاد مما فيها ليل ونهار ، وهو الذي رجَّحه ، وقد سبق النقل عنه ، وليس هذا القول منه رحمه الله في بلاد يقصر ليلها بما يمكن أداء صلاة العشاء فيه ، ولا هو من باب أولى من كان الوقت عندهم أوسع من هذا .

ولعلَّ الوهم من الناقل ، وأن الشيخ رحمه الله أراد الوقت بين المغرب والعشاء عادة وغالبا في البلاد المتوسطة ، أو في السعودية تحديداً ، وهو الأقرب .

أ. ومن كلامه رحمه الله :

” وقت العشاء لا يختص بالأذان في الحقيقة ؛ لأن وقت العشاء أحياناً في بعض السنة ، وفي بعض الفصول : يكون بين غروب الشمس ودخول وقت العشاء ساعة وربع ساعة ، وأحياناً ساعة وثلث الساعة ، وأحياناً ساعة وخمساً وعشرين دقيقة، وأحياناً ساعة وثلاثين دقيقة، يختلف، لا يمكن أن يُضبط في جميع الفصول”.

” جلسات رمضانية ” .

ب. وقال – رحمه الله – أيضاً – :

وقت المغرب من غروب الشمس إلى مغيب الشفق الأحمر ، فتارة يكون ساعة ونصف ، بين المغرب والعشاء ، وتارة ساعة وثلث وتارة ساعة ، وسبع عشرة دقيقة ، يختلف . ” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 7 / 338 ) .

والخلاصة :

  1. يجب الالتزام بالصلوات الخمس ، على حسب علاماتها الشرعية .
  2. في البلاد – أو المناطق – التي يوجد بها ليل ونهار في أربع وعشرين ساعة : يجب الالتزام بالصلوات في أوقاتها الشرعية ، ولو طال الليل ، أو قصر .
  3. في البلاد – أو المناطق – التي لا يكون فيها ليل ونهار في أربع وعشرين ساعة : يُلتزم في صلواتها بأقرب مكان عليهم يوجد فيه ليل ونهار .
  4. في البلاد – أو المناطق – التي يتصل بها الشفق إلى الفجر ، أو يغيب ولا يتسع الوقت لصلاة العشاء : فيُلتزم بأقرب مكان عليهم يوجد فيه متسع من الوقت لصلاتها.
  5. لا يجوز الفتوى للعموم بالجمع بين المغرب والعشاء إذا اتسع الوقت لصلاة العشاء.
  6. يجوز لأهل الأعذار الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء إن تعذر عليهم انتظار وقت العشاء.

 

والله أعلم .

رسم خطوط في المسجد للصلاة

السؤال:

 يتعلق بالخط المرسوم في المسجد لجعل الناس يقفون في خط مستقيم من المهم أن نذكر أن الظروف الخاصة تجبرنا على أن نرسم هذه الخطوط وخاصة يوم الجمعة فإنه يأتي عدد كبير من الناس للصلاة وتكون هناك حاجة لعمل فراغ أو مسافة قصيرة بين الصفوف شيء هام فإذا لم نرسم هذه الخطوط يميل الناس إلى عمل مسافات أكبر وهذا يعني أن كثير من الإخوة لن يجدوا مكاناً للصلاة ونحن بعملنا هذا نلزمهم بأخذ المسافات التي حددناها لهم ونحافظ على الصف مستقيماً فهل نحن بعملنا هذا متمسكين بالسنة أم أننا نخالفها برسم هذه الخطوط؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

يجب على المسلمين أن يصفوا في للصلاة متساوين دون اعوجاج متراصين دون ترك فرج بينهم.

عن النعمان بن بشير قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” لتسون صفوفكم  أو ليخالفن الله بين وجوهكم “. رواه البخاري ( 685 ) ومسلم ( 659 ).

وعن جابر بن سمرة قال: ” خرج علينا رسول الله  صلى الله عليه وسلم  فقال مالي: أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس؟ اسكنوا في الصلاة. قال: ثم خرج علينا فرآنا حلقا فقال مالي أراكم عزين؟ قال: ثم خرج علينا فقال: ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟ فقلنا: يا رسول الله وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: يتمون الصفوف الأُوَل ويتراصون في الصف “. رواه مسلم ( 430 ).

* قال الشيخ ابن عثيمين حفظه الله تعالى: 

       قوله: ( وتسوية الصف ) يعني تُسن تسوية الصف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر بذلك فيقول: ” سووا صفوفكم “، ويرشد أصحابه لهذا حتى فهموا ذلك عنه وعقلوه عقلا جيدا وفي يوم من الأيام خرج عليه الصلاة والسلام وأقيمت الصلاة فالتفت فإذا رجل قد بدا صدره فقال: ” عباد الله لتسوّن صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم “.

فقوله: ” لتسون صفوفكم “: ( اللام ): واقعة في جواب قسم مقدر، وتقدير الكلام: والله لتسون، فالجملة مؤكدة  بثلاث مؤكدات وهي: القسم، واللام، والنون.

       وهذا خبر فيه تحذير لأنه قال: ” لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم “: أي: بين وجهات نظركم حتى تختلف القلوب، وهذا بلا شك وعيد على من ترك التسوية، ولهذا ذهب بعض أهل العلم إلى وجوب تسوية الصف واستدلوا لذلك بأمر النبي صلى الله عليه و سلم به، وتوعده على مخالفته.

       وشيء يأتي الأمر به ويتوعد على مخالفته لا يمكن أن يقال: إنه سنة فقط، ولهذا كان الرأي الراجح في هذه المسألة: وجوب تسوية الصف، وأن الجماعة إذا لم يسووا الصف فهم آثمون وهذا هو ظاهر كلام شيخ الإسلام رحمة الله.

” الشرح الممتع ” ( 3 / 10 – 11 ).

 

ثانيًا:

       أما استخدام الخطوط لتسوية الصفوف: ففيها خلاف بين العلماء المعاصرين، والراجح: أن استخدام هذه الخطوط لا شيء فيه، بل قد يجب استخدام مثل هذه الخطوط إذا انعدمت تسوية الصفوف إلا بها، لأنه كما أسلفنا أن التسوية للصفوف واجبة، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

       لكن ينبغي التنبيه على أمر مهم وهو أن وقوف عامة المصلين على الخطوط خطأ، ذلك أنهم يجعلون أطراف أصابع أرجلهم على الخط، وهذا لا يسوِّي الصفوف تسوية شرعيَّة؛ وذلك لاختلاف طول الأرجل بين الناس.

       والوقوف الصحيح: هو أن تكون أعقابهم – مؤخر أرجلهم – على الخط، وذلك لأن المسافة بين مؤخر الرِّجل والكعب عند عامة الناس متساوية، فإذا حصل الأمر كذلك: صار العقب بالعقب والكعب بالكعب، وبذا تستوي الصفوف.

       * قال الإمام البخاري رحمه الله: باب إلزاق المنكب بالمنكب والقدم بالقدم في الصف، وقال النعمان بن بشير: رأيت الرجل منا يلزق كعبه بكعب صاحبه.

       وروى في صحيحه ( 662 ): عن أبي القاسم الجدلي قال: سمعت النعمان بن بشير يقول: أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس بوجهه، فقال: أقيموا صفوفكم – ثلاثا – والله لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم، قال: فرأيت الرجل يلزق منكبه بمنكب صاحبه، وركبته بركبة صاحبه، وكعبه بكعبه.

 

والله أعلم.

 

 

 

بماذا يدعو المسلم في الجمعة؟

السؤال:

ماذا يدعو الإنسان في صلاة الجمعة؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

مما هو معلوم أن في يوم الجمعة ساعة مستجابة إن دعا العبد فيها ربه استجيب له – بإذن الله تعالى -:

عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر يوم الجمعة فقال: ” فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله تعالى شيئا إلا أعطاه إياه وأشار بيده يقللها “.  رواه البخاري ( 893 ) ومسلم ( 852 ).

ولكن هذا الدعاء أطلق ولم يقيَّد، ولا يعرف فيه دعاء واحد معلوم، بل المندوب هو مطلق الدعاء، ولا يجوز التقيد بدعاءٍ معيَّن، كونه لم يقم عليه دليل، وتقييد المطلق أو تخصيص العام من غير دليل والالتزام به: بدعة وضلالة.

 

ثانيًا:

وأما تحديد هذه الساعة في وقت معين، فقد اختلف العلماء فيها على أقوال كثيرة، قد ذكر ابن حجر منها أربعين رأيًا في ” فتح الباري “. 

ومن هذه الأقوال ما ذهب إليه بعض العلماء إلى أن هذه الساعة لم تحدد. 

 

* وقد قال القرطبي:

… كما خبأ ليلة القدر في رمضان وكما خبأ ساعة يوم الجمعة وساعات الليل المستجاب فيها الدعاء ليقوموا بالليل في الظلمات لمناجاة عالم الخفيات … .

 

” تفسير القرطبي ” ( 3 / 212 ).

وقال الحافظ:

… وقال ابن المنير في الحاشية: إذًا علم أن فائدة الإبهام لهذه الساعة ولليلة القدر بعث الداعي على الإكثار من الصلاة والدعاء، ولو بين لاتكل الناس على ذلك وتركوا ما عداها فالعجب بعد ذلك ممن يجتهد في طلب تحديدها.

” فتح الباري ” ( 2 / 422 ).

وأرجح الأقوال في تحديدها عند محققي العلماء قولان – وأحدهما أرجح من الآخر -:

الأول: أنها تكون بعد صعود الإمام إلى المنبر وجلوسه حتى ينصرف من الصلاة.

والقول الثاني: من بعد  العصر إلى مغيب الشمس.

* قال ابن القيم رحمه الله:

وأرجح هذه الأقوال: قولان تضمنتهما الأحاديث الثابتة، وأحدهما أرجح من الآخر: 

الأول: أنها من جلوس الإمام إلى انقضاء الصلاة.

وحجة هذا القول: ما روى مسلم في صحيحه من حديث أبي بردة بن أبي موسى أن عبد الله ابن عمر قال له: أسمعت أباك يحدث عن رسول الله في شأن ساعة الجمعة شيئًا؟ قال: نعم، سمعته يقول: سمعت رسول الله يقول: هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة “.  وروى ابن ماجة والترمذي من حديث عمرو بن عوف المزني عن النبي قال: ” إن في   الجمعة ساعة لا يسأل اللهَ العبدُ فيها شيئًا إلا آتاه الله إياه، قالوا: يا رسول الله أية ساعة هي؟ قال: حين تقام الصلاة إلى الإنصراف منها. 

والقول الثاني: أنها بعد العصر.

وهذا أرجح القولين وهو قول عبد الله بن سلام وأبي هريرة والإمام أحمد وخلق.

وحجة هذا القول: ما رواه أحمد في مسنده من حديث أبي سعيد وأبي هريرة أن النبي قال:   ” إن في الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها خيرًا إلا أعطاه إياه، وهي بعد العصر “، وروى أبو داود والنسائي عن جابر عن النبي قال: ” يوم الجمعة اثنا عشر ساعة فيها ساعة لا يوجد مسلم يسأل الله فيها شيئًا إلا أعطاه فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر ” … ” زاد المعاد ” ( 1 / 389 – 391 ).

وقال رحمه الله :

وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الساعة التي تذكر يوم الجمعة: ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس.

وكان سعيد بن جبير إذا صلى العصر لم يكلم أحدًا حتى تغرب الشمس.

وهذا هو قول أكثر السلف، وعليه أكثر الأحاديث، ويليه: القول بأنها ساعة الصلاة، وبقية الأقوال لا دليل عليها. 

وعندي: أن ساعة الصلاة ساعة ترجى فيها الإجابة أيضًا، فكلاهما ساعة إجابة، وإن كانت الساعة المخصوصة هي آخر ساعة بعد العصر، فهي ساعة معينة من اليوم لا تتقدم ولا تتأخر، وأما ساعة الصلاة فتابعة للصلاة تقدمت أو تأخرت؛ لأن لاجتماع المسلمين وصلاتهم وتضرعهم وابتهالهم إلى الله تعالى تأثيرًا في الإجابة، فساعة اجتماعهم ساعة ترجى فيها الإجابة.

وعلى هذا تتفق الأحاديث كلها، ويكون النبي قد حض أمته على الدعاء والابتهال إلى الله تعالى في هاتين الساعتين.

” زاد المعاد ” ( 1 / 394 ) .

 

* وقال الحافظ ابن حجر – بعد ذكره الأقوال التي ذكرت في تحديد ساعة الاستجابة -:

… فهذا جميع ما اتصل إليَّ من الأقوال في ساعة الجمعة، مع ذكر أدلتها، وبيان حالها في الصحة والضعف والرفع والوقف، والإشارة إلى مأخذ بعضها، وليست كلها متغايرة من كل جهة، بل كثير منها يمكن أن يتحد مع غيره … ولا شك أن أرجح الأقوال المذكورة حديث أبي موسى وحديث عبد الله بن سلام كما تقدم، قال المحب الطبري: أصح الأحاديث فيها حديث أبي موسى، وأشهر الأقوال فيها قول عبد الله بن سلام .ا.هـ، وما عداهما إما موافق لهما، أو لأحدهما، أو ضعيف الإسناد، أو موقوف استند قائله إلى اجتهاد دون توقيف، ولا يعارضهما حديث أبي سعيد في كونه  صلى الله عليه وسلم أنسيها بعد أن علمها لاحتمال أن يكونا سمعا ذلك منه قبل أن أنسي أشار إلى ذلك البيهقي وغيره.

وقد اختلف السلف في أيهما أرجح فروى البيهقي من طريق أبي الفضل أحمد بن سلمة النيسابوري أن مسلما قال: حديث أبي موسى أجود شيء في هذا الباب وأصحه، وبذلك قال البيهقي وابن العربي وجماعة، وقال القرطبي: هو نص في موضع الخلاف فلا يلتفت إلى غيره، وقال النووي: هو الصحيح بل الصواب، وجزم في ” الروضة ” بأنه الصواب ورجحه أيضا بكونه مرفوعًا صريحًا وفي أحد الصحيحين.

وذهب آخرون إلى ترجيح قول عبد الله بن سلام، فحكى الترمذي عن أحمد أنه قال: أكثر الأحاديث على ذلك، وقال ابن عبد البر: أنه أثبت شيء في هذا الباب، وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح إلى أبي سلمة بن عبد الرحمن: أن ناسًا من الصحابة اجتمعوا فتذاكروا ساعة الجمعة ثم افترقوا فلم يختلفوا أنها آخر ساعة من يوم الجمعة، ورجَّحه كثير من الأئمة أيضا كأحمد وإسحاق، ومن المالكية الطرطوشي، وحكى العلائي أن شيخه ابن الزملكاني – شيخ الشافعية في وقته – كان يختاره ويحكيه عن نص الشافعي. ” فتح الباري ” ( 2 / 421 ).

 

وفي غير ما سبق من الأحاديث ما يؤيد أنها بعد صلاة العصر حتى تغيب الشمس.

عن أنس بن مالك: عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” التمسوا الساعة التي ترجى في يوم الجمعة بعد العصر إلى غيبوبة الشمس “. رواه الترمذي ( 489 ). والحديث: صححه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في صحيح الترمذي ( 406 ).

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة وفيه أهبط منها وفيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم يصلي فيسأل الله فيها شيئا إلا أعطاه إياه. قال أبو هريرة: فلقيت عبد الله بن سلام فذكرت له هذا الحديث. فقال: أنا أعلم بتلك الساعة.فقلت: أخبرني بها ولا تضنن بها علي. قال: هي بعد العصر إلى أن تغرب الشمس فقلت كيف تكون بعد العصر وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” لا يوافقها عبد مسلم وهو يصلي “، وتلك الساعة لا يصلى فيها فقال عبد الله ابن سلام أليس قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” من جلس مجلسا ينتظر الصلاة فهو في صلاة؟ قلت: بلى. قال: فهو ذاك.

والحديث: صححه الإمام الترمذي والشيخ الألباني في ” صحيح الترمذي ” ( 407 ).

– ومعنى قوله ” أخبرني بها ولا تضنن بها عليَّ “:  أي: لا تبخل بها علي. 

 

* قال الشيخ الألباني رحمه الله تعالى:

هذا هو الوقت الذي رغَّب الرسول صلى الله عليه وسلم الدعاء في يوم الجمعة، ولكن هذا لا يعني أن المسلم لا يدعو ربه في يوم الجمعة إلا بهذا، بل يسن الدعاء في كل يوم وساعة وفي يوم الجمعة غير أن الساعة المذكورة من يوم الجمعة له خصيصة.

 

ويجدر التنبيه هنا إلى بعض الأدعية التي يقوم بها بعض الناس في يوم الجمعة، وليس لها أصل في الدين بل هي من البدع المنكرة:

* وقد عد الشيخ الألباني رحمه الله تعالى بعض البدع في الدعاء يوم الجمعة نذكر منها: 

1- قيام الإمام عند أسفل المنبر يدعو.

2- صعود رئيس المؤذنين على المنبر مع الإمام وإن كان يجلس دونه وقوله: ” آمين اللهم آمين غفر الله لمن يقول آمين اللهم صلي عليه … “.

3- اشتغال الإمام بالدعاء إذا صعد المنبر مستقبلًا القبلة قبل الإقبال على الناس والسلام عليهم.

4- قول بعض المؤذنين بين يدي الخطيب إذا جلس من الخطبة الأولى:غفر الله لك ولوالديك ولنا ولوالدينا والحاضرين.

5- دعاء الناس ورفع اليدين عند جلوس الإمام على المنبر بين الخطبتين.

6- دعاء الخطيب للغزاة والمرابطين.

7- رفع المؤذنين أصواتهم بالدعاء للسلاطين وإطالتهم بذلك والخطيب مسترسل  في خطبته. 

8- سكتات الخطيب في دعائه على المنبر ليؤمن عليه المؤذنون.

9- تأمين المؤذنين عند دعاء الخطيب للصحابة بالرضى وللسلطان بالنصر.

10- رفع الخطيب يديه في الدعاء.

11- رفع القوم أيديهم تأمينًا على دعائه.

12- قولهم بعد الجمعة: يتقبل الله منا ومنكم.  ا. هـ

” الأجوبة النافعة ” ( ص 67 – 74 ).

* ونضيف:

13 – تخصيص الدعاء على المنبر في نهاية الخطبة:  وهو مما لا دليل عليه، وإنما يجوز الدعاء في الخطبة من يوم الجمعة إذا كان الدعاء معترضًا من دون تخصيص.

ويسن للخطيب أن يشير بإصبعه حال الدعاء ولا يرفع يديه.

عن حصين: عن عمارة بن رؤيبة قال: رأى بشر بن مروان على المنبر رافعا يديه فقال: قبح الله هاتين اليدين، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يزيد على أن يقول بيده هكذا وأشار بإصبعه المسبحة “. رواه مسلم ( 1443 ).

فالحديث فيه جواز الدعاء على المنبر يوم الجمعة لكن من غير تخصيص آخر الخطبة للدعاء فيه، ولا نعرف في السنة دعاءً محدَّدًا، لا في الخطبة ولا في الساعة التي يستجاب فيها الدعاء.

ويجوز رفع اليدين على المنبر إذا استسقى الإمام للناس.

 

عن شريك بن عبدالله بن أبي نمر أنه: سمع أنس بن مالك يذكر: ”  أن رجلا دخل يوم الجمعة من باب كان وجاه المنبر ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما فقال: يا رسول الله هلكت المواشي وانقطعت السبل فادع الله يغيثنا قال: فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه فقال: اللهم اسقنا. اللهم اسقنا. اللهم اسقنا. قال أنس:ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة ولا شيئا وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار.  قال : فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت. قال: والله ما رأينا الشمس ستا. ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب فاستقبله قائما فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يمسكها قال: فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ثم قال:  اللهم حوالينا ولا علينا. اللهم على الآكام والجبال والآجام والظراب والأودية ومنابت الشجر.  قال: فانقطعت وخرجنا نمشي في الشمس قال شريك: فسألت أنس بن مالك أهو الرجل الأول. قال: لا أدري “.

رواه البخاري ( 967 ) ومسلم ( 1490 ).

 

والله أعلم.

 

حكم زيارة المعابد والمقابر الفرعونية وحكم الصلاة فيهما

حكم زيارة المعابد والمقابر الفرعونية وحكم الصلاة فيهما

السؤال:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيراً . بارك الله فيكم ، وجزاكم خيراً لما تقدموه .

أفيدوني : هل يجوز زيارة المعابد ، والمقابر الفرعونية ، وما شابه ؟ وهل لو خفت أن ينقضي وقت الصلاة : أؤديها في هذه الأماكن ؟ .

 

الجواب:

الحمد لله

أولاً :

زيارة المقابر قسمان : شرعية ، وبدعية ، فالشرعية : هي التي يراد  منها نفع الميت بالدعاء ، والاستغفار له ، وهذه خاصة للمسلم  .

ويدخل في الزيارة الشرعية : الزيارة بقصد تذكر الموت ، والآخرة , وهذه تكون عامة لقبر المسلم ، والكافر .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – :

فالزيارة الشرعية : أن يكون مقصود الزائر : الدعاء للميت ، كما يقصد بالصلاة على جنازته الدعاء له ؛ فالقيام على قبره : من جنس الصلاة عليه , قال الله تعالى في المنافقين : ( وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ ) التوبة/ 84 ، فنهى نبيَّه عن الصلاة عليهم ، والقيام على قبورهم ؛ لأنهم كفروا بالله ، ورسوله ، وماتوا وهم كافرون ، فلما نهى عن هذا , وهذا ؛ لأجل هذه العلة – وهي الكفر – : دلَّ ذلك على انتفاء هذا النهى عند انتفاء هذه العلة ، ودلَّ تخصيصهم بالنهي على أن غيرهم يصلَّى عليه ، ويقام على قبره ، إذ لو كان هذا غير مشروع في حق أحد : لم يُخَصوا بالنهى , ولم يعلَّل ذلك بكفرهم , ولهذا كانت الصلاة على الموتى من المؤمنين ، والقيام على قبورهم : من السنَّة المتواترة ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي على موتى المسلمين ، وشرع ذلك لأمته ، وكان إذا دُفن الرجل من أمته : يقوم على قبره ، ويقول : ( سَلُوا لَهُ التَّثْبيتَ فإنَّهُ الآنَ يُسْأَلُ ) رواه أبو داود وغيره ، وكان يزور قبور أهل البقيع ، والشهداء بـ ” أُحُد ” ، ويعلّم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقول أحدهم : ( السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله تعالى بكم لاحقون ، ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين ، نسأل الله لنا ولكم العافية ، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنَّا بعدهم ) .

وفى صحيح مسلم عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ إِلَى الْمَقْبُرَةِ فَقَالَ : ( السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لاَحِقُونَ ) ، والأحاديث في ذلك صحيحة ، معروفة .

* فهذه الزيارة لقبور المؤمنين : مقصودها الدعاء لهم .

وهذه غير الزيارة المشتركة التي تجوز في قبور الكفار ، كما ثبت في صحيح مسلم ، وأبي داود ، والنسائي ، وابن ماجه ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : زَارَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَبْرَ أُمِّهِ فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ فَقَالَ : ( اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لي وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأُذِنَ لِي فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُم الْآَخرَةَ ) ، فهذه الزيارة التي تنفع في تذكير الموت : تُشرع ولو كان المقبور كافراً ، بخلاف الزيارة التي يقصد بها الدعاء للميت ، فتلك لا تشرع إلا في حق المؤمنين .

 وأما الزيارة البدعية : فهي التي يُقصد بها أن يُطلب من الميت الحوائج ، أو يطلب منه الدعاء ، والشفاعة ، أو يقصد الدعاء عند قبره ؛ لظن القاصد أن ذلك أجوب للدعاء ، فالزيارة على هذه الوجوه كلها مبتدعة لم يشرعها النبي صلى الله عليه وسلم , ولا فعلها الصحابة . ” مجموع الفتاوى ” ( 1 / 165 ، 166 ) .

ومسألة الزيارة غير مسألة شد الرحْل ؛ فشد الرحْل – أي : السفر – لأجل زيارة القبور : لا يجوز البتة ، لا قبور المسلمين ، ولا قبور الكفار من باب أولى .

قال علماء اللجنة الدائمة :

لا يجوز شد الرحال لزيارة قبور الأنبياء، والصالحين، وغيرهم، بل هو بدعة ، والأصل في ذلك : قوله صلى الله عليه وسلم: ( لاَ تُشَدُّ الرّحَالُ إلاَّ إلى ثَلاَثة مَسَاجد : المَسْجد الحَرَام وَمسْجدي هذا ، والمسجد الأقصى ) – رواه البخاري ومسلم – .

وقال صلى الله عليه وسلم : ( مَنْ عَملَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيه أَمْرُنا فَهُوَ رَدٌّ ) – رواه البخاري تعليقاً ، ومسلم – .

وأما زيارتهم دون شد رحال : فسنَّة ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : ( زُورُوا القبُورَ فَإنَّهَا تُذَّكرُكُم الآخرَةَ ) رواه مسلم في صحيحه .

الشيخ عبد العزيز بن بن باز ، الشيخ عبد الرزاق عفيفي ، الشيخ عبد الله بن غديان ، الشيخ عبد الله بن قعود . ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 1 / 431 ) .

ثانياً :

وليُعلم أنَّ المقابر : ليست محلاًّ للصلاة ، سواءً أكانت مقابر للمسلمين – إلا ما استثناه الشرع وهو صلاة الجنازة – أو مقابر للمشركين من باب أولى .

ومن أدى صلاة فرض ، أو نافلة في مقبرة : فصلاته باطلة .

قال علماء اللجنة الدائمة :

لا تصح الصلاة في المقابر ، فمَن أدى صلاة فيها : فهي باطلة ، يجب عليه إعادتها ؛ وذلك للأحاديث المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عن اتخاذ القبور مساجد ، إلا صلاة الجنازة ، فلا بأس بها في المقبرة .

الشيخ عبد العزيز بن باز ، الشيخ عبد الله بن غديان ، الشيخ صالح الفوزان ، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ ، الشيخ بكر أبو زيد .

” فتاوى اللجنة الدائمة ” المجموعة الثانية ( 5 / 252 ، 253 ) .

ثالثاً:

أما معابد المشركين : فلا يجوز قصدها للزيارة .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – :

وأما زيارة معابد الكفار مثل : الموضع المسمّى بالقمامة ! أو بيت لحم ، أو صهيون ، أو غير ذلك ، مثل كنائس النصارى : فمنهيٌّ عنها ، فمَن زار مكاناً من هذه الأمكنة معتقداً أن زيارته مستحبة ، والعبادة فيه أفضل من العبادة في بيته : فهو ضالٌّ ، خارج عن شريعة الإسلام ، يُستتاب ، فإن تاب : وإلا قتل , وأما إذا دخلها الإنسان لحاجة ، وعرضت له الصلاة فيها : فللعلماء فيها ثلاثة أقوال … .

” مجموع الفتاوى ” ( 27 / 14 ) .

وقد صحَّ عن عمر رضي الله عنه قولُه : ” لا تدخلوا على المشركين في كنائسهم ، ومعابدهم ؛ فإن السخطة تنزل عليهم ” . رواه عبد الرزاق ( 1 / 411 ) وابن أبي شيبة ( 6 / 208 ) .

وأما حكم الصلاة فيها : فجائز ، بشرطين :

أ. عدم قصد الصلاة فيها ، وإنما دخلها لحاجة فعرضت لها الصلاة ، كما مرَّ في كلام شيخ الإسلام رحمه الله آنفاً .

ب. وبشرط عدم وجود الصور ، والتماثيل .

وقد بوَّب الإمام البخاري رحمه الله قي صحيحه : ” باب الصَّلاَةِ فِي الْبِيعَةِ ” ، وقال : وَقَالَ عُمَرُ رضي الله عنه : ” إِنَّا لاَ نَدْخُلُ كَنَائِسَكُمْ مِنْ أَجْلِ التَّمَاثِيلِ الَّتِي فِيهَا الصُّوَرَ ” ، وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُصَلِّي فِي الْبِيعَةِ إِلاَّ بِيعَةً فِيهَا تَمَاثِيلُ . انتهى.

وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – :

هل الصلاة في البيَع والكنائس جائزة مع وجود الصور أم لا ؟ وهل يقال : إنها بيوت الله أم لا ؟ .

فأجاب :

ليست بيوت الله , وإنما بيوت الله : المساجد , بل هي بيوت يُكفر فيها بالله ، وإن كان قد يُذكر فيها , فالبيوت بمنزلة أهلها , وأهلها كفار , فهي بيوت عبادة الكفار.

وأما الصلاة فيها : ففيها ثلاثة أقوال للعلماء في مذهب أحمد ، وغيره : المنع مطلقاً ; وهو قول مالك ، والإذن مطلقا ، وهو قول بعض أصحاب أحمد ، والثالث : وهو الصحيح المأثور عن عمر بن الخطاب وغيره , وهو منصوص عن أحمد ، وغيره , أنه إن كان فيها صور : لم يصلّ فيها ; لأن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة – متفق عليه – , ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدخل الكعبة حتى مُحي ما فيها من الصور – رواه أبو داود بإسناد صحيح – , وكذلك قال عمر : إنا كنا لا ندخل كنائسهم والصور فيها . ” مجموع الفتاوى ” ( 2 / 156 ) .

رابعاً:

ومما هو معلوم أن هذه الأماكن الأثرية قد تكون أماكن عذاب ، ولعنة , وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من قصد أماكن المعذَّبين للزيارة ، أو النزهة .

فعن ابن عمر رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا مَرَّ بِالْحِجْرِ قَالَ : ( لَا تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ  ثُمَّ تَقَنَّعَ بِرِدَائِهِ وَهُوَ عَلَى الرَّحْلِ). رواه البخاري ( 423) ومسلم ( 2980).

قال النووي – رحمه الله – :

فِيهِ : الْحَثّ عَلَى الْمُرَاقَبَة عِنْد الْمُرُور بِدِيَارِ الظَّالِمِينَ , وَمَوَاضِع الْعَذَاب , وَمِثْله : الْإِسْرَاع فِي وَادِي ” مُحَسِّر ” ؛ لِأَنَّ أَصْحَاب الْفِيل هَلَكُوا هُنَاكَ , فَيَنْبَغِي لِلْمَارِّ فِي مِثْل هَذِهِ الْمَوَاضِع الْمُرَاقَبَة ، وَالْخَوْف ، وَالْبُكَاء , وَالِاعْتِبَار بِهِمْ ، وَبِمَصَارِعِهِمْ , وَأَنْ يَسْتَعِيذ بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ . ” شرح مسلم ” ( 18 / 111 ) .

وقال الحافظ ابن حجر – رحمه الله – :

وهذا يتناول مساكن ” ثمود ” ، وغيرهم ، ممن هو كصفتهم ، وإن كان السبب ورد فيهم .  ” فتح الباري ” ( 6 / 380 ) .

وقد أفتى العلماء المعاصرون بحرمة زيارة أماكن المعذّبين ، والذين ظلموا :

  1. سئل الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله – :

عن حكم قصد مدائن ” صالح ” بالزيارة .

فأجاب :

أمَّا المرور عليها : فقد مرَّ بها النبي صلى الله عليه وسلم ، لكنَّه أسرع عليه الصلاة والسلام ، وقنَّع رأسه ، وقال عليه الصلاة والسلام : ( لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين خشية أن يصيبكم ما أصابهم ، فإن لم تكونوا باكيين فلا تدخلوا عليها ) فلا يجوز للإنسان أن يذهب إلى هذه المدائن للتفرج ، والنزهة ، بل للاعتبار الذي يصحبه البكاء ، وإلا فالسلامة في تركها ، وقول الرسول عليه الصلاة والسلام : ( أن يصيبكم ما أصابهم ) ليس مراده العذاب العام ؛ لأن هذه الأمَّة – والحمد لله – لا تعذب بصفة عامة ، لكن أن يصيبكم ما أصابهم من قسوة القلب ، والإعراض ، والتولي عن الدِّين .

وحكمة ذلك : أن الناس الذين يذهبون إلى هذه البلاد على غير الوجه الذي أراد الرسول عليه الصلاة والسلام : سوف يقع في نفوسهم تعظيم هؤلاء ؛ لمَا يرون من إحكام البناء ، وشدته ، وقوته ، وإذا وقع تعظيم الكافر في قلب المؤمن : فإنه على خطر عظيم . ” لقاء الباب المفتوح ” ( 82 / السؤال رقم 2 ) .

  1. وذكرنا فتوى علماء اللجنة الدائمة في تحريم زيارة منازل ” مديَن ” ، و ” ثمود ” لقصد الفُرجة ، والاطلاع .

وننبه إلى أنه ثمة أسباب أخرى تمنع الذهاب إلى تلك الأماكن ، حيث صارت مرتعاً خصباً للسيَّاح ، وما يصاحب ذلك من تعرِّ ، وتبرجٍ ، وفجور ، وشرب للخمور ، وغير ذلك .

خامساً:

– وأما حكم الصلاة في أماكن اللعنة ، والخسف ، وأقوام المعذبين : فالظاهر هو المنع منها :

أ. بوَّب البخاري رحمه الله – ( 1 / 166 ) – على حديث ابن عمر المتقدم : ” بَاب الصَّلَاة فِي مَوَاضِع الْخَسْف وَالْعَذَاب ، وَيُذْكَرُ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَرِهَ الصَّلَاةَ بِخَسْفِ بَابِلَ ” , وهذا من دقيق استنباطه .

ب. قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله – :

وَالْحَدِيث مُطَابِق لَهُ مِنْ جِهَة أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا فِيهِ تَرْك النُّزُول كَمَا وَقَعَ عِنْد الْمُصَنِّف فِي ” الْمَغَازِي ” فِي آخِر الْحَدِيث ” ثُمَّ قَنَّعَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأْسه وَأَسْرَعَ السَّيْر حَتَّى أَجَازَ الْوَادِي ” ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَنْزِل ، وَلَمْ يُصَلِّ هُنَاكَ ، كَمَا صَنَعَ ” عَلِيّ ” فِي خَسْف ” بَابِل ” . ” فتح الباري ”  ( 1 / 530 ) .

ج. وقد صحَّ موقوفاً عن علي رضي الله عنه النهي عن الصلاة في أرض ” بابل ” من أرض العراق .

قال ابن رجب – رحمه الله – :

وروى يعقوب بن شيبة ، عن أبي النعيم : ثنا المغيرة بن أبي الحر الكندي : حدثني حجر بن عنبس ، قال : خرجنا مع ” علي ” إلى ” الحرورية ” ، فلما وقع في أرض ” بابل ” قلنا : ” أمسيتَ يا أمير المؤمنين ، الصلاة ، الصلاة ” ، قال : ” لم أكن أصلي في أرض قد خسف الله بها ” . وخرجه وكيع ، عن مغيرة بن أبي الحر ، به بنحوه . وهذا إسناد جيد … .

ثم قال :

والموقوف أصح .

” فتح الباري ” لابن رجب ( 3 / 212 ) .

د. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – :

ولا يصلَّى في مواضع الخسف ، نص عليه في رواية عبد الله … فإذا كان المكث في مواقع العذاب ، والدخول إليها لغير حاجة منهيٌّ عنه : فالصلاة بها أولى , ولا يقال فقد استثنى ما إذا كان الرجل باكياً ؛ لأن هذا الاستثناء من نفس الدخول فقط ؛ فأما المكث بها ، والمقام ، والصلاة : فلم يأذن فيه ، بدليل حديث ” علي ” , ولأن مواضع السخط ، والعذاب ، قد اكتسبت السخط بما نزل ساكنيها ، وصارت الأرض ملعونة ، كما صارت مساجد الأنبياء – مثل مسجد إبراهيم ، ومحمد ، وسليمان صلى الله عليهم – مكرَّمة لأجل مَن عبد الله فيها ، وأسسها على التقوى .

فعلى هذا : كل بقعة نزل عليها عذاب : لا يصلَّى فيها ، مثل أرض الحِجر ، وأرض بابل المذكورة ، ومثل مسجد الضرار ؛ لقوله تعالى : ( لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدً ) التوبة/ من الآية 108 . ” شرح العمدة ” ( 3 / 420 ) .

بل ذهب شيخ الإسلام رحمه الله إلى أبعد من تحريم الصلاة ، وهو القول ببطلانها ، ووجوب إعادتها .

قال – رحمه الله – :

فإن صلَّى : فهل تصح صلاته ؟ فعلى ما ذكره طائفة من أصحابنا : تصح ؛ لأنهم جعلوا هذا من القسم الذي تكره الصلاة فيه ، ولا تحرم ؛ لأن أحمد كره ذلك , ولأنهم لم يستثنوه من الأمكنة التي لا يجوز الصلاة فيها , ولأصحابنا في الكراهة المطلقة من أبي عبد الله وجهان :  أحدهما : أنه محمول على التحريم , وهذا أشبه بكلامه , وأقيس بمذهبه ؛ لأنه قد قال في الصلاة في مواضع نهي النبي صلى الله عليه وسلم عنها : ” يعيد الصلاة ” , وكذلك عند القاضي ، والشريف أبي جعفر , وغيرهما ، طرد الباب في ذلك ، بأن كل بقعة نهي عن الصلاة فيها مطلقاً : لم تصح الصلاة فيها ، كالأرض النجسة , وهذا ظاهر ، فإن الواجب : إلحاق هذا بمواضع النهي ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه ، كما نهى عن الصلاة في المقبرة ، ونهى الله نبيَّه أن يقوم في مسجد الضرار , ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الدخول إلى مساكن المعذبين عموماً ، فإذا كان الله نهى عن الصلاة في الأماكن الملعونة خصوصاً , ونهى عن الدخول إليها خصوصاً ، وعمل بذلك خلفاؤه الراشدون ، وأصحابه ، مع أن الأصل في النهي : التحريم ، والفساد : لم يبق للعدول عن ذلك بغير موجب وجه . ” شرح العمدة ” ( 3 / 421 ) .

 

والله أعلم .

 

هل يمكن إلغاء فريضة الحج والعمرة بسبب انتشار مرض ” أنفلونزا الخنازير “؟

هل يمكن إلغاء فريضة الحج والعمرة بسبب انتشار مرض ” أنفلونزا الخنازير “؟

السؤال:

هل يمكن إلغاء فريضة الحج والعمرة بسبب انتشار مرض ” أنفلونزا الخنازير ” ؟ وهل يعتبر ذلك طاعوناً ؟ وهل مكة والمدينة في مأمن من الأوبئة بحفظ الله أم ممكن انتقال العدوى في هذه الأماكن ؟ وهل قوله تعالى : ( ومن دخله كان آمناً ) يشمل أيضا الأوبئة ، أي : يكون آمناً من الأوبئة ؟ .

– أفيدونا مأجورين ؛ لأني مقدم على العمرة خلال شهر .

 

الجواب:

الحمد لله

أولاً:

لا ريب أن الأمراض والأوبئة الفتاكة التي من طبيعتها الانتشار بالعدوى : تقاس على مرض الطاعون ، من حيث أحكامه المتعلقة بما يسمَّى ” الحجر الصحي ” .

عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه خَرَجَ إِلَى الشَّأْمِ حَتَّى إِذَا كَانَ بِسَرْغَ لَقِيَهُ أُمَرَاءُ الأَجْنَادِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَأَصْحَابُهُ ، فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِأَرْضِ الشَّأْمِ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَقَالَ عُمَرُ : ادْعُ لِي الْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ … .

فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ، وَكَانَ مُتَغَيِّبًا فِي بَعْضِ حَاجَتِهِ فَقَالَ : إِنَّ عِنْدِي فِي هَذَا عِلْماً ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : ( إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلاَ تَقْدَمُوا عَلَيْهِ ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلاَ تَخْرُجُوا فِرَاراً مِنْهُ ) . رواه البخاري (5397 ) ومسلم ( 2219 ) .

قال النووي – رحمه الله – :

وأما الطاعون : فهو قروح تخرج في الجسد ، فتكون في المرافق ، أو الآباط ، أو الأيدي ، أو الأصابع ، وسائر البدن , ويكون معه ورم ، وألَم شديد , وتخرج تلك القروح مع لهيب ، ويسودّ ما حواليه ، أو يخضر ، أو يحمر حمرة بنفسجية ، كدرة ، ويحصل معه خفقان القلب ، والقيء , وأما الوباء : فقال الخليل وغيره : هو الطاعون ، وقال : هو كل مرض عام , والصحيح الذي قاله المحققون : أنه مرض الكثيرين من الناس في جهة من الأرض ، دون سائر الجهات , ويكون مخالفاً للمعتاد من أمراض في الكثرة ، وغيرها , ويكون مرضهم نوعاً واحداً ، بخلاف سائر الأوقات ؛ فإن أمراضهم فيها مختلفة ، قالوا : وكل طاعون وباء ، وليس كل وباء طاعوناً , والوباء الذي وقع في الشام في زمن عمر كان طاعوناً , وهو طاعون ” عمواس ” , وهى قرية معروفة بالشام. ” شرح النووي ” ( 14 / 204 ) .

وعليه : فكل مرض فتاك من شأنه الانتقال للآخرين بالعدوى التي يقدِّرها الله فيه : فإن له حكم الطاعون ؛ لأن الشريعة لم تنص على مرض الطاعون دون غيره في هذا الحكم، والشريعة لا تفرِّق بين متماثلين .

 

ثانياً:

أخذ العلماء من الحديث السابق أنه لا يجوز القدوم على أرض بها وباء فتَّاك ينتقل بالعدوى , ولا الخروج من أرض وقع فيها ، كما هو ظاهر النص السابق .

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله – :

وفِي هذا الحَدِيث جَوَاز رُجُوع مَن أَرَادَ دُخُول بَلدَة فَعَلِمَ أَنَّ بِهَا الطَّاعُون ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَيسَ مِن الطِّيَرَة ، وَإِنَّمَا هِيَ مِن مَنْع الإِلقَاء إِلَى التَّهْلُكَة ، أَو سَدّ الذَّرِيعَة … .

وَفِي الحَدِيث أَيضاً : مَنْع مَنْ وَقَعَ الطَّاعُون بِبَلَدٍ هُوَ فِيها مِن الخُرُوج مِنهَا .

” فتح الباري ” ( 10 / 186 ، 187 ) .

وقال ابن القيم – رحمه الله – :

وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم للأمة في نهيه عن الدخول إلى الأرض التي هو بها , ونهيه عن الخروج منها بعد وقوعه : كمال التحرز منه ؛ فإن في الدخول في الأرض التي هو بها تعرضاً للبلاء , وموافاة له في محل سلطانه , وإعانة للإنسان على نفسه , وهذا مخالف للشرع والعقل ، بل تجنب الدخول إلى أرضه من باب الحمية التي أرشد الله سبحانه إليها ، وهي حمية عن الأمكنة ، والأهوية المؤذية .

وأما نهيه عن الخروج من بلده ففيه معنيان :

أحدهما : حمل النفوس على الثقة بالله ، والتوكل عليه ، والصبر على أقضيته ، والرضى بها .

والثاني : ما قاله أئمة الطب : أنه يجب على كل محترز من الوباء أن يخرج عن بدنه الرطوبات الفضلية , ويقلل الغذاء , ويميل إلى التدبير المجفف من كل وجه إلا الرياضة ، والحمام … .

ثم قال :

وفي المنع من الدخول إلى الأرض التي قد وقع بها عدة حكم :

أحدها : تجنب الأسباب المؤذية ، والبُعد منها .

الثاني : الأخذ بالعافية التي هي مادة المعاش والمعاد .

الثالث : أن لا يستنشقوا الهواء الذي قد عفن وفسد فيمرضون .

الرابع : أن لا يجاوروا المرضى الذين قد مرضوا بذلك فيحصل لهم بمجاورتهم من جنس أمراضهم … .

الخامس : حمية النفوس عن الطيرة والعدوى ؛ فإنها تتأثر بهما ؛ فإن الطيرة على من تطير بها , وبالجملة : ففي النهي عن الدخول في أرضه الأمر بالحذر والحمية , والنهي عن التعرض لأسباب التلف , وفي النهي عن الفرار منه : الأمر بالتوكل ، والتسليم والتفويض ، فالأول : تأديب وتعليم ، والثاني : تفويض وتسليم .

” زاد المعاد ” ( 4 / 42 – 44 ) .

 

ثالثاً:

اختلف العلماء في المقصود بالأمن في قوله تعالى : ( وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ) آل عمران/ من الآية 97 على أقوال ، ومنها ما هو مقبول ، ومنها ما هو ضعيف لا يلتفت إليه .

أما الأقوال الضعيفة ، أو الباطلة في معنى الآية :

  1. فمنها قول من قال : إن من دخله يأمن من عذاب النار في الآخرة ! .
  2. وكقول من قال : إنه من دخله يأمن من الموت على غير الإسلام ! .
  3. وكقول من قال : إن المعنى : أن من دخل الحرم يأمن من الأمراض .
  4. وكقول من قال : إن معنى الآية : الأمن من القتل .

لوجود كل ذلك في واقع الأمر ، كمن مات على الكفر ، والردة ، وكان قد دخل الحرم ، ولوجود المرض ، والوباء فيه ، وكذا حصول القتل فيه ، قديماً ، وحديثاً ، وما أمر القرامطة الباطنية وما فعلوه بالحجاج عنَّا ببعيد .

  1. وقيل : إن ( مَن ) ها هنا لمن لا يعقل ، والآية في أمان الصيد ! .

وأما الأقوال المعتبرة في الآية :

  1. 1. أن معنى الآية : أن هذا الأمن على النفس من آيات الحرم ؛ لأن الناس كانوا يُتخطفون من حواليه ، ولا يصل إليه جبار ، فقصد الله تعالى بذلك تعديد النعم على كل مَن كان بها جاهلاً ، ولها منكراً من العرب ، كما قال تعالى : ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ) العنكبوت/ 67 ، فكانوا في الجاهلية من دخله ولجأ إليه: أمِن من الغارة ، والقتل.
  2. 2. أن معنى ذلك : أن الأمن في الحرم هو شرع الله تعالى ، ودينه ، والآية خبر عن ذلك.
  3. 3. أنه أراد به : أن مَنْ دخله عام ” عمرة القضاء ” مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كان آمِناً ، كما قال تعالى : ( لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ آمِنِينَ ) الفتح/ 27 .
  4. 4. أنها خبر بمعنى الأمر ، تقديره : ” ومَن دخله : فأمِّنوه ” ، كقوله تعالى : ( فلا رفثَ ولا فسوقَ ولا جدال في الحج ) البقرة/ 197 ، أي : لا ترفثوا ، ولا تفسقوا .

قال ابن القيم – رحمه الله – :

وهذا إما خبر بمعنى الأمر ؛ لاستحالة الخُلْفِ في خبره تعالى ، وإما خبرٌ عن شرعه ودينه الذي شرَعه في حرمه ، وإما إخبارٌ عن الأمرِ المعهود المستمِرِّ في حرمه في الجاهلية والإسلام ، كما قال تعالى : ( أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ) العنكبوت/ 67 ، وقوله تعالى : ( وَقَالُواْ إن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَ لَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيءٍ ) القصص/ 57 ، وما عدا هذا من الأقوال الباطلة : فلا يُلتفت إليه ، كقول بعضهم : ” ومَن دخله كان آمناً مِن النار ” ، وقول بعضهم : ” كان آمناً مِن الموت على غير الإسلام ” ، ونحو ذلك ، فكم ممن دخله وهو في قعر الجحيم . ” زاد المعاد في هدي خير العباد ” ( 3 / 445 ) .

– والقول الأول الذي ذكره ابن القيم هو الأليق بمعنى الآية .

قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – :

ويقول سبحانه : ( وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ) يعني : وجب أن يؤمَّن , وليس المعنى أنه لا يقع فيه أذى لأحدٍ , ولا قتل , بل ذلك قد يقع , وإنما المقصود : أن الواجب تأمين من دخله , وعدم التعرض له بسوء .

وكانت الجاهلية تعرف ذلك , فكان الرجل يلقى قاتل أبيه أو أخيه فلا يؤذيه بشيء حتى يخرج . ” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 3 / 380 ) .

وقال القرطبي – رحمه الله – :

وروي أن بعض الملحدة قال لبعض العلماء : أليس في القرآن ( وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً ) فقد دخلناه ، وفعلنا كذا وكذا ، فلم يأمَن مَن كان فيه ، قال له : ألستَ من العرب ؟ ما الذي يريد القائل مِن ” مَن دخل داري كان آمناً ، أليس أن يقول لمن أطاعه : كفَّ عنه فقد أمنتُه وكففتُ عنه ؟ ” قال : بلى ، قال : فكذلك قوله ( وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً ) .

” تفسير القرطبي ” ( 4 / 141 ) .

وليس معنى هذا أن من ارتكب جرماً يوجب حدّاً ، ثم لاذ بالحرم أنه يأمن فيه من العقوبة ، وإقامة الحد ، ولو كان كذلك لصار الحرم مجمعاً لأهل الفساد ، ويُجمع بين ما قلناه وما ها هنا بأن يضيَّق عليه حتى يخرج من الحرم ، فيقام عليه الحد .

 

قال الشيخ الشنقيطي – رحمه الله – :

الذي يظهر – والله تعالى أعلم – : أنَّ أجْرى هذه الأقوال على القياس : قول من قال : يُستوفى من اللاجئ إلى الحرم كلُّ حق وجبَ عليه شرعاً ، قتلاً كان ، أو غيره ؛ لأن إقامة الحدود واستيفاء القصاص مما أوجبه الله ، وفعل ذلك طاعة ، وتقرب إليه ، وليس في طاعة الله وامتثال أمره انتهاك لحرمة حَرَمِه .

وأجراها على الأصول ، وهو أولاها : هو الجمع بين الأدلة ، وذلك بقول من قال : يُضيَّق على الجاني اللاجئ إلى الحرم ، فلا يباع له ، ولا يشترى منه ، ولا يجالس ، ولا يكلم حتى يضطر إلى الخروج ، فيستوفى منه حق الله إذا خرج من الحرم ؛ لأن هذا القول جامع بين النصوص ، فقد جمع بين استيفاء الحق ، وكون ذلك ليس في الحرم ، وفي هذا خروج من الخلاف . ” أضواء البيان ” ( 5 / 463 ) .

وعلى ذلك : ليس المقصود بالأمنِ الأمنَ مِنَ الأمراض والأوبئة ؛ فالأمراض والأوبئة قد تنزل أرض الحرم المكي – والمدني – , وهذا معروف ، قديماً ، وحديثاً , وفي كل عام تصدر من المملكة العربية السعودية بعد انتهاء موسم الحج تقريراً بعدد المرضى ، والموتى ، ويُنص في التقرير على خلو الموسم من الأوبئة ، وفي كل عام يحتاط للأوبئة بالتطعيمات التي تُشترط للحصول على ” فيزا ” ، مع مراقبة حثيثة لأحوال الحجاج ، وصحتهم ، ولا نعرف من يُنكر حصول وباء ، أو أمراض ، في حرم الله تعالى .

 

رابعاً:

ونحمد لله على أن هذا الوباء لم يبلغ مكة ، أو المدينة ، وإنما هي بضع حالات في عموم المملكة العربية السعودية ، كما هو في أكثر الدول ، مع الوجود الكبير اليومي من المصلين ، والمعتمرين ، ومع ذلك فلا بأس أن يأخذ الإنسان بأسباب السلامة ، من أخذ مطعوم الوقاية , ولبس الكمامات , وغير ذلك من أسباب الوقاية من المرض .

 

خامساً:

والملاحظ أن بعض وسائل الإعلام تهول من هذا الأمر , ويستغل بعض الحاقدين والمتربصين ذلك للتنفير من شعائر الإسلام , مع أن هناك تجمعات كبيرة مماثلة – كملاعب كرة الفدم ، والمهرجانات الغنائية – ولم نر ، أو نسمع ، من أولئك التحذير ، والتنفير من تلك التجمعات ، بل على العكس من ذلك ، نرى التشجيع على الحضور ، والمشاركة .

وإن نعجب فعجب من بعض العلماء حيث يفتون بعدم جواز الذهاب إلى الحج هذا العام بسبب ظهور بضع حالات في المملكة العربية السعودية ! وكانوا يشددون أن النص النبوي في الطاعون لا يقبل الجدال أنه منطبق على هذه الحالة ! وقد ظهر المرض في كثير من الدول ، وشفي كثير منها ، ولم يصل الأمر إلى إغلاق الدول الأبواب على نفسها ، ونحن في شك – أصلاً – من الدرجة التي أوصلتها إليها بعض المنظمات الطبية ، ونرى أنه قد تكون ثمة أكاذيب يراد لها الترويج ؛ لحساب بيع أدوية بمليارات الدولارات .

وبكل حال : فإذا صارت بلد موبوءة بمرض ” انفلونزا الخنازير ” ، أو ” الطاعون ” : فالحكم واحد ، ولا فرق بين المملكة العربية السعودية ، وغيرها ، لكن ليس الحكم في هذا لأحدٍ من الناس ، إلا أن يُعلن من مختصين أن تلك البقعة صارت موبوءة ، فحينئذٍ نطبق عليها الحكم الشرعي ، من تحرين دخولها ، وتحريم خروج أحدٍ منها ، لكن لا يتعجلن أحد بالحكم على موسم الحج ، أو العمرة بالإلغاء ، قبل إعلان ذلك من أهل الاختصاص من الأطباء ، ثم توكيد ذلك من علماء الشرع .

قال الدكتور أحمد الريسوني – الخبير في ” مجمع الفقه الإسلامي ” – :

إن مسألة إلغاء العمرة في رمضان أو موسم الحج المقبل بسبب ” إنفلونزا الخنازير ” : يرجع القرار فيها إلى الأطباء المسلمين المختصين .

وقال :

إن ” منظمة المؤتمر الإسلامي ” ، أو ” مجمع الفقه الإسلامي الدولي ” مطالبان في هذه الحالة بتنظيم لقاء للأطباء المسلمين من عدد من الدول الإسلامية ؛ ليتدارسوا الوضعية ، ويقدروا الاحتمالات ، ويصدروا توصياتهم ، وبناء عليها يقرر الفقهاء في ” مجمع الفقه الإسلامي ” ، أو أي هيئة فقهية تشكَّل لهذا الغرض ما إذا كانت الضرورة تدعو لإلغاء الشعيرتين .

وقال :

إن تقدير أطباء غير مسلمين ، من أمريكا ، أو كندا ، أو غيرهما : لا يكفي ؛ لأن الأمر يتعلق بالعالم الإسلامي ، والحجاج والمعتمرين القادمين منه ، ويتعلق كذلك بموازنة بين فريضة الحج وشعيرة العمرة ، وما لهما من أهمية ، مع احتمالات الخطورة ، وانتشار الوباء .

وقال :

إذا قرر الأطباء المسلمون أن هناك احتمالات مرتفعة لانتشار الوباء بواسطة تجمع الحج ، والعمرة : فيتعين حينئذ على جميع الدول الإسلامية ، وعلى المملكة العربية السعودية على الخصوص ، اتخاذ التدابير اللازمة لوقف هذه التجمعات ، وتعليقها إلى حين انجلاء هذا الوباء .

وقال :

إن هذا الإجراء لا غبار عليه ، وعلى مشروعيته ، ووجوبه ؛ لأن الله تعالى يقول : ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا كان الوباء – أو الطاعون – في بلد فلا تخرجوا منه ولا تدخلوا إليه ) ، وكذلك سيدنا عمر رضي الله عنه أوقف سير جيش بكامله كان يتجه إلى الشام لما علم أن بها وباء الطاعون.

وقال :

لكن لا ينبغي التعجل ، بل اتخاذ الخطوات اللازمة التي تبتدئ بتقرير ، وتقدير الأطباء المختصين بشكل جماعي ، وتنتهي بفتوى الفقهاء ، ثم بتنفيذ المسؤولين السياسيين في البلدان المعنية ، وخاصة المملكة العربية السعودية .

انتهى من موقعه .

http://www.raissouni.org/affdetail.asp?codelangue=6&info=300

 

فالنصيحة للأخ الكريم أن يتوكل على الله , ويتوجه لأداء العمرة , والحج ، وأن يأخذ بأسباب السلامة – كما تقدم – ، إلا أن يظهر – لا قدَّر الله – ما يستوجب التوقف عن دخول البلد الحرام ، ويظهر ذلك بفتاوى جماعية لأهل العلم الثقات ، والله هو المأمول أن يحفظنا وإياكم من كل سوء وشر .

 

والله أعلم.

 

هدي النبي في البيع والشراء ، وكيف يحقق التجار التوكل على الله!.

هدي النبي صلى الله عليه وسلم في البيع والشراء ، وكيف يحقق التجار التوكل على الله

السؤال:

أرغب في معرفة السنَّة في التجارة , كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يتاجر، ويصف السلَع ، ويتبادلها ، ويعيدها … الخ ، كما أرغب في معرفة كيفية التوكل عند التجارة . وجزاكم الله خيراً.

 

الجواب:

الحمد لله

أولاً:

لا شك أن سؤال المسلم عن أمور دينه للعلم بها ، والتزامها : دليل على حبه للخير , وابتغائه الأجر ، والثواب ، وتحريه لمعرفة هدي النبي صلى الله عليه وسلم وسنَّته في أموره الدينية ، والدنيوية ، للاقتداء به : دليل على حب الاتباع .

فنسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياك من المحبين للشرع ، المقتدين بالنبي صلى الله عليه وسلم ، والعاملين بسنَّته .

ثانياً:

وقد اختلف العلماء أي المكاسب أطيب ، فذهب بعضهم إلى كونها : الصناعة ، وقال آخرون : إنها الزراعة ، ومذهب الشافعي : أنها التجارة .

عن رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ رضي الله عنه قَالَ : قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْكَسْبِ أَطْيَبُ ؟ قَالَ : ( عَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ ، وَكُلُّ بَيْعٍ مَبْرُورٍ ) رواه أحمد ( 17265 ) ، وصححه الألباني في ” صحيح الترغيب ” ( 1691 ) .

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله :

وقد اختلف العلماء في أفضل المكاسب ، قال الماوردي : أصول المكاسب : الزراعة ، والتجارة ، والصنعة ، والأشبه بمذهب الشافعي أن أطيبها : التجارة … . ” فتح الباري ” ( 4 / 304 ) .

ثالثاً:

– أما هدي النبي صلى الله عليه وسلم في التجارة، والبيع، والشراء: فنلخصه فيما يلي:

  1. عمل النبي صلى الله عليه وسلم بالتجارة قبل البعثة مع عمه أبي طالب ؛ وعمل لخديجة كذلك ، وسافر لذلك إلى بلاد الشام , وكان أيضا يتاجر في الأسواق ؛ فمجنة ، وعكاظ : كانت أسواقاً في الجاهلية ، وكان التجار يقصدونها للبيع ، والشراء .
  2. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يباشر البيع بنفسه ، أو يُوكل ذلك إلى أحدٍ من أصحابه .

أ. عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم اشْتَرَى طَعَاماً مِنْ يَهُودِيٍّ إِلَى أَجَلٍ ، وَرَهَنَهُ دِرْعاً مِنْ حَدِيدٍ . رواه البخاري ( 1962 ) .

ب. وعَنْ عُرْوَةَ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ الْبَارِقِيِّ قَالَ : أَعْطَاهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم دِينَاراً يَشْتَرِي بِهِ أُضْحِيَةً – أَوْ شَاةً – فَاشْتَرَى شَاتَيْنِ ، فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ ، فَأَتَاهُ بِشَاةٍ وَدِينَارٍ ، فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ فِي بَيْعِهِ ، فَكَانَ لَوِ اشْتَرَى تُرَابًا لَرَبِحَ فِيهِ . رواه الترمذي ( 1258 ) وأبو داود ( 3384 ) وابن ماجه ( 2402 )، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

  1. وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا احتاج إلى المال : اقترض ، أو رهن شيئاً عنده ، من سلاحٍ ونحوه ، كما مرَّ في حديث عائشة .
  2. وكان صلى الله عليه وسلم يأمر التجار بالبرِّ ، والصدق ، والصدقة .

أ. عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْمُصَلَّى ، فَرَأَى النَّاسَ يَتَبَايَعُونَ فَقَالَ : ( يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ ) ، فَاسْتَجَابُوا لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَرَفَعُوا أَعْنَاقَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ إِلَيْهِ فَقَالَ : ( إِنَّ التُّجَّارَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فُجَّاراً إِلاَّ مَنِ اتَّقَى اللَّهَ وَبَرَّ وَصَدَقَ ) . رواه الترمذي ( 1210 ) وابن ماجه ( 2146 ) ، وصححه الألباني في ” صحيح الترغيب ” ( 1785 ) .

ب. وعَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي غَرَزَةَ قال : كان صلى الله عليه وسلم  يقول : ( يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ إِنَّ الْبَيْعَ يَحْضُرُهُ اللَّغْوُ وَالْحَلِفُ فَشُوبُوهُ بِالصَّدَقَةِ ) . رواه الترمذي ( 1208 ) وأبو داود ( 3326 ) والنسائي ( 3797 ) وابن ماجه ( 2145 ) ، وصححه الألباني في “صحيح أبي داود” .

  1. وكان صلى الله عليه وسلم يأمر بالسماحة ، واليسر ، في البيع والشراء .

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( رَحِمَ اللَّهُ رَجُلاً سَمْحًا إِذَا بَاعَ ، وَإِذَا اشْتَرَى ، وَإِذَا اقْتَضَى ) . البخاري (1970).

قال ابن حجر – رحمه الله – :

وفيه الحض على السماحة في المعاملة , واستعمال معالي الأخلاق , وترك المشاحة , والحض على ترك التضييق على الناس في المطالبة ، وأخذ العفو منهم .

” فتح الباري ” ( 4 / 307 ) .

ومن صور سماحته صلى الله عليه وسلم :

أ. عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ : كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ فَكُنْتُ عَلَى بَكْرٍ صَعْبٍ لِعُمَرَ ، فَكَانَ يَغْلِبُنِي فَيَتَقَدَّمُ أَمَامَ الْقَوْمِ ، فَيَزْجُرُهُ عُمَرُ وَيَرُدُّهُ ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ فَيَزْجُرُهُ عُمَرُ وَيَرُدُّهُ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِعُمَرَ : ( بِعْنِيهِ ) قَالَ : هُوَ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : ( بِعْنِيهِ ) فَبَاعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ النَّبِيُّ  صلى الله عليه وسلم : ( هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ تَصْنَعُ بِهِ مَا شِئْتَ ) . رواه البخاري ( 2610 ) .

ب. وعن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ كَانَ يَسِيرُ عَلَى جَمَلٍ لَهُ قَدْ أَعْيَا فَأَرَادَ أَنْ يُسَيِّبَهُ قَالَ : فَلَحِقَنِى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَدَعَا لِي وَضَرَبَهُ فَسَارَ سَيْرا لَمْ يَسِرْ مِثْلَهُ قَالَ : ( بِعْنِيهِ بِوُقِيَّةٍ ) قُلْتُ : لاَ ، ثُمَّ قَالَ : ( بِعْنِيهِ ) ، فَبِعْتُهُ بِوُقِيَّةٍ وَاسْتَثْنَيْتُ عَلَيْهِ حُمْلاَنَهُ إِلَى أَهْلِي فَلَمَّا بَلَغْتُ أَتَيْتُهُ بِالْجَمَلِ فَنَقَدَنِي ثَمَنَهُ ثُمَّ رَجَعْتُ فَأَرْسَلَ فِي أَثَرِى فَقَالَ : ( أَتُرَانِي مَاكَسْتُكَ لآخُذَ جَمَلَكَ خُذْ جَمَلَكَ وَدَرَاهِمَكَ فَهُوَ لَكَ ) . رواه البخاري ( 1991 ) ومسلم ( 715 ) – واللفظ له – .

  1. وجعل للمشتري خيار البيع ، وخيار العيب ، وخيار الشرط .

عن حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا ، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا ، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا ) . رواه البخاري ( 1973 ) ومسلم ( 1532 ) .

  1. وكان صلى الله عليه وسلم يحسن القضاء ، ويحث عليه .

عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى النَّبِي صلى الله عليه وسلم سِنٌّ مِنَ الإِبِلِ فَجَاءَهُ يَتَقَاضَاهُ فَقَالَ : ( أَعْطُوهُ ) ، فَطَلَبُوا سِنَّهُ فَلَمْ يَجِدُوا لَهُ إِلاَّ سِنًّا فَوْقَهَا ، فَقَالَ ( أَعْطُوهُ ) ، فَقَالَ : أَوْفَيْتَنِي أَوْفَى اللَّهُ بِكَ ، قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : ( إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً ) . رواه البخاري ( 2182 ) ومسلم ( 1601 ) .

  1. وكان صلى الله عليه وسلم يحث على إقالة النادم .

عنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : ( مَنْ أَقَالَ مُسْلِماً أَقَالَهُ اللَّهُ عَثْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) . رواه أبو داود ( 3460 ) وابن ماجه ( 2199 ) ، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود ” .

والإقالة : هي المسامحة ، والتراجع عن البيع ، أو الشراء ، وتدل على كرمٍ في النفس .

  1. وكان صلى الله عليه وسلم يساوم في الشراء ، ولا يبخس الناس بضاعتهم .

عن سُوَيْدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ : جَلَبْتُ أَنَا وَمَخْرَمَةُ الْعَبْدِيُّ بَزًّا مِنْ ” هَجَرَ ” فَأَتَيْنَا بِهِ مَكَّةَ فَجَاءَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَمْشِي فَسَاوَمَنَا بِسَرَاوِيلَ فَبِعْنَاهُ .  رواه الترمذي ( 1305 ) وقال : حسن صحيح، وأبو داود ( 3336 ) والنسائي (4592) وابن ماجه ( 2220 ).

 

 

  1. وكان صلى الله عليه وسلم يأمر برجحان الوزن.

عن سُوَيْدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ : ( رأى ) رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَجُلاً يَزِنُ بِالأَجْرِ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : ( زِنْ وَأَرْجِحْ ) .

– وهو تتمة الحديث السابق .

  1. وكان صلى الله عليه وسلم يأمر بإنظار المعسر ، والحط عنه .

عن أبي اليسر رضي الله عنه قال : قال صلى الله عليه وسلم : ( مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِراً أَوْ وَضَعَ عَنْهُ أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ ) . رواه مسلم ( 3006 ) .

  1. وكان صلى الله عليه وسلم ينهى عن التعامل بالربا ، وبيع الغرر ، وبيع العِينة ، والتجارة بالمحرمات , وعن الغش والخداع .

– والأدلة على ذلك كثيرة ، ومشتهرة .

وليس عندنا تفاصيل بيعه وشرائه في كل معاملاته التجارية صلى الله عليه وسلم ؛ فقد كانت تجارته في الجاهلية ، ولم يكن نبيّاً حتى تُنقل تصرفاته من أصحابه ، وما نقلناه عن سنَّته صلى الله عليه وسلم كافٍ إن شاء الله ، وقد ذكرنا هديه صلى الله عليه وسلم في عموم المعاملات المالية التجارية ؛ زيادةً في الخير ، مع وجود تفصيلات في بعض معاملاته ، كما حصل في شرائه البعير من جابر رضي الله عنه ، وغيره .

رابعاً:

والتوكل على الله في عموم حاجات المسلم من علامات إيمان المرء ، ويتأكد ذلك في التوكل على الله في الرزق ، وتحصيله .

قال أبو حاتم بن حبَّان – رحمه الله – :

الواجب على العاقل : لزوم التوكل على من تكفل بالأرزاق ؛ إذ التوكل هو نظام الإيمان ، وقرين التوحيد ، وهو السبب المؤدي إلى نفي الفقر ، ووجود الراحة ، وما توكل أحدٌ على الله جل وعلا من صحة قلبه : حتى كان الله جلَّ وعلا بما تضمَّن من الكفالة أوثق عنده بما حوته يده : إلا لم يكله الله إلى عباده ، وآتاه رزقه من حيث لم يحتسب .

وأنشدني منصور بن محمد الكريزي :

توكل على الرحمن في كل حاجة … أردت فإن الله يقضي ويقدر

متى ما يرد ذو العرش أمراً بعبده … يصبه وما للعبد ما يتخير

وقد يهلك الإنسان من وجه أمنه … وينجو بإذن الله من حيث يحذر

” روضة العقلاء ونزهة الفضلاء ” ( ص 153 ، 154 ) .

 

أما كيفية التوكل في التجارة فهو كما يلي :

أ. أن يعتقد أن الله تعالى قد قسم الأرزاق بين خلقه ، وقدَّر ذلك في الأزل .

قال أبو حاتم بن حبَّان – رحمه الله – :

العاقل يعلم أن الأرزاق قد فُرغ منها ، وتضمنها العلي الوفي ، على أن يوفرها على عباده في وقت حاجتهم إليها ، والاشتغال بالسعي لما تضمن ، وتكفل : ليس من أخلاق أهل الحزم ، إلا مع انطواء صحة الضمير على أنه وإن لم يسع في قصده : أتاه رزقه من حيث لم يحتسب . ” روضة العقلاء ونزهة الفضلاء ” ( ص 155 ) .

ب. أن يقطع العلائق في تحصيل رزقه بينه وبين غير الله تعالى .

قال أبو حاتم بن حبَّان – رحمه الله – :

التوكل هو : قطع القلب عن العلائق برفض الخلائق ، وإضافته بالافتقار إلى محوِّل الأحوال ، وقد يكون المرء موسراً في ذات الدنيا ، وهو متوكل صادق في توكله ، إذا كان العدم والوجود عنده سيين لا فرق عنده بينهما ، يشكر عند الوجود ، ويرضى عند العدم ، وقد يكون المرء لا يملك شيئاً من الدنيا بحيلة من الحيل ، وهو غير متوكل ، إذا كان الوجود أحب إليه من العدم ، فلا هو في العدم يرضى حالته ، ولا عند الوجود يشكر مرتبته . ” روضة العقلاء ونزهة الفضلاء ” ( ص 156 ) .

ج. أن يكون قلب الطالب للرزق معتمداً على الله تعالى ربِّه ، مع بذل الأسباب ، والسعي في تحصيلها .

ومما يدل على أن التوكل فيه أخذ بالأسباب : ما جاء عَنْ أَبِي تَمِيمٍ الْجَيْشَانِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا ) . رواه الترمذي ( 2344 ) وابن ماجه ( 4164 ) ، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي ” .

قال ابن كثير – رحمه الله – :

فالسعي في السبب لا ينافي التوكل – وذكر حديث ( لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله … ) – ، فأثبت لها رواحاً ، وغدوّاً ، لطلب الرزق ، مع توكلها على الله عز وجل ، وهو المسَخِّر ، المسيِّر ، المسبِّب . ” تفسير ابن كثير ” ( 8 / 179 ) .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – :

فعلى العبد أن يكون قلبه معتمداً على الله ، لا على سببٍ من الأسباب ، والله ييسر له من الأسباب ما يصلحه في الدنيا والآخرة . ” مجموع الفتاوى ” ( 8 / 528 ) .

 

 

وقال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – :

التوكل يجمع شيئين : أحدهما : الاعتماد على الله والإيمان بأنه مسبب الأسباب وأن قدره نافذ وأنه قدر الأمور وأحصاها وكتبها سبحانه وتعالى .

الثاني : تعاطي الأسباب فليس من التوكل تعطيل الأسباب بل التوكل يجمع بين الأخذ بالأسباب والاعتماد على الله ومن عطلها فقد خالف الشرع والعقل .

” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 4 / 427 ) .

د. حسن الظن بالله تعالى ، والالتجاء إليه بالدعاء ، والسؤال ، والطلب .

يقول شيخ الإسلام : ينبغي للمهتم بأمر الرزق أن يلجأ فيه إلى الله ويدعوه , كما قال سبحانه فيما يؤثر عنه نبيه صلى الله عليه وسلم : ( كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلاَّ مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِى أُطْعِمْكُمْ يَا عِبَادِى كُلُّكُمْ عَارٍ إِلاَّ مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ ) – رواه مسلم – .

 

والله أعلم.