الرئيسية بلوق الصفحة 439

هل يوصف الله عز وجل بالغيْرة؟ وهل يقال ” يغار الله على أنبيائه وأوليائه “؟

هل يوصف الله عز وجل بالغيْرة؟ وهل يقال ” يغار الله على أنبيائه وأوليائه “؟

السؤال:

هناك قصيدة نظمها أحد الشعراء في الدفاع عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ، ورد فيها:

قد غار ربي في حليلة أحمد .. وأنا على عرض النبي أغار

فهل يجوز مثل هذا الكلام في حق الله عز وجل ؟ وكذلك هناك بعض القصائد في مدح النبي صلى الله عليه وسلم أحس أنها لا تليق ، مثلاً : ” طيفك يداعب خيالي ” وهي أنشودة منتشرة في الأسواق ، فهل يجوز مثل هذا؟.  وبارك الله فيكم.

 

الجواب:

الحمد لله

أولاً:

منهج أهل السنَّة والجماعة في باب صفات الله تعالى قائم على أمور ، من أهمها :

  1. أنها صفات توقيفية لا يجوز لأحد أن يُثبتها من غير الكتاب والسنَّة ، فلا يوصف الله تعالى إلا بما وصف به نفسه ، أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم .
  2. أن لها من المعاني ما يليق بجلال الله تعالى وعظمته ، فتُعلم معانيها ويُجهل كيفياتها .
  3. أنه يؤمن بمعانيها من غير تحريف ولا تمثيل ولا تكييف ولا تعطيل .
  4. تُشتق صفات الله تعالى من أسمائه الحسنى ومن أفعاله عز وجل .

ثانياً:

ثبتت صفة ” الغيْرة ” لله تعالى في صحيح السنّة ، ومما جاء في ذلك :

  1. عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ ( إِنَّ اللَّهَ يَغَارُ وَغَيْرَةُ اللَّهِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ ) رواه البخاري ( 4925 ) ومسلم ( 2761 ) .
  2. عَنْ الْمُغِيرَةِ قَالَ : قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ : لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا مَعَ امْرَأَتِي لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفَحٍ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ ( أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ وَاللَّهِ لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي وَمِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللَّهِ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ).

رواه البخاري ( 6980 ) ومسلم ( 1499 )، وعنده زيادة بلفظ ( وَلاَ شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ).

  1. عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلبَكَيْتُمْ كَثِيراً ) . رواه البخاري ( 1044 ) ومسلم ( 901 ).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – : ” وغيْرة الله أن يأتي العبد ما حرم عليه ، وغيْرته أن يزني عبدُه أو تزني أمَتُه … .

الغيْرة التي وصف الله بها نفسه: إمَّا خاصة وهو أن يأتي المؤمن ما حرَّم عليه ، وإما عامة وهي غيرته من الفواحش ما ظهر منها وما بطن” .

انتهى من ” الاستقامة ” ( 2 / 9 – 11 ) .

وقال ابن القيم – رحمه الله – : ” الغيرة تتضمن البغض والكراهة ، فأخبر أنه لا أحدَ أغير منه وأن من غيْرته حرَّم الفواحش ، ولا أحد أحب إليه المدحة منه ، والغيْرة عند المعطلة النفاة من الكيفيات النفسية كالحياء والفرح والغضب والسخط والمقت والكراهية فيستحيل وصفه عندهم بذلك ، ومعلوم أن هذه الصفات من صفات الكمال المحمودة عقلاً وشرعاً وعرفاً وفطرةً ، وأضدادها مذمومة عقلاً وشرعاً وعرفاً وفطرةً ؛ فإن الذي لا يغار بل تستوي عنده الفاحشة وتركها : مذموم غاية الذم مستحق للذم القبيح ” انتهى من ” الصواعق المرسلة ” ( 4 / 1497 ) .

وقال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – : ” المحال عليه سبحانه وتعالى وصفه بالغيرة المشابهة لغيرة المخلوق ، وأما الغيرة اللائقة بجلاله سبحانه وتعالى فلا يستحيل وصفه بها ، كما دل عليه هذا الحديث وما جاء في معناه ، فهو سبحانه يوصف بالغيْرة عند أهل السنَّة على وجه لا يماثل فيه المخلوقين ، ولا يعلم كنهها وكيفيتها إلا هو سبحانه ، كالقول في الاستواء والنزول والرضا والغضب وغير ذلك من صفاته سبحانه ، والله أعلم ” . انتهى من تعليق الشيخ ابن باز على ” فتح الباري ” لابن حجر ( 2 / 531 ) .

وقال الشيخ عبد الله الغنيمان – حفظه الله – في التعليق على حديث ( وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم الله ) – : ” ومعناه : أن الله يغار إذا انتهكت محارمه ، وليس انتهاك المحارم هو غيرة الله ؛ لأن انتهاك المحارم فعل العبد ، ووقوع ذلك من المؤمن أعظم من وقوعه من غيره .

وغيرة الله تعالى من جنس صفاته التي يختص بها ، فهي ليست مماثلة لغيرة المخلوق ، بل هي صفة تليق بعظمته ، مثل الغضب ، والرضا ، ونحو ذلك من خصائصه التي لا يشاركه الخلق فيها ، وقد تقرر أنه تعالى ليس كمثله شيء في ذاته ، فكذلك في صفاته ، وأفعاله ” . انتهى من ” شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري ” ( 1 / 287 ) .

 

 

ثالثاً:

إذا عُلم معنى الصفة العظيمة المتصف بها ربنا تعالى وهي الغيرة : يتبين أن استعمالها فيما سأل عنه الأخ السائل صحيح ، وفي سياق حديث سعد بن عبادة رضي الله عنه فإن الغيرة ” تتضمن الغضب لانتهاك الحرمة ، والله سبحانه يبغض ما حرم ، ويغضب إذا انتهكت حرماته ” – كما جاء في ” تعليقات الشيخ عبد الرحمن البراك على المخالفات العقدية في فتح الباري ” رقم ( 55 ) – ، ومما لا شك فيه أن التعرض للنبي صلى الله عليه وسلم في عرضه بالطعن بقذف زوجته الصدِّيقة عائشة لهو من أعظم الذنوب التي يغار الله تعالى لأجلها ، والله تعالى يغار على رسله الكرام عليهم السلام ولذا لم يتعرض لهم أحد إلا خُذل وقُصم ، ويغار على أوليائه وأصفيائه ولذا فإنه تعالى قال ( مَن عَادى لي وَلِيّاً فَقَد آذَنْتُه بِالحَرْب ) ، ويغار الله تعالى على شرعه وعلى محارمه أن تُنتهك ولذا فإنه تعالى توعد العصاة بالعذاب وتعجل عقوبة بعضهم في الدنيا ليكونوا عبرة لغيرهم ، وكل ذلك من الغيرة اللائقة بجلاله سبحانه وتعالى .

وقول الشاعر ” غار فيها ” هو بمعنى ” غار لها ” ، وحروف الجر تتناوب عند طائفة من أئمة العربية ، وقد استعمل مثلها أئمة الإسلام من أهل السنَّة .

قال الإمام ابن كثير – رحمه الله – : ” وقوله تعالى ( وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ ) أي : تقولون ما لا تعلمون , ثم قال تعالى ( وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ ) أي : تقولون ما تقولون في شأن أم المؤمنين وتحسبون ذلك يسيراً سهلاً ، ولو لم تكن زوجة النبي صلى الله عليه وسلم لما كان هيِّناً فكيف وهي زوجة النبي الأمي خاتم الأنبياء وسيد المرسلين ؟ فعظيم عند الله أن يقال في زوجة رسوله ما قيل ؛ فإن الله سبحانه وتعالى يغار لهذا , وهو سبحانه وتعالى لا يقدّر على زوجة نبي من الأنبياء ذلك ، حاشا وكلا , ولما لم يكن ذلك فكيف يكون هذا في سيدة نساء الأنبياء وزوجة سيد ولد آدم على الإطلاق في الدنيا والآخرة ؟ ولهذا قال تعالى ( وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ ) ” انتهى من ” تفسير ابن كثير ” ( 3 / 334 ) .

وقال – رحمه الله – أيضاً – : ” ولما تكلم فيها أهل الافك بالزور والبهتان غار الله لها فأنزل براءتها في عشر آيات من القرآن تتلى على تعاقب الزمان ” انتهى من ” البداية والنهاية ” ( 8 / 99 ) .

وأما بخصوص جملة ” طيفك يداعب خيالي ” المقولة في حق النبي صلى الله عليه وسلم فلم نر فيها ما يُنكر.

 

والله أعلم.

كلمات وأمثال فيها اعتراض على أفعال الله وطعن في حكمته وعدله

السؤال:
لماذا ربنا يعطي الذي ليس محتاجاً ، والمحتاج لحاجه لا تأتي له ؟ .

كلمات وأمثال فيها اعتراض على أفعال الله وطعن في حكته وعدله سبحانه عز وجل

الجواب:
الحمد لله
أولاً:
أمر الله تعالى بحفظ اللسان ، وأن لا يتكلم العبد بالكلمة إلا وهو يعلم أنه ليس فيها إثم ، وأخبرنا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أن الناس يُكبون في جهنم بحصائد ألسنتهم ، وما أكثر ما يخترع الناس أمثالاً ، أو تجري ألسنتهم بكلمات تكون فيها مهلكتهم ، إن لم يتداركهم ربهم تعالى برحمته .
وإن العبد الموفَّق ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً يثيبه الله عليها أعظم الثواب ، وإن العبد المخذول ليتكلم بالكلمة لا يظن أنها تبلغ به شيئاً تهوي به في نار جهنم .
قال تعالى : ( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ) ق/ 18 .
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ ) .
رواه البخاري ( 6113 ) .
وعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ ) .
رواه البخاري ( 6109 ) .
وقال بعض السلف : ” ما على وجه الأرض شيء أَحوج إلى طول حَبْس من اللسان ” ! .

ثانياً:
ومثل هذا الكلام القبيح يدرج مثله في أمثال بعض البلاد ، وتتناقله الألسن ، دون أن يعي أحدهم أنه وقع بقوله في مخالفات شرعية ، تتعلق بصفات الله تعالى ، وأسمائه ، وأفعاله ، ففي هذا القول الوارد في السؤال اعتراض على أفعال الله تعالى ، وتقديراته ، وعلمه ، وحكمته ، وعدله .
ومن تلك الأمثال الدارجة ” يعطي الحلَق للذي ليس له أُذُن ! ” و ” يعطي اللحم للذي ليس له أسنان ” ، ويعنون به : الله تعالى ، والأمر كما نرى أنه سوء أدب مع الله تعالى ، وبيان الرد على ذلك في أمور :
1. في كلام السوء هذا يعني أن الله تعالى أعطى النعمة من لا يستحقها ، وأنه ثمة مَن هو أولى بهذه النعمة مِن هذا المُعطَى ! وهو من أعظم الطعن في حكمة الله ، وعدله .
وليس أحدٌ في غنى عن فضل الله وعطائه ، وقد قال تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ) فاطر/ 15 .
والله تعالى يقدِّر ما يشاء لحكَم جليلة ، فمن أغناه الله فلحكمة ، ومن أفقره الله فلحكمة ، فهو يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر لحكَمة ، قال تعالى : ( وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) التوبة/من الآية 28 ، وقال تعالى : ( فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) الحجرات/ 8 .
ولله خزائن السموات والأرض ، وما يهبه تعالى لخلقه : فهو بقدَرٍ معلومٍ ، قال تعالى : ( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ) الحِجر/ 21 .
2. وما يظنه الإنسان القاصر في فهمه وإدراكه أن الخير له هو في غناه ، وسلطانه ، وجاهه : خطأ ، وقصور ، يتناسب مع طبيعة الإنسان القاصرة ، فقد يكون الخير في نزع تلك الأشياء منه ، كما قد يكون الذل خيراً له ! نعم ، فلربما ذلُّه قاده إلى إسلام بعد كفر ، أو طاعة بعد معصية ، كما أن المال ، والملك ، والجاه ، والعز قد يكون شرّاً له ، فيكون هذا المسكين يعترض على قدر الله وحكمته ، ويسعى لما فيه تلفه ، وهلاكه .
قال تعالى : ( قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) آل عمران/ 26 .
ومن تأمل حديث الأقرع والأبرص والأعمى : علم أن القرع والبرص كانا خيراً لصاحبيهما ، فلما طلب الأول شعراً حسناً فأُعطيه ، وطلب الثاني جلداً حسناً فأُعطيه ، بل وأُعطي كل واحد منهما مالاً وفيراً : كان ذلك سبباً في فتنتهما ، وسخط الله عليهما ، حيث أنكرا نعمة الله عليهما ، وبخلا بما أعُطيا من مال .
والحديث رواه البخاري ( 3277 ) ومسلم ( 2964 ) .
3. ثم إن الله تعالى هو المتفرد بالملك ، والخلق ، والرزق ، ولا مانع لما أعطى ، ولا معطي لمن منع ، ولم يحصل الاعتراض على هبة النعمة من الله إلا من المشركين وإخوانهم .
قال ابن كثير – رحمه الله – تعليقاً على آية ( قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ ) – :
أي : أنت المتصرف في خلقك ، الفعَّال لما تريد ، كما ردَّ تبارك وتعالى على من يتحكم عليه في أمره ، حيث قال : ( وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ) الزخرف / 31 ، قال الله تعالى ردّاً عليهم : ( أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ) الآية ، الزخرف/ 32 ، أي : نحن نتصرف في خلقنا كما نريد ، بلا ممانع ، ولا مدافع ، ولنا الحكمة ، والحجة في ذلك ، وهكذا نعطي النبوة لمن نريد ، كما قال تعالى : ( الله أعلم حيث يجعل رسالته ) الأنعام/ 124 ، وقال تعالى : ( انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا ) .
” تفسير ابن كثير ” ( 2 / 29 ) .
ولما ذكر الله تعالى اعتراض بعض الناس على مُلكٍ آتاه الله بعض خلقه : أرجع الله تعالى الأمر إلى علمه ، وحكمته ، وفضله ، وأن الأمر لا يرجع إلا إليه عز وجل ، وذلك في قوله تعالى : ( وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) البقرة/ 247 .
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – :
قوله تعالى : ( والله يؤتي ملكه من يشاء ) أي : يُعطي ملكَه من يشاء ، على حسب ما تقتضيه حكمته ، كما قال تعالى : ( قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير ) آل عمران/ 26 .
قوله تعالى : ( والله واسع ) أي : ذو سعة في جميع صفاته : واسع في علمه ، وفضله ، وكرمه ، وقدرته ، وقوته ، وإحاطته بكل شيء ، وجميع صفاته ، وأفعاله ؛ .
و ( عليم ) أي : ذو علم بكل شيء ، ومنه : العلم بمن يستحق أن يكون ملِكاً ، أو غيرَه من الفضل الذي يؤتيه الله سبحانه وتعالى من يشاء .
” تفسير سورة البقرة ” ( 3 / 213 ، 214 ) .
4. ثم إن هذه الجملة تدل على حسدٍ يتملك قلبَ هذا القائل ، وقد فرَّغه بتلك المقولة الآثمة ، والأصل أن يفرح بوجود من أنعم الله عليه ، وأكرمه ، لا أن يَحسده على ما آتاه الله من فضله ونعمائه ، وهذا من أخلاق اليهود ، وإخوانهم الكفار المعترضين على نعم الله تعالى أن تُعطى لغيرهم ، قال تعالى : ( وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ) البقرة/ من الآية 109 ، وهو فعل إبليس من قبلهم حيث اعترض على تفضيل الله تعالى لآدم عليه ، قال تعالى : ( قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ) الأعراف/ 12 .
والذي يدل على أن قائل تلك الجمل الآثمة حاسد : هو أنه يرى نفسه أحق بتلك النعمة من المعطى لها ، وإلا فلو كان يرى نفسه غير مستحق : لما تفوه بتلك العبارة الآثمة ، فكأن لسان حاله يقول : أنا صاحب أذن فأنا أولى بالحلق ! وأنا صاحب أسنان فأنا أولى باللحم ! فجملته إذن تعبِّر عن مكنون نفسه أنه أولى بتلك النعمة من ذاك الذي تفضَّل الله تعالى بها عليه .
فالواجب على المسلم أن ينتبه لألفاظه أن تنطلق من غير حساب لما يعقبها ، وأن يترك الاعتراض على أفعال الله تعالى وصفاته ، وأن يسلِّم لحكمة الله تعالى في تقدير الأشياء ، وقدرها ، ويعمل على ما أُمر من الطاعات ، ويتجنب ما نُهي عنه من المنكرات .

والله أعلم

هل مجرد التفكير يتسبب في العقاب؟ أحيانا يصل إلى تفكير كفري.

هل مجرد التفكير يتسبب في العقاب؟ أحيانا يصل إلى تفكير كفري.

السؤال:

أحياناً هناك لحظات أصل فيها إلى تفكير كفري أو حرام في ذهني ثم أقول اللهم اغفر لي واحمني من الشيطان.

السؤال هو:

هل مجرد التفكير يتسبب في العقاب؟ فأحياناً أفكر في نفسي عن الله وأفكر في الزنا رغم أنني لا أفعله والحمد لله. أرجو النصح.

 

الجواب:

الحمد لله

أولاً :

لا شك أن المسلم يعرض له الشيطان شهوات وشبهات لإغوائه وإضلاله ، وهذا الخاطر ومحاولة دفعه دليل على حسن إيمان العبد .

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” يأتي الشيطان أحدكم فيقول من خلق كذا ؟ من خلق كذا ؟حتى يقول : من خلق ربك ؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته ” . رواه البخاري ( 3102 ) ومسلم ( 134 ) .

وعن  أبي هريرة رضي الله عنه قال : جاء ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به قال : وقد وجدتموه ؟ قالوا: نعم ، قال : ذاك صريح الإيمان “. رواه مسلم ( 132 ) .

فدلت هذه الأحاديث أن ذلك من الشيطان وأن المسلم يصرفها بالاستغفار والذكر والانتهاء عن التفكير بها .

ثانياً :

كان في بداية الإسلام : من همَّ بسيئة أن يعملها أو خطر في قلبه خاطر سوء حوسب عليه ثم نسخ ذلك .

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم { لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير } ، قال : فاشتدَّ ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم  ثم بركوا على الركب فقالوا أي رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة والصيام والجهاد والصدقة وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا ، بل قولوا : ” سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير ” قالوا : سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير ؛ فلما اقترأها القوم ذلت بها ألسنتهم فأنزل الله في إثرها  { آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير } فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى فأنزل الله عز وجل  :{ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} قال : نعم ،{ ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا } قال : نعم ،{ ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به } قال : نعم ، { واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين  }  قال : نعم . رواه مسلم ( 125 ) .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم  قال : ” إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل  أو تتكلم ” . رواه البخاري ( 4968 ) .

فدلت هذه الأحاديث أن ما يفكر به الإنسان وما يخطر على قلبه غير مؤاخذ به ما لم يعمل بما خطر به أو يتكلم به ، وفي الحديث أيضا عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي  صلى الله عليه وسلم  فيما يروي عن ربه عز وجل قال : ” قال إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك فمن هَم بحسنة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة فإن هو هم بها وعملها كتبها الله له عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة فإن هو هم بها فعملها كتبها الله له سيئة   واحدة  ” . رواه البخاري ( 6126 ) ومسلم ( 131 ) .

ثالثاً :

أن المسلم عليه أن يقطع هذا التفكير ولا يسمح لفكره باستدراجه لأنه قد يقوده إلى الكفر أو التكذيب فإذا عرض للمسلم عارض عليه أن يصرف هذا العارض بالاستغفار والدعاء والذكر والصلاة ، وأكثر من يعرض له هذه العوارض المسلم الذي عنده فراغ في وقته وكان مثلا يقضي فراغه بملهيات كمشاهدة التلفاز أو صحبة لهو فبعد الالتزام يجد أن عنده فراغ كبير فعليه أن يقتل هذا الفراغ وأن يحاول أن يشغل وقته قدر الاستطاعة بالأعمال النافعة والمباحة فمثلاً بأن يسمع الأشرطة الإسلامية أو تلاوة القرآن أو قراءة الكتب النافعة أو بصحبة الأخيار أو بأعمال دنيوية مباحة والله تعالى يقول :{ وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة     ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين }   [ القصص / 77 ] .

 

والله أعلم.

أسئلة من طفل عن الإسلام

ما هو الإسلام؟
أين يوجد؟
ما المناسبات الخاصة في الإسلام؟
لماذا تصومون في رمضان؟
ما اسم زعيمكم الروحي؟
ما هو العيد؟
الحمد لله
أولاً :
الإسلام هو الدين الذي فطر الله تعالى الناس عليه وجاء الأنبياء والرسل من قديم يدعون إليه ، وكل الأنبياء جاءوا بدعوة واحدة وهي عبادة الله تعالى وحده وعدم الإشراك به .
ولم يغير الأنبياء فطرة الله تعالى التي فطر الناس عليها ، ولكن شرار الناس هم الذين غيروا وبدلوا دين الله تعالى .
وكان العرب ممن عبد غير الله تعالى شأنهم في هذا شأن الأمم من قبلهم ، فكانوا يسجدون للأصنام التي يصنعونها ويرجونها ويرهبونها ويطلبون منها حوائجهم ، وهم الذين صنعوها بأيديهم ، ولم يسجدوا لمن يصرف أمورهم ولمن أمرهم بيده .
فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الظلمات ليبين لهم السبيل ويحررهم من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد .
وجاء بالقرآن الذي هو كلام الله تعالى وفيه أحكام الدين والدنيا .
عن أم سلمة ابنة أبي أمية بن المغيرة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : سألهم ـ أي النجاشي ـ فقال : ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من هذه الأمم ؟ قالت : فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب فقال له : أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار يأكل القوي منا الضعيف فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام ، قال : فعدد عليه أمور الإسلام ، فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به فعبدْنا الله وحده فلم نشرك به شيئا وحرمنا ما حرم علينا وأحللنا ما أحل لنا ، فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث فلما قهرونا وظلمونا وشقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلدك واخترناك على من سواك ورغبنا في جوارك ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك .
رواه أحمد ( 1649 ) .
قال الهيثمي :
رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير ابن إسحق وقد صرح بالسماع .
” مجمع الزوائد ” ( 6 / 27 ) .
والمسلمون يعبدون إلهاً واحداً ولا يشركون به أحداً وهو الله تعالى الذي خلقهم هم وآباءهم .
والإسلام كالبناء الذي لا يقوم إلا على دعائم وقوائم وللإسلام دعائم كثيرة ينبني عليها ويقوم عليها كنا قد بيناها فيما سبق ومما قلناه هناك :
ورسول الله صلى الله عليه وسلم جعل من أقوى أركان الإسلام الكثيرة خمسة أركان يعتمد جاءت مبينة في حديث ابن عمر : ” بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إ لا الله أن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان ” .
رواه البخاري ( 4243 ) .
وأما شهادة أن لا إله إلا الله :. فهي مفتاح كل شيء من قالها عصم نفسه من النار وعصم ماله من الاستحلال ، ومن لم يقلها : لم يدخل الإسلام ، وهو من أهل النار في الآخرة ، ومن مباحي الدم في الدنيا .
ومعنى :. لا إله إلا الله :. أي لا معبود بحق إلا الله .
فهذه الكلمة قائمة على النفي والإثبات :. نفي كل معبود وإله غير الله ، وإثبات إله واحد وهو الله سبحانه ، وهذا يسميه العلماء أسلوب الحصر ، وهو أشد أنواع التوكيد .
ومعنى إله : أي : مألوه ، وهي على وزن فعال بمعنى مفعول ، مثل فراش بمعنى مفروش وغراس بمنى مغروس.
وهي من الفعل( أله) أي أحب وشغف ولذا تقول العرب أله الفصيل بأمه ، والفصيل هو الفطيم من الإبل ، وأله بأمه : اشتد شوقه إليها .
فمعنى لا إله إلا الله : أي لا مألوه إلا الله أي لا محبوب إلا الله .
وهو الحب مع الذل ، قال ابن القيم رحمه الله :
فإن الإله هو الذي يألهه العباد حباًّ وذلاًّ وخوفاً ورجاءً وتعظيماً وطاعةً له بمعنى : مألوه ، وهو الذي تألهه القلوب ، أي : تحبه وتذل له .
وأصل التأله : التعبد ، والتعبد آخر مراتب الحب .
” مدارج السالكين ” ( 3 / 26 ) .
أما معنى محمد رسول الله : أي أن محمداً مرسل من عند ربه بالحق ينطق بأمر ربه يبلغ عنه القرآن فيجب الإيمان برسالته لأنها وحي من السماء قال تعالى { وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى }
[ النجم / 4 ] .
فنلاحظ أن أول ركن من أركان الإسلام مقسوم إلى شطرين :
الأول : لا إله إلا الله .
والثاني : محمد رسول الله .
فكل من آمن بالله ، يؤمن أن محمداً رسول الله ، ومن لم يؤمن بنبوة الرسول : لم يؤمن بالله ، ومن لم يؤمن بالله : لم يؤمن بالرسول .
الركن الثاني : الصلاة : وهي عماد الدين وتقوم عليه .
القيام بها فرض عظيم ، وتركها معصية كبيرة ، بل ردة عن دين الإسلام.
عن بريدة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر ” .
رواه الترمذي ( 2621 ) والنسائي ( 463 ) وابن ماجه ( 1079 ) .
والحديث : صححه الترمذي وابن حبان ( 4 / 305 ) والحاكم ( 1 / 48 ) وغيرهم .
ولا يعرف من الصحابة من يخالف في كفر تارك الصلاة .
وقال به من غيرهم من السلف : عبد الله بن شقيق ، وإبراهيم النخعي ، وإسحاق بن راهويه ، وأحمد بن حنبل ، وعبد الله بن المبارك ، والحكم ابن عتيبة … وغيرهم .
انظر : ” تعظيم قدر الصلاة ” لمحمد بن نصر المروزي ( 2 / 873 – 925 ) و ” التمهيد ” لابن عبد البر ( 4 / 225 ) و ” المحلى ” لابن حزم ( 1 / 242 ) .
وهي أول ما يسأل عنه المرء يوم القيامة فإن صلحت صلح عمله كله وإن فسدت فسد عمله كله .
عن أبي وائل عن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” أول ما يحاسب به العبد الصلاة “.
رواه الترمذي ( 413 ) وحسَّنه وأبو داود ( 864 ) والنسائي ( 467 ) وابن ماجه ( 1425) .
الركن الثالث : الزكاة ، وهي في اللغة الطهارة والنماء ، فهي تطهر النفس من الشح والبخل والطمع وتطهر المال من السحت والحرام ، وتنمي النفس على الأخلاق الكريمة والجود والبذل والسخاء ، وتنمي المال حتى يزداد ويكثر في يدي صاحبه ومانعه آثم مجرم يلقى الله غضبان عليه .
عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ، ثم يأخذ بلهزمتيه ـ يعني شدقيه ـ ثم يقول أنا كنزك أنا مالك ، ثم تلا هذه الآية : { ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله … } .
رواه البخاري ( 1338 ) .
وقال تعالى : { والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم . يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم ، هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون } ( التوبة/ 35 ) .
وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” ما من صاحب ذهب ولا فضه لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة ، صفحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره ، كلما بردت أعيدت له ، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ، حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله ، إما إلى الجنة وإما إلى النار ” ، قيل : يا رسول الله ! فالإبل ؟ قال : ” ولا صاحب إبل لا يؤدي منها حقها ومن حقها حلبها يوم وردها ، إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاعٍ قرقر ، أوفر ما كانت لا يفقد منها فصيلا واحداً تطؤه بأخفافها وتعضه بأفواهها ، كلما مر عليه أولاها ردَّ عليه أخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار ” .
رواه مسلم ( 987 ) .
الركن الرابع : الحج : وهو في اللغة : الزيارة والقصد ، وهو في الشرع: زيارة بيت الله الحرام في مكة المكرمة مع القيام بشعائر مخصوصة .
وهو واجب على المستطيع قال تعالى : { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً } .
وأما فضائله فهي كثيرة منها :
أ – عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أي العمل أفضل ؟ فقال : الإيمان بالله ورسوله ، قيل :ثم ماذا ؟ قال : الجهاد في سبيل الله ، قيل : ثم ماذا ؟ قال : حج مبرور .
رواه البخاري( 26 ) ومسلم ( 83 ) .
والحج المبرور معناه :
أن يكون من مالٍ حلال .
أن يبتعد عن الفسق الإثم والجدال فيه .
أن يأتي بالمناسك وفق السنة النبوية .
أن لا يرائي بحجه ، بل يخلص فيه لربه .
أن لا يعقبه بمعصية أو إثم .
ب – عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ” من حجّ لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه ” رواه البخاري ( 1449 ) ومسلم ( 1350) .
ت – عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” العمرة إلى العمرة كفارة لما بينها والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ” .
رواه البخاري ( 1683 ) ومسلم ( 1349 ) .
ث – عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت : قلت يا رسول الله : ألا نغزو ونجاهد معكم ؟ فقال : لكن أحسن الجهاد وأجمله الحج حج مبرور ، فقالت عائشة : فلا أدع الحج بعد إذ سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم . رواه البخاري ( 1762 ) .
ج- عن عمرو بن العاص رضي الله عنه ،قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “… وأن الحج يهدم ما كان قبله ” . رواه مسلم ( 121 ) .
الركن الخامس : الصوم : وهو في اللغة : الإمساك ، وفي الشرع : الإمساك عن الطعام والشراب وجماع النساء من بزوغ الفجر حتى غروب الشمس .
وهو واجب على كل مسلم بالغ مستطيع .
وفضائل رمضان عظيمة منها :
عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ” .
رواه البخاري ( 38 ) ومسلم ( 760 ) .
وعن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : قال الله عز وجل : كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به ، والصيام جنّة ، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب ولا يجهل ، فإن شاتمه أحد أو قاتله فليقل إني صائم ، مرتين ، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله يوم القيامة من ريح المسك وللصائم فرحتان يفرحهما : إذا أفطر فرح بفطره ، وإذا لقي ربه فرح بصومه “.
رواه البخاري ( 1805 ) ومسلم ( 1151 ) .
وعن سهل بن سعد ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” إن في الجنة باباً يقال له الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة لا يدخل منه أحد غيرهم يقال : أين الصائمون ؟ فيقومون لا يدخل منه أحد غيرهم ، فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد ” .
رواه البخاري ( 1797 ) ومسلم ( 1152 ) .
هذه خلاصة الأركان الخمسة .
ثانياً :
أما أين يوجد الإسلام ؟ :
فيوجد بحمد الله تعالى في كل مكان من العالم باختلاف قاراته ، فالدول العربية : تسعة أعشار أهلها مسلمون ، وكذلك هو موجود في دول القوقاز أو ما تسمى بجمهوريات الاتحاد السوفياتي الشرقية ، وكثير من دول أفريقيا يدين أكثر أهلها بالإسلام .
وكذلك دول الشرق الأدنى فالباكستان كل أهلها من المسلمين وكثير من أهل الهند هم مسلمون كذلك .
وفي أوروبا ما لا يحصى من المسلمين باختلاف دولها وأقطارها .
وكذلك في الأمريكيتين عدد لا بأس به من المسلمين .
ولا أعلم مكاناً في العالم كله لا يوجد فيه مسلمون .
ثالثاً :
أما المناسبات الخاصة : فأولاهما ذكراً العيدان : عيد الفطر ، وعيد الأضحى .
الأول : يكون بعد انتهاء الناس من صيام رمضان ، فيكون فرحة واحتفالاً لهم بما يرجون قبوله من الصيام ، وفيه صلاة خاصة يشهدها الناس .
والثاني : يكون بعد انتهائهم من الحج ، وتكون الفرحة فيه لما يرجون من قبول الله تعالى حجهم وأضاحيهم التي تشرع في هذا اليوم ويتقربون إلى ربهم بها .
وليس في الإسلام عيد إلا هذين العيدين ، والجمعة التي تتكرر في كل أسبوع .
والجمعة : عيد يتكرر في كل أسبوع يجتمع المسلمون في هذا اليوم للصلاة التي تجمعهم كلهم في وقت واحد ، ويقوم فيهم رجل خطيب قبل الصلاة يرشدهم إلى الخير ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر .
رابعاً :
أما لماذا نصوم رمضان :
فلأن فيه طاعة وإذعاناً لله تعالى ، وليس شيء يعرف فيه حب المطيع للمطاع كطاعة المأمور بترك اللذة والشهوة وما ترتاح إليه النفس من أجل أن يرضى الآمر ويعرف حب المأمور له .
كما أن الصوم به تذهب شهوات النفس ويعوِّد المسلم نفسه على ترك المباح فمن باب أولى ترك الحرام .
وبالصوم يتساوى المسلمون غنيهم وفقيرهم كلهم يشعر بالجوع والعطش ، فيشعر الغني بحال الفقير فيرق له ويحذيه من ماله فيكون في المجتمع الإسلامي حب ورحمة وتنأى عنهم القطيعة والحسد .
خامساً :
أما ما اسم الزعيم الروحي :
فإنه ليس لنا زعيمٌ روحيٌّ ، ولا نؤمن بهذا ، ولكننا كلنا نتبع الرسول صلى الله عليه وسلم ونؤمن به أنه رسول من الله تعالى وأنه معصوم من الخطأ ، ولكن هذا لا يمنع عندنا من وجود بعض الخلفاء أو العلماء أو الزاهدين الذين نحبهم ونقتدي بأقوالهم وأفعالهم ولكن لا نعتقد العصمة لهم .
وكلنا يجب عليه طاعة أمير المؤمنين أو الحاكم الذي يحكم المسلمين ما دام أنه يحكم بالقرآن والسنَّة ولا يأمر بمعصية الله تعالى .
سادساً :
والكلام عن العيد سبق في أول الكلام .

والله أعلم

ما هي أقسام التوحيد؟

السلام عليكم ورحمة الله,
شيخنا العزيز, نسأل الله أن يحفظك،
سمعت من بعض الأخوة الذين عندهم علم بالتوحيد وأقسامه أن شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية رحمة الله قسم التوحيد إلى نوعين (توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات), فما مدى صحة هذا القول؟ وهل كان الشيخ محمد ابن إبراهيم رحمه الله يقسم التوحيد إلى أربعة أقسام؟ وأخيرا, فهل يقسم الشيخ صالح الفوزان حفظه الله التوحيد إلى أربعة أقسام؟
وجزاك الله خيرا يا شيخ.
وأسأل الله أن يثيبك على جهودك يا شيخ … آمين.
الجواب
الحمد لله
أولا :
لابد أن نعلم أن القاعدة تقول ” لا مشاحة في الاصطلاح ” ، وهذه قاعدة معروفة عند الفقهاء والأصوليين .
قال ابن القيم -رحمه الله- :
والاصطلاحات لا مشاحة فيها إذا لم تتضمن مفسدة .
” مدارج السالكين ” ( 3 / 306 ) .
ثانيا :
إن للعلماء من قديم الزمان ترتيبات وتقسيمات للأحكام الشرعية ، وهذا التقسيم إنما هو للتيسير وتسهيل الفهم للنصوص والأحكام الشرعية وخصوصا مع تأخر الزمان وضعف المعرفة باللغة العربية واختلاط اللسان العربي بالأعجمي .
فرأى العلماء أن وضع قواعد ومسائل لتسهيل وتيسير الفهم لا مشاحة فيه وخصوصا إذا لم يؤدّ إلى مفسدة.
فهذا الشافعي واضع علم الأصول في الفقه الإسلامي مع أن تقسيمه وكلامه في أصول الفقه هو فهم لتلك النصوص لتيسير الفهم والفقه ؛ فلاقى هذا التقسيم الذي وضعه قبولا حسنا وعليه درج الأصوليون بالإضافة على ما ذكره أو التعقب على ما ذكره ، وهكذا علم التجويد وتقسيماته وترتيباته وعلوم القرآن وغيرها ومنها علم التوحيد .
ثالثا:
ما ذكره السائل من أن شيخ الإسلام قسَّم التوحيد إلى قسمين والشيخ محمد بن إبراهيم قسمه إلى أربعة أقسام وكذلك الشيخ صالح الفوزان : فلا إشكال في ذلك وإليك البيان :
فقد ذكر بعض السلف أن التوحيد ينقسم إلى قسمين :
توحيد المعرفة والإثبات : وهو يشمل الإيمان بوجود الله والإيمان بربوبية الله .
توحيد القصد والطلب : وهو يشمل الإيمان بألوهية الله والإيمان بالأسماء والصفات .
فالإيمان بالربوبية : هو إفراد الله بأفعاله من خَلْق وإحياء وإماتة وغيرها .
والإيمان بالألوهية : هو إفراد الله بأفعال العباد من قول أو فعل ظاهر أو باطن .
والإيمان بالأسماء والصفات : هو إثبات ما أثبته الله لنفسه من الأسماء والصفات ، ونفي ما نفاه الله عن نفسه من غير تعطيل أو تشبيه .
وأما من قسم التوحيد إلى ثلاثة أقسام : فهو قد فصَّل التقسيم السابق لتسهيل الفهم فقال : التوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام :
توحيد الربوبية : وهو يشمل الإيمان بوجود الله .
توحيد الألوهية أو توحيد العبادة – وهي بمعنى واحد – .
توحيد الأسماء والصفات .
فجاء بعض العلماء ففصّل أكثر لتسهيل الفهم فقال : التوحيد ينقسم إلى أربعة أقسام:
الإيمان بوجود الله .
الإيمان بربوبية الله .
الإيمان بألوهية الله .
الإيمان بالأسماء والصفات .
فكما نرى لا إشكال في هذا التقسيم ما دام أنه لا يدل على شيء باطل ، ولا مشاحة في الاصطلاح ، وهذا التفصيل إنما هو لتسهيل الفهم فكلما بعُد العهد : قلَّ الفهم واحتاج العلماء إلى التبسيط والتسهيل والتفصيل .
فالخلاصة : أنه لا إشكال فيما ذكر السائل ، وكما بيَّنا : فالتوحيد بقسميه يشمل عدة أقسام ، فمن قال التوحيد ينقسم إلى قسمين : أي القصد والطلب والثاني المعرفة والإثبات ، ومن قال ينقسم إلى أربعة أقسام : ذكر ما يشمل كل قسم وما يندرج تحته ، وقد يأتي زمان نحتاج فيه إلى تفصيل أكثر فيفصل العلماء ويقسموا ليسهلوا الفهم .
رابعا :
أن تقسيم العلماء للتوحيد هذا التقسيم ليس هو محدث بل هو معروف في القرن الثالث والرابع كما ذكر ذلك الشيخ العلامة بكر أبو زيد عضو هيئة كبار العلماء في كتابه ” الرد على المخالف ” ، فنقل هذا التقسيم عن ابن جرير الطبري وغيره من العلماء .

والله أعلم

ما هي العلاقة بين العقيدة والإيمان والإسلام؟

1- ما هي العلاقة بين العقيدة والإيمان والإسلام؟
2- أرجو أن تذكر لي المعني الحرفي والشرعي لكل من العقيدة والإيمان والإسلام؟
الحمد لله
أولاً :
العقيدة لغة : هي من عقَد الحبل : إذا شدَّه أو ربطه .
واصطلاحاً : هي حكم الذهن الجازم الذي لا يتخلله شك أو تردد في إثبات وحدانية الله وتوحيده وما يندرج تحته من أقسام .
ولفظ العقيدة هو من الألفاظ التي لم تأت في الكتاب والسنة ولكن اصطلح عليها العلماء ولا مشاحة في الاصطلاح إذا لم يتضمن معنى فاسداً وهذا منها .
ثانياً :
والإيمان لغة : هو الإقرار بالشيء مع التصديق به ، وقول بعض الناس أن الإيمان هو التصديق فقط قاصر ، فالإيمان يتضمن معنى زائدا عن مجرد التصديق وهو الإقرار والاعتراف المستلزم للقبول للأخبار والإذعان للأحكام .
انظر : ” شرح الواسطية ” ( 1 / 54 ) للشيخ ابن عثيمين .
وأما الإيمان شرعا : فيتضمن أربعة أمور :
الإيمان بوجود الله تعالى .
الإيمان بربوبيته .
الإيمان بألوهيته .
الإيمان بأسمائه الحسنى وصفاته العُلى .
وينقسم إلى إيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والإيمان بالقدر خيره وشره ، كما جاء في حديث جبريل الطويل الذي أخرجه مسلم في صحيحه ( 8 ) .
ثالثاً :
والإسلام لغة : هو الاستسلام والانقياد والذل والخضوع .
وشرعاً : الانقياد لله والاستسلام له بالأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة .
وينقسم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً .
رابعاً :
وأما العلاقة بين العقيدة والإسلام والإيمان :
فالعقيدة : هي أوسع الثلاثة وتحتها يندرج القسمان الآخران الإيمان والإسلام .
ثم يأتي الإيمان ، فالإيمان يشمل الإسلام وليس العكس ، فكل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمناً .
والإيمان هو جزء من العقيدة .

والله أعلم

كيف يقنع من يؤمن بالطبيعة ويكفر بالله؟

شخص غير مسلم قال بأنه لا يؤمن بالرب ويؤمن بالطبيعة، كيف أجيبه وأقنعه لكي يؤمن بالله مع ذكر أدلة من القرآن ؟

الحمد لله
إن الإيمان بالله تعالى لا يحتاج إلى أدلة حتى يقتنع بها المنكر له ؛ لأن الله تعالى فطر الناس عليه ، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ” كل مولود يولَد على الفطرة ” – رواه البخاري ( 1293 ) ومسلم
( 2658 ) – والذي يجادل في ذلك إنما يجادل بالباطل ؛ لأنه يخالف الفطرة ، وهم لا يستطيعون أن يقولوا إن الطبيعة خالقة أو رازقة أو محيية ومميتة ، وما هي الطبيعة ؟ وما صفاتها ؟ وما الذي تريده منا ؟ وكيف نشكرها ؟ وكيف نعبدها ؟ … الخ من الأسئلة التي لا يمكن لمؤمن بها أن يجيب عليها ، ثم من الذي أخبره أن الطبيعة هي الإله ؟ هل أخبرته هي ؟ فأين قالت ذلك ؟ ولمَ لمْ تكن البقرة هي إله هذا الإنسان ؟ لِمَ لم تكن النار هي إلهه ؟ هذه الفوضى في اختيار كل واحد من أولئك المشركين إنما تدل على سفهٍ في عقولهم فكيف توصل كل واحد منهم إلى هذا الإله إلا بالتقليد والهوى ؟
وكيف لهذا المؤمن بالطبيعة أن يكفر بالرب تعالى والذي أنزل القرآن المعجز ، وأظهر الآيات الباهرة على توحيده وإلهيته ؟ . والذي نراه أن هذا المؤمن بالطبيعة هو مجادل ليس إلا ، فهو عند الشدائد والملمّات لا يلجأ إلا إلى الله تعالى ولا يتوجه قلبه إلا لأعلى ، وقد سبقه إخوانه المشركون لهذا ، فإنهم كانوا يعبدون إلها من حجر وتمر وطين ثم إذا مسَّهم الضّر لجئوا إلى الله تعالى وحده لا شريك له ، وغاب عنهم كل إله كانوا يعبدونه ، وهذا من أعظم الأدلَّة على وجود الفطرة في قلوب الخلْق وهو يغني عن كثيرٍ من الأدلَّة . قال تعالى : { وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْأِنْسَانُ كَفُوراً } [ الإسراء / 67 ] ، وقال تعالى : { هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ } [ يونس / 22 ] . وقد ذكر الله سبحانه وتعالى أدلة عقلية كثيرة للملحدين ومنكري وجود الله تعالى ونفي الإحياء بعد الإماتة ، وننبه أن هذه الأدلة وإن جاءت في القرآن الكريم إلا أنها أدلة منطقية وعقلية في ذاتها – لأنهم لا يؤمنون بالقرآن أصلاً – لذا ذكرها الله تعالى في كتابه ليتعلمها الموحدون ويناظروا بها هؤلاء الملحدين .
قال ابن القيم :
{ إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون }[يونس/ 67}،{ إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون }[الرعد/ 4] ، وقال { أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها } [ محمد / 24 ] ، فدعاهم إلى استماعه بأسماعهم وتدبره بعقولهم ، ومثله قوله { أفلم يدبروا القول } [ المؤمنون / 68 ] ، وقال تعالى { إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد } [ ق / 37 ] ، فجمع سبحانه بين السمع والعقل وأقام بهما حجته على عباده ، فلا ينفك أحدهما عن صاحبه أصلاً ، فالكتاب المنزَّل والعقل المدرك حجة الله على خلقه ، وكتابه هو الحجة العظمى ، فهو الذي عرَّفنا ما لم يكن لعقولنا سبيل إلى استقلالها بإدراكه أبداً ، فليس لأحدٍ عنه مذهب ولا إلى غيره مفزع في مجهول يعلمه ، ومشكل يستبينه ، وملتبس يوضحه ، فمن ذهب عنه فإليه يرجع ، ومن دفع حكمه فبه يحاجّ خصيمه إذ كان بالحقيقة هو المرشد إلى الطرق العقلية والمعارف اليقينية التي بالعباد إليها أعظم حاجة ، فمن ردَّ مِن مدَّعي البحث والنظر حكومته ، ودفع قضيته : فقد كابر وعاند ، ولم يكن لأحدٍ سبيل إلى إفهامه ولا محاجته ولا تقرير الصواب عنده ، وليس لأحدٍ أن يقول إني غير راضٍ بحكمه بل بِحُكْم العقل ، فإنه متى ردَّ حُكْمه فقد رد حكْم العقل الصريح وعاند الكتاب والعقل …
فحججه سبحانه العقليَّة التي بيَّنها في كتابه جمعت بين كونها عقليَّة سمعيَّة ظاهرة واضحة قليلة المقدمات ، سهلة الفهم ، قريبة التناول ، قاطعة للشكوك والشبه ، ملزمة للمعاند والجاحد ، ولهذا كانت المعارف التي استنبطت منها في القلوب أرسخ ، ولعموم الخلق أنفع .” الصواعق المرسلة “(2 / 458 – 460) .
ومن هذه الأدلة :
1. قال تعالى { مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ } [ المؤمنون / 91 ] قال ابن القيم :
فتأمل هذا البرهان الباهر بهذا اللفظ الوجيز البيِّن فإن الإله الحق لا بد أن يكون خالقاً فاعلاً يوصل إلى عابده النفع ، ويدفع عنه الضر ، فلو كان معه سبحانه إلهٌ لكان له خلقٌ وفعلٌ ، وحينئذٍ فلا يرضى بشركة الإله الآخر معه ، بل إن قدِر على قهره وتفرده بالإلهية دونه فعل ، وإن لم يقدر على ذلك انفرد بخلقه وذهب به كما ينفرد ملوك الدنيا عن بعضهم بعضا بممالكهم إذا لم يقدر المنفرد على قهر الآخر والعلو عليه ، فلا بدّ من أحد أمور ثلاثة : إمَّا أن يذهب كلُّ إلهٍ بخلقه وسلطانه وإما أن يعلو بعضهم على بعض وإما أن يكون كلهم تحت قهر إله واحد وملك واحد يتصرف فيهم ولا يتصرفون فيه ويمتنع من حكمهم عليه ولا يمتنعون من حكمه عليهم فيكون وحده هو الإله الحق وهم العبيد المربوبون المقهورون وانتظام أمر العالم العلوي والسفلي وارتباط بعضه ببعض وجريانه على نظام محكم لا يختلف ولا يفسد من أدل دليل على أن مدبّره واحد لا إله غيره كما دلّ دليل التمانع على أن خالقه واحد لا ربّ له غيره فذاك تمانع في الفعل والإيجاد وهذا تمانع في العبادة والإلهية فكما يستحيل أن يكون للعالم ربان خالقان متكافئان يستحيل أن يكون له إلهان معبودان .” الصواعق المرسلة “( 2 / 463 ، 464 ).
2. وقال تعالى : { وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً . قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً . أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً } [ الإسراء / 51 ] .
قال ابن القيم :
فتأمل ما أجيبوا به عن كل سؤال على التفصيل : فإنَّهم قالوا أولاً { إذا كنا عظاماً ورفاتاً أئنَّا لمبعوثون خلقاً جديداً } فقيل لهم في جواب هذا السؤال : ” إن كنتم تزعمون أنَّه لا خالقَ لكم ولا ربَّ فهلاَّ كنتم خلقاً جديداً لا يفنيه الموت كالحجارة والحديد أو ما هو أكبر في صدوركم من ذلك ” ؟ فإن قلتم : لنا رب خالق خلقَنا على هذه الصفة وأنشأنا هذه النشأة التي لا تقبل البقاء ، ولم يجعلنا حجارةً ولا حديداً : فقد قامت عليكم الحجة بإقراركم ، فما الذي يحول بين خالقكم ومنشئكم وبين إعادتكم خلقا جديداً ؟ . وللحجة تقرير آخر وهو أنكم لو كنتم من حجارةٍ أو حديدٍ أو خلق أكبر منهما لكان قادراً على أن يفنيكم ويحيل ذواتكم وينقلها من حالٍ إلى حالٍ ، ومَن قدر على التصرف في هذه الأجسام مع شدتها وصلابتها بالإفناء والإحالة ونقلها من حالٍ إلى حالٍ فما يعجزه عن التصرف فيما هو دونها بإفنائه وإحالته ونقله من حالٍ إلى حال ، فأخبر سبحانه أنهم يسألون سؤالاً آخر بقولهم { من يعيدنا } إذا استحالت أجسامنا وفنيت فأجابهم بقوله { قل الذي فطركم أول مرة } ، وهذا الجواب نظير جواب قول السائل { مَن يحيي العظام وهي رميم } [ يس / 78 ] ، فلما أخذتهم الحجة ولزمهم حكمها ولم يجدوا عنها معدلا انتقلوا إلى سؤال آخر يتعللون به كما يتعلل المقطوع بالحجاج بمثل ذلك وهو قولهم { متى هو } فأجيبوا بقوله { عسى أن يكون قريباً . يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلاً } [ الإسراء / 51 ، 52 ] .” الصواعق المرسلة ” ( 2 / 478 – 480 ) .
هذا ، والأدلة كثيرة سنشير إلى بعضها ، ونرجو مراجعة كتاب ابن القيم الرائع ” الصواعق المرسلة ” وهو الذي ساق هذه الأدلة العقلية من القرآن الكريم للرد على الملحدين سواء من كان منهم مُلْحِدا في البعث أو في النبوة أو في التوحيد أو في غيرها .
3. ومنه قوله تعالى : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } [ البقرة / 258 ] . ومنه قوله تعالى : { أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ . أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ } [ الطور/ 35 ، 36 ]
والله الهادي

نصيحة لمتردد في الدخول في الإسلام، ( بينه وبين الإسلام قاب قوسين أو أدنى ).

نصيحة لمتردد في الدخول في الإسلام

السؤال:

أدرس الإسلام وأريد أن أتبع تعاليمه ، ليست لي الشجاعة أن أذهب لمركز إسلامي بعد ، أؤمن بأن الإسلام هو الدين الصحيح وليس محرفاً كاليهودية أو النصرانية ، والآن هو الوقت العصيب بالنسبة للمسلمين في أمريكا ، لدي تفسيران للقرآن بالإنجليزية ، وأقرأ كتاباً عن النبي اسمه ” عندما انفلق القمر ” ، بدأت في قراءة تاريخ الإسلام ، ما هي الكتب التي تنصح بقراءتها ؟ أقرأ تفسير القرآن والحديث مع أن الكثير منها يبدو غريباً عندما أنظر لها من وجهة نظر غربية ، أشياء مثل كون الكلب شيطان ، سأواصل القراءة ، وشكرا على ردك .

 

الجواب

الحمد لله

بما أنك تؤمن أن الإسلام هو الدين الصحيح ، وأن ما عداه قد دخله التحريف : فإننا لا نرى ما يبرر تأخرك لإعلان إسلامك ، وإشهار الشهادتين ، وإننا لننصح لك كما ننصح لمن نحب ، ونخاف عليك كما نخاف على أبنائنا وإخواننا ، ونرجو لك الخير كما نرجوه لأنفسنا ، لذا فإننا نتمنى عليك أن تسارع لقول الشهادتين : الشهادة لله تعالى بالوحدانية ، ولنبيه محمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة ، وأن لا تؤخر ذلك ، فالموت قريب ولا يدري الإنسان متى يفارق هذه الحياة .

وستجد في موقعنا هذا كثيراً من الكتب المفيدة ولعلماء ثقات ، كما ستجد في بعض أجوبتنا الدلالة على كتب معينة يقرؤها المسلم ليزداد علماً .

وفي تاريخ الإسلام ننصحك بقراءة ” البداية والنهاية ” للإمام ابن كثير ، وكتاب ” تاريخ الإسلام ” لمحمود شاكر .

وستجد في أثناء قراءتك لبعض الآيات والأحاديث ما يحيِّر العقل ويوقفك عنده ، وهذا شيء طبيعي يمكن أن يذهب ويزول بالرجوع إلى كلام العلماء الثقات في تفسير الآيات وشرح الأحاديث .

ولا ينبغي أن يكون مقياسك في فهم الآيات والأحاديث هو النظرة الغربية أو عقل قارئها ، فالنظرة الغربية ليست مقياساً لفهم الدين ، والعقول متفاوتة في الفهم والتدبر .

وإطلاق الشرع اسم ” الشيطان ” على أحد من المخلوقات لا يعني مشابهة الشيطان من كل وجه، بل لاشتراكهما في بعض الصفات كالحقد والكيد والوسوسة ، وهذا الإطلاق كما أنه موجود في الشرع هو كذلك في عرف الناس والأمم ، فهم يطلقون على كثير الشر والجرائم لفظ ” شيطان ” فهذا كذاك .

وقد جاء مثل ذلك في بعض الأحاديث في وصف أو زمرة تدخل الجنة فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم أنهم ” على صورة القمر ” ومعنى هذا : أنهم كالقمر في الوضاءة والجمال ، ومن المعلوم لكل أحد أوجه الاختلاف بين القمر والبشر ، وهذا أيضاً يطلق في عرف الناس ، فهم يطلقون لفظ ” القمر ” على صاحب أو صاحبة الجمال .

وعلى كل حال :

فإنك ستجدنا في عونك ودلالتك على الخير والصواب ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً ، وستجد أسئلتك الأولوية في الإجابة عليها ، وإزالة كل إشكال يمكن أن تقف عليه أو يقال لك .

فما عليك الآن إلا إعلان ما اقتنعتَ به وعدم تأخير ذلك ، ونسأل الله تعالى لك التوفيق والخير والفلاح .

 

والله الموفق.

ما هي أركان الإسلام الخمسة؟

ما هي أركان الإسلام الخمسة؟

السؤال:

ما هي أركان الإسلام الخمسة؟

 

الجواب:

الحمد لله

أما أركان الإسلام فهي كثيرة ، وأركان جمع ركن ، والركن في اللغة – كما قال الرازي  -:  وركن الشيء جانبه الأقوى وهو يأوي إلى ركن شديد أي إلى عز ومنعة ، وجبل ركين له أركان عالية . “مختار الصحاح ” ( ص 107 ) .

ولذا سميت أركان الإسلام بهذا لأن الإسلام يركن إليها أي يعتمد عليها لأنها جانبه الأقوى ، ولكن الشارع الحكيم جعل من أقوى أركانه الكثيرة خمسة أركان يعتمد عليها الإسلام يوضحها حديث ابن عمر مرفوعا” : ”  بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إ لا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان ” . رواه البخاري ( 4243 ) .

وأما شهادة أن لا إله إلا الله : فهي مفتاح كل شيء من قالها عصم نفسه من النار وعصم ماله من الاستحلال ، ومن لم يقلها : لم يدخل الإسلام ، وهو من أهل النار في الآخرة ، ومن مباحي الدم في الدنيا .

ومعنى : لا إله إلا الله : أي لا معبود بحق إلا الله .

فهذه الكلمة قائمة على النفي والإثبات : نفي كل معبود وإله غير الله ، وإثبات إله واحد وهو الله سبحانه ، وهذا يسميه العلماء أسلوب الحصر ، وهو أشد أنواع التوكيد .

ومعنى إله : أي : مألوه ، وهي على وزن فعال بمعنى مفعول ، مثل فراش بمعنى مفروش وغراس بمنى مغروس.

وهي من الفعل( أله) أي أحب وشغف ولذا تقول العرب أله الفصيل بأمه ، والفصيل هو الفطيم من الإبل ، وأله بأمه : اشتد شوقه إليها .

فمعنى لا إله إلا الله : أي لا مألوه إلا الله أي لا محبوب إلا الله .

– وهو الحب مع الذل ، قال ابن القيم رحمه الله :

فإن الإله هو الذي يألهه العباد حبا وذلا وخوفاً ورجاءً وتعظيماً وطاعةً له بمعنى : مألوه  ، وهو الذي تألهه القلوب ، أي : تحبه وتذل له .

وأصل التأله : التعبد ، والتعبد آخر مراتب الحب .

” مدارج السالكين ” ( 3 / 26 ) .

أما معنى محمد رسول الله : أي أن محمداً مُرْسَل من عند ربه بالحق ينطق بأمر ربه يبلغ عنه القرآن فيجب الإيمان برسالته لأنها وحي من السماء قال تعالى { وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى } [ النجم / 4 ] .

* فنلاحظ أن أول ركن من أركان الإسلام مقسوم إلى شطرين :

الأول : لا إله إلا الله .

والثاني : محمد رسول الله .

فكل من آمن بالله ، يؤمن أن محمداً رسول الله ، ومن لم يؤمن بنبوة الرسول : لم يؤمن بالله ، ومن لم يؤمن بالله : لم يؤمن بالرسول .

 

الركن الثاني : الصلاة : وهي عماد الدين وتقوم عليه  .

– القيام بها فرض عظيم ، وتركها معصية كبيرة ، بل رِدة عن دين الإسلام.

عن بريدة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :   ”  العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر ” . رواه الترمذي ( 2621 ) والنسائي ( 463 ) وابن ماجه ( 1079 ) .

والحديث : صححه الترمذي وابن حبان ( 4 / 305 ) والحاكم ( 1 / 48 ) وغيرهم .

– ولا يعرف من الصحابة من يخالف في كفر تارك الصلاة .

وقال به من غيرهم من السلف : عبد الله بن شقيق ، وإبراهيم النخعي ، وإسحاق بن راهويه ، وأحمد بن حنبل ، وعبد الله بن المبارك ، والحكم ابن عتيبة … وغيرهم . انظر : ” تعظيم قدر الصلاة ” لمحمد بن نصر المروزي ( 2 / 873 – 925 ) و ” التمهيد ” لابن عبد البر ( 4 / 225 ) و ” المحلى ” لابن حزم ( 1 / 242 ) .

وهي أول ما يسأل عنه المرء يوم القيامة فإن صلحت صلح عمله كله وإن فسدت فسد عمله كله .

عن أبي وائل عن عبد الله قال : قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم:   ” أول ما يحاسب به العبد الصلاة  ” . رواه الترمذي ( 413 ) وحسَّنه وأبو داود ( 864 ) والنسائي ( 467 ) وابن ماجه ( 1425) .

 

الركن الثالث : الزكاة ، وهي في اللغة الطهارة والنماء ، فهي تطهر النفس من الشُح والبخل والطمع وتطهر المال من السحت والحرام ، وتنمي النفس على الأخلاق الكريمة والجود والبذل والسخاء ، وتنمي المال حتى يزداد ويكثر في يدي صاحبه ومانعه آثم مُجْرِم يلقى الله غضبان عليه .

عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مُثل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ، ثم يأخذ بلهزمتيه ـ يعني شدقيه ـ ثم يقول  أنا كنزك أنا مالك ، ثم تلا هذه الآية : { ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله … } . رواه البخاري ( 1338 ) .

وقال تعالى : { والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم . يوم يُحْمَى عليها في نار جهنم فَتُكْوَى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم ، هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون }  ( التوبة/ 35 ) .

وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” ما من صاحب ذهب ولا فضه لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة ، صفحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره ، كلما بردت أعيدت له ، في يوم كان مقداره خمسين  ألف سنة ، حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله ، إما إلى الجنة وإما إلى النار ” ، قيل : يا رسول الله ! فالإبل ؟ قال : ” ولا صاحب إبل لا يؤدي منها حَقَهَا ومِنْ حَقِهَا حَلَبُها يوم وِرْدِها ، إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاعٍ قرقر ، أوفر ما كانت لا يفقد منها فصيلا واحداً تطؤه بأخفافها وتعضه بأفواهها ، كلما مر عليه أولاها ردَّ عليه أخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار ” . رواه مسلم ( 987 ) .

 

الركن الرابع : الحج : وهو في اللغة : الزيارة والقصد ، وهو في الشرع: زيارة بيت الله الحرام في مكة المكرمة مع القيام بشعائر مخصوصة .

وهو واجب على المستطيع قال تعالى : { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً } .

وأما فضائله فهي كثيرة منها :

أ – عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أي العمل أفضل ؟ فقال : الإيمان بالله ورسوله ، قيل :ثم ماذا ؟ قال : الجهاد في سبيل الله ، قيل : ثم ماذا ؟ قال: حج مبرور . رواه البخاري( 26 ) ومسلم ( 83 ) .

* والحج المبرور معناه :

– أن يكون من مالٍ حلال .

– أن يبتعد عن الفسق والإثم والجدال فيه .

– أن يأتي بالمناسك وفق السنة النبوية .

– أن لا يرائي بحجه ،بل يخلص فيه لربه .

– أن لا يعقبه بمعصية أو إثم .

ب – عن أبي هريرة رضي الله عنه قال :  سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ” من حجّ لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه ” رواه البخاري ( 1449 ) ومسلم ( 1350) .

ت – عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” العمرة إلى العمرة كفارة لما بينها والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ” . رواه البخاري ( 1683 ) ومسلم ( 1349 ) .

ث – عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت : قلت يا رسول الله : ألا نغزو ونجاهد معكم ؟ فقال : لكن أحسن الجهاد وأجمله الحج حج مبرور ، فقالت عائشة : فلا أدع الحج بعد إذ سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم  . رواه البخاري ( 1762 ) .

ج- عن عمرو بن العاص رضي الله عنه ،قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “… وأن الحج يهدم ما كان قبله  ” . رواه مسلم ( 121 ) .

 

الركن الخامس : الصوم : وهو في اللغة : الإمساك ، وفي الشرع : الإمساك عن الطعام والشراب وجماع النساء من بزوغ الفجر حتى غروب الشمس .

–  وهو واجب على كل مسلم بالغ مستطيع .

وفضائل رمضان عظيمة منها :

عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ” . رواه البخاري ( 38 ) ومسلم (760 ) .

وعن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال : قال الله عز وجل : كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به ، والصيام جُنّة ، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب ولا يجهل ، فإن شاتمه أحد أو قاتله فليقل إني صائم ، مرتين ، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله يوم القيامة من ريح المسك وللصائم فرحتان يفرحهما : إذا أفطر فرح بفطره ، وإذا لقي ربه فرح بصومه “. رواه البخاري ( 1805 ) ومسلم ( 1151 ) .

وعن سهل بن سعد ، أن النبي صلى الله عليه وسلم  قال : ” إن في الجنة باباً يقال له الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة لا يدخل منه أحد غيرهم يقال : أين الصائمون ؟ فيقومون لا يدخل منه أحد غيرهم ، فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد “. رواه البخاري ( 1797 ) ومسلم ( 1152 ) .

 

والله أعلم.

 

هل يقبل الإسلام بأن يعتنق الإنسان ما شاء من الأديان؟

هل يقبل الإسلام بأن يعتنق الإنسان ما شاء من الأديان؟

سؤال من نصراني:

ألا يفكر الإسلام أن جميع الأديان (الإسلام والنصرانية والسيخ …) تؤمن بوجود رب (الرب أو المسيح أو النبي) وأن أي دين نختاره لنؤمن به في النهاية يكون إيماناً بطهارة وقدسية الإنسان مع تقبل أديان الناس الآخرين؟

أم أن الإسلام يقول بأن أي شخص لا يعتنق دين الإسلام فهو على خطأ؟

أنا لا أسأل هذا السؤال لأجل المجادلة ، فمن الخطأ أن أفعل هذا ، ولكنني أريد أن أعرف مدى تقبل الإسلام لبقية الأديان .

– أرجو أن توضح لي رأيك في هذا الموضوع .

 

الجواب:

الحمد لله

للكون خالق واحد ، وهو الله سبحانه وتعالى ، له الأسماء الحسنى ، والصفات العلى ، ولا أحد يستحق أن يكون معبوداً إلا هو عز وجل ، ومن يعبد غيره فإنما يعبد من لا يملك نفعاً ولا ضرّاً ، والفطرة السليمة تقتضي أن يوحَّد الله سبحانه وتعالى ولا يُشرك معه إله آخر ، وبهذا جاءت الرسل والديانات السماويَّة ولم تخنلف بينها في ذلك ، ثم انتست فِطَر الناس وتمكن الشيطان من عقولهم وقلوبهم ، فعبدوا الحجر والشجر ، وعبدوا المولود الذي لا يستغني عن حليب أمه ، وعبدوا من يقضي حاجته ويحتاج الطعام والشراب ، وعبدوا الأموات ، ولو عقلوا ورجعوا لفِطرهم لما عبدوا شيئاً من هذا.

والإسلام ليس بدعاً من الأديان ، والرسول صلى الله عليه وسلم ليس بدعاً من الرسل ، فكل رسالة جاءت بالتوحيد من قبَل الأنبياء والرسل إنما جاءت لتدعو الناس لعبادة الله تعالى وحده وترك غيره من الآلهة ، وكل نبي ورسول إنما دعا الناس لهذا وعلى رأس أولئك الرسل أولوا العزم منهم : نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

* وهذه الأديان السماوية  وليس الإسلام فقط :

تُخطِّئ عبادة غير الله تعالى ، وتصف العابدين لغيره تعالى بالضلال والكفر وعدم العقل وعدم الفهم ، فما هي المسيحية ؟ وما هي اليهودية ؟ وما هي الحنيفية ؟ هي كلها رسالات وأديان تدعو لأن يوحَّد الله بالعبادة ، فلا يُدعى غيره ، ولا يُنذر لغيره ، ولا يُخشى إلا هو ، ولا يُذل إلا له عز وجل ، وتدعو لأن يُفرد الله تعالى بالخلق والرزق والملك والإحياء والإماتة وغيرها من الصفات والأفعال ، فمن هو الرب الذي يستحق العبادة غيره ؟ وما هو الدين الذي يرجى لمن اعتنقه الهداية والفلاح ؟ .

وإننا لنجزم أن السائل –  بل كل الناس – لا يَرضون أن يكون منهم إحسانٌ وكرم وفضل وجود على أحدٍ من الناس ويرضى أن يُحبَّ ويُدعى ويخشى غيره ، فكيف إذا كان هذا المحسن هو الطالب الآمر أن لا تصرف هذه العبادات إلا له ؟ .

لذلك لا يرضى الإسلام أن يعتنق كل أحدٍ أي دينٍ شاء ، بل لا بدَّ من اعتناق الدين الذي رضيه الخالق لنا ، ولا بدَّ من ترك كل شريعة ودين يضاد هذا الدين الحق الذي أكرم الله به الناس .

ثم إنك لو تأملتَ في حال الأديان الشركية الأخرى لرأيتها كلها تحارب التوحيد والموحدين ، فماذا يفعل الهندوس والسيخ والبوذ والنصارى واليهود بالمسلمين ؟ ألم تسمع بالمذابح الجماعية والفردية من قبلهم ؟ ألم يصلك أخبار الكيد والعداوة والبغضاء منهم على الإسلام والمسلمين ؟ ألم تقرأ سبهم لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم واتهامه بأشنع التهم ؟ ألم يتواتر عندك صرف الملايين لصد الناس عن التوحيد وتغيير فِطرهم واستغلال فقرهم وحاجتهم ؟ .

وإننا لنسأل الله تعالى أن يشرح صدرك للإسلام لدين عيسى وموسى وإبراهيم ونوح وإخوانهم من الأنبياء والرسل ، وإننا لنسأله تعالى أن يبصرك بالحق وترى طريق السعادة لتنعم بها دنيا وآخرة .

 

والله الهادي.