تعقيب على برنامج فتاوى على الهواء في مسألة السفر وشد الرحل وبناء المساجد على القبور
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أما بعد : فهذا تعقيب على برنامج فتاوى على الهواء في مسألة السفر وشد الرحل وبناء المساجد على القبور وكان ضيف البرنامج مفتي المفرق الدكتور أحمد الخطيب , ولما كان الحق لا يعرف بقائله وإنما يعرف الحق بدلائله وبراهينه , أحببت أن أبدي بعض الملحوظات على حلقة هذا البرنامج مع احترامنا لشخص المفتي ومقدم البرنامج , وقديما قالوا : إنك لن تعرف خطأ شيخك حتى تسمع من غيره , ويمكن تلخيص هذه الملحوظات كالآتي :
- ادعاء الدكتور الإجماع في مسألة شد الرحل والسفر إلى قبور وأضرحة الصالحين وأن من استدل بحديث : لا تشد الرحال .. في منع السفر وشد الرحال لها فقد خالف الإجماع .
- تقريرهم لمسألة جواز بناء المقامات والمساجد على قبور وأضرحة الصالحين
- قولهم بجواز التعبد والتبرك والدعاء عند قبور الصالحين
وغير ذلك من المسائل , والله المستعان وعليه التكلان ومنه نستمد الهداية والسداد .
مقدمة بين يدي التعقيب
- أولا : لا بد من الإشارة من أن هذه المسائل أثيرت في هذا الوقت , لما ارتفعت بعض الدعوات تطالب بفتح السياحة الدينية للشيعة من العراق وإيران , ومعلوم أن الفتوى لا بد لها من تصور لواقعها قبل إبداء الرأي فيها – كما ذكر ابن القيم في إعلام الموقعين – ومعلوم أن للشيعة غلوا كبيرا في قبور أئمتهم يصل إلى حد العبادة وصرف الطاعات الصرفة التي لا تصرف إلا لله لغير الله كدعاء الأموات والاستغاثة بهم وطلب الرزق والشفاء منهم والسجود والذبح لهم إلى غير ذلك مما هو معلوم وموثق بالصوت والصورة ومواقع التواصل تمتلئ بتلك المقاطع , ولا شك أن هذا فتح باب شر لا يمكن إغلاقه , وهنا تحضر واقعية الفقيه وفطنته , والذي يستعمل قاعدة سد الذرائع وقطع الوسائل المفضية إلى الشرك الأكبر .
- ثانيا : من المسائل التي يقع فيها الخلط ألا وهي مسألة الخلط بين الزيارة الشرعية التي ندب إليها النبي صلى الله عليه وسلم والتي يراد منها تذكر الآخرة والدعاء للميت والاستغفار له وبين مسألة شد الرحال والسفر لقصد قبور وأضرحة الصالحين .
قال شيخ الإسلام : الوجه الثالث: أن يقال: لا ريب أن أهل البدع يحجون إلى قبور الأنبياء والصالحين، ويزورونها غير الزيارة الشرعية، لا يقصدون الدعاء لهم كالصلاة على جنائزهم، بل الزيارة عندهم والسفر لذلك من باب تعظيمهم لعظم جاههم وقدرهم عند الله، ومقصودهم دعاؤهم أو الدعاء بهم أو عندهم وطلب الحوائج منهم وغير ذلك مما يقصد بعبادة الله تعالى .
الرد على الإخنائي (198)
وقال رحمه الله : وأما ” زيارة القبور المشروعة ” فهو أن يسلم على الميت ويدعو له بمنزلة الصلاة على جنازته، كما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: «سلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم» وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «ما من رجل يمر بقبر رجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام» والله تعالى يثيب الحي إذا دعا للميت المؤمن، كما يثيبه إذا صلى على جنازته .
زيارة القبور (16)
- ثالثا : كثير من القبور والمقامات والتي يزعم الناس أنها لفلان أو علان لا أصل لها , وإنما انتشرت من خلال منامات مزعومة أو تشابه في الأسماء .
فمثلا قبور الأنبياء والرسل , قرر العلماء أنه لا يعرف قبر نبي قط إلا قبر نبينا عليه الصلاة والسلام .
وقد اعترف الدكتور أحمد الخطيب بذلك وجعله من خصائص هذه الأمة على الأمم السابقة .
ومثال : ضرار بن الأزور
قال ابن حجر : واختلف في وفاته، فقال الواقديّ: استشهد باليمامة. وقال موسى بن عقبة:
بأجنادين، وصحّحه أبو نعيم.
وقال أبو عروبة الحرّانيّ: نزل حران ومات بها. ويقال: شهد اليرموك وفتح دمشق.
ويقال: مات بدمشق .
الإصابة لابن حجر (3/391)
فتأمل هذا الاختلاف في وفاته , وقد سمعت من سنوات من جيران مقام ضرار بن الأزور أن السبب في الزعم في أن مقام ضرار في هذا المكان أن رجلا من أهل تلك المنطقة رأى مناما أن ضرارا مدفون في هذا المكان ! .
مثال شرحبيل بن حسنة
قال ابن حجر : وذكره ابن حبّان في الصحابة، وقال: كان عاملا على حمص، ومات بها.
الإصابة (3/268)
وهكذا لو أردت أن تتبع قبور الصحابة والصالحين لوجدت أن أكثرها وقع فيه الخلاف , وأكثره كما ذكرنا جاء من خلال رؤى ومنامات مزعومة , فما بالكم بقبور الرسل والأنبياء والتي تتكرر في الدول والأماكن المختلفة .
فمثلا : داود يزعمون أنهم في دمشق وفي فلسطين وفي الأردن
وقد أشار الأستاذ عبدالله العبادي في مداخلته إلى وجود مقام للخضر في إربد وفي السلط !! .انتهى
وتأمل أن مقام الخضر في السلط في كنيسة !! .
وهكذا الأمر فمقام الحسين في عدة بلاد في فلسطين والعراق وحلب ودمشق ومصر وغيرها .
وهكذا الأمر في كثير من القبور المزعومة .
والآن نأتي إلى المسائل المذكورة في حلقة البرنامج :
- المسألة الأولى : ادعاء الدكتور أحمد الخطيب الإجماع في مسألة شد الرحل والسفر إلى قبور وأضرحة الصالحين وأن من استدل بحديث : لا تشد الرحال .. في منع السفر وشد الرحال لها فقد خالف الإجماع .
قال الدكتور أحمد الخطيب : نص علماء بل أجمع علماء الأمة الأعلام ممن يفهمون اللغة العربية ودلالات اللغة العربية أن الاستدلال – أي بحديث لا تشد الرحال …- في تحريم زيارة الأضرحة وقبور الصالحين على بطلان هذا الاستدلال ثم قال ومعنى حديث : لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد .. معناه لا تشد الرحال لزيادة الثواب وزيادة الأجر إلا لهذه المساجد وإلا بقية المساجد سواء في الأجر .
التعليق : أولا : تأمل في هذا الإجماع المزعوم , وقد قال الإمام أحمد : من ادعى الإجماع فهو كاذب وما يدريه لعل الناس اختلفوا .
وإليك بعض أقوال أهل العلم في رد هذا الإجماع المزعوم
قال ابن حجر : قَوْلُهُ لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ بِلَفْظِ النَّفْيِ وَالْمُرَادُ النَّهْيُ عَنِ السَّفَرِ إِلَى غَيْرِهَا قَالَ الطِّيبِيُّ هُوَ أَبْلَغُ مِنْ صَرِيحِ النَّهْيِ كَأَنَّهُ قَالَ لَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يُقْصَدَ بِالزِّيَارَةِ إِلَّا هَذِهِ الْبِقَاعُ لِاخْتِصَاصِهَا بِمَا اخْتَصَّتْ بِهِ .
فتح الباري (3/64)
فتأمل قول الطيبي الذي جعل دلالة النص أبلغ في النهي .
وقال النووي : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي شَدِّ الرِّحَالِ وَإِعْمَالِ الْمَطِيِّ إِلَى غَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ كَالذَّهَابِ إِلَى قُبُورِ الصَّالِحِينَ وَإِلَى الْمَوَاضِعِ الْفَاضِلَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا هُوَ حَرَامٌ وَهُوَ الَّذِي أَشَارَ الْقَاضِي عِيَاضٌ إِلَى اخْتِيَارِهِ وَالصَّحِيحُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْمُحَقِّقُونَ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ وَلَا يُكْرَهُ .
شرح النووي لصحيح مسلم (9/106)
وقول القاضي عياض ذكره في إكمال المعلم (4/449) فقال : الحديث: فيه تعظيم هذه المساجد وخصوصها بشد الرحال إليها، ولأنها مساجد الأنبياء، ولفضل الصلاة فيها، وتضعيف أجرها، ولزوم ذلك لمن نذره، بخلاف غيرها مما لا يلزم ولا يباح بشد الرحال إليها إلا لناذر، ولا لمتطوع لهذا النهى .
فأين هو الإجماع المزعوم ! .
بل هو قول الصحابي بصرة الغفاري
قال ابن حجر : وَاخْتُلِفَ فِي شَدِّ الرِّحَالِ إِلَى غَيْرِهَا كَالذَّهَابِ إِلَى زِيَارَةِ الصَّالِحِينَ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا وَإِلَى الْمَوَاضِعِ الْفَاضِلَةِ لِقَصْدِ التَّبَرُّكِ بِهَا وَالصَّلَاةِ فِيهَا فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ يَحْرُمُ شَدُّ الرِّحَالِ إِلَى غَيْرِهَا عَمَلًا بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَأَشَارَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ إِلَى اخْتِيَارِهِ وَبِهِ قَالَ عِيَاضٌ وَطَائِفَةٌ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ مِنْ إِنْكَارِ بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ خُرُوجَهُ إِلَى الطُّورِ وَقَالَ لَهُ لَوْ أَدْرَكْتُكَ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مَا خَرَجْتُ وَاسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَرَى حَمْلَ الْحَدِيثِ عَلَى عُمُومِهِ وَوَافَقَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ.
فتح الباري (3/65)
بل هو قول الإمام مالك
ففي المدونة (1/400) : وَقَالَ مَالِكٌ: وَنَاسٌ يَقُولُونَ زُرْنَا قَبْرَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ: فَكَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ هَذَا وَيُعَظِّمُهُ أَنْ يُقَالَ إنَّ النَّبِيَّ يُزَارُ.
وقال شيخ الإسلام : والقاضي عياض مع مالك، وجمهور أصحابه يقولون: إن السفر إلى غير المساجد الثلاثة محرم كقبور الأنبياء. فقول القاضي عياض: إن زيارة قبره سنة مجمع عليها وفضيلة مرغب فيها، أراد به الزيارة الشرعية كما ذكره مالك وأصحابه من أنه يسافر إلى مسجده ثم يصلى عليه ويسلم عليه كما ذكروه في كتبهم.
الرد على الإخنائي (408)
ومن الأدلة التي استدل بها الدكتور أحمد الخطيب في مشروعية السفر وشد الرحال لقبور الصالحين .
- النصوص التي فيها الترغيب في زيارة القبور كقوله عليه الصلاة والسلام : كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزورها فإنها تذكركم الآخرة . وحديث زيارة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل البقيع ودعائه لهم .
التعليق : تقدم في المقدمة تفريق العلماء بين الزيارة الشرعية للقبور لتذكر الآخرة والدعاء والاستغفار للأموات وبين السفر وشد الرحل لقبور وأضرحة الصالحين , وعدم التفريق بينهما من الخلط في المسائل . فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن شد الرحل لغير المساجد الثلاثة وظاهر النهي التحريم كما ذهب إليه الصحابي بصرة الغفاري ووافقه أبو هريرة وهو قول أبي محمد الجويني والقاضي عياض والقاضي حسين وطائفة من أهل العلم كما تقدم .
- من الأدلة التي استدل بها مقدم البرنامج ووافقه عليها الدكتور أحمد الخطيب أن النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح أمر بضرب خيمته على قبر خديجة .
التعليق : هذا الحديث لا أصل له في دواوين الإسلام وكتب السنة بل ذكره بعض المعاصرين من غير دليل ولا بينة
وانظر موقع سؤال وجواب تحت عنوان : هل صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( انصبوا لي خيمة عند قبر خديجة ) .
وأعجب من مفتي وأكاديمي في زمن التحقيق يورد مثل هذه الأكاذيب !! .
- ومن الأدلة التي استدل بها الدكتور أحمد الخطيب في جواز شد الرحل والسفر إلى الأضرحة وقبور الصالحين زعمه أن النبي صلى الله عليه وسلم طلب من الله أن يدله على قبر أمه وأنه سافر لزيارتها !! .
التعليق : تأمل أن كلامه فيه تلفيق , فليس في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم طلب من الله أن يدله على قبرها وليس في الحديث أنه سافر لذلك
والحديث رواه مسلم في صحيحه : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: زَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْرَ أُمِّهِ، فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ، فَقَالَ: «اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأُذِنَ لِي، فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ» .
قال القاضي عياض : فى زيارة قبر أمه والإذن فى ذلك، دليل على جواز زيارة القبور، وصلة الآباء المشركين، وإذا كان هذا بعد الموت ففى الحياة أحق، وكأنه قصد – عليه السلام – قوة الموعظة والذكرى؛ بمشاهدته قبرها ورؤيته مصرعها، وشكر الله على ما منَّ به عليه من الإسلام، الذى حُرَمُته، وخص قبرها لمكانها منه، ويدل مقصده قوله آخر الحديث: ” فزوروا القبور، فإنها تذكر الموت “.
إكمال المعلم (3/452)
- ومن الأدلة التي استدل بها الدكتور أحمد الخطيب في جواز شد الرحل والسفر إلى الأضرحة وقبور الصالحين حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن موسى: «فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّ لَأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ، إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ، عِنْدَ الكَثِيبِ الأَحْمَرِ» .
قال الدكتور أحمد الخطيب : لولا وجود البركة في زيارة القبر وفي معرفة القبر .. ما قال : لَوْ كُنْتُ ثَمَّ لَأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ .
التعليق : تأمل أن العلماء استدلوا بهذا الحديث على خلاف ما فهمه الدكتور أحمد الخطيب , ففي الحديث أن موسى طلب الإدناء وليس نزول الأرض المقدسة حتى يعمي قبره عن بني إسرائيل .
قال النووي : قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَإِنَّمَا سَأَلَ الْإِدْنَاءَ وَلَمْ يَسْأَلْ نَفْسَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لِأَنَّهُ خَافَ أَنْ يَكُونَ قَبْرُهُ مَشْهُورًا عِنْدَهُمْ فَيَفْتَتِنَ بِهِ النَّاسُ .
شرح النووي لمسلم (15/128)
وقال الحافظ العيني : وَفِي (الْمرْآة) اخْتلفُوا فِي مَوضِع قبر مُوسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، على أَقْوَال.
أَحدهَا: أَنه بِأَرْض التيه، هُوَ وَهَارُون، عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَلم يذخل الأَرْض المقدسة إلاَّ رمية حجر، رَوَاهُ الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَقَالَ: لَا يعرف قَبره، وَرَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أبهم ذَلِك بقوله: (إِلَى جَانب الطَّرِيق عِنْد الْكَثِيب الْأَحْمَر) ، وَلَو أَرَادَ بَيَانه لبين صَرِيحًا. وَقَالَ ابْن عَبَّاس: لَو علمت الْيَهُود قبر مُوسَى وَهَارُون لاتخذوهما ال هَين من دون الله تَعَالَى .
عمدة القاري (8/150)
بل إعفاء القبر سنة عن الصحابة
قال أبو العالية قال: “لما فتحنا تُسْتَر؛ وجدنا في بيت مال الهُرْمُزان سريرًا عليه رجل ميت، قلت: فما صنعتم بالرجل؟ قال: حفرنا بالنهار ثلاثة عشر قبرًا متفرقة، فلمَّا كان الليل دفناه, وسوَّينا القبور كلها لنعميه على الناس لا ينبشونه, قلت: وما يرجون منه؟ قال: كانت السماء إذا حبست عنهم أبرزوا السرير، فيمطرون, قلت: من كنتم تظنون الرجل؟ قال: رجل يُقَالُ له: دانيال”.
رواه ابن إسحاق في “مغازيه”, ورواه غيره على وجوه أُخَر، وفي بعضها أن الدفن كان بأمر عمر.
انظر تخريج أحاديث فضائل الشام فضائل الشام (52)
ثانيا : ما زعمه الدكتور أحمد الخطيب أن النبي صلى الله عليه وسلم زار قبر موسى . انتهى
لا دليل عليه وقول النبي صلى الله عليه وسلم لا يحتمل لا السفر ولا شد الرحل المزعوم .
– ومن الأدلة التي استدل بها الدكتور أحمد الخطيب على جواز شد الرحل والسفر إلى الأضرحة وقبور الصالحين حديث وضع الحجر على قبر عثمان بن مظعون وقال : أتعلم بها قبر أخي .
قال الدكتور أحمد الخطيب : والحجر من جنس البناء !! .
التعليق : الحديث رواه أبو داود في سننه عَنِ الْمُطَّلِبِ، قَالَ: لَمَّا مَاتَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، أُخْرِجَ بِجَنَازَتِهِ فَدُفِنَ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا أَنْ يَأْتِيَهُ بِحَجَرٍ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ حَمْلَهُ، فَقَامَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَحَسَرَ عَنْ ذِرَاعَيْهِ، قَالَ كَثِيرٌ: قَالَ الْمُطَّلِبُ: قَالَ الَّذِي يُخْبِرُنِي ذَلِكَ: عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ ذِرَاعَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حِينَ حَسَرَ عَنْهُمَا ثُمَّ حَمَلَهَا فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَأْسِهِ، وَقَالَ: «أَتَعَلَّمُ بِهَا قَبْرَ أَخِي، وَأَدْفِنُ إِلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِي» .
فالحديث : بين السبب في وضع الحجر ليدفن إليه من مات من أهله , وليزوره الزيارة الشرعية , وقدمنا الفرق بين السفر وشد الرحل وبين الزيارة الشرعية التي يراد بها الدعاء للميت والاستغفار له .
ثانيا : قول قال الدكتور أحمد الخطيب : والحجر من جنس البناء !! .
من عجيب الفهم ! وإلا فالنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن البناء على القبور فكيف يقال الحجر من جنس البناء ! .
ففي صحيح مسلم عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ، وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ» فتأمل .
- ومن الأدلة التي استدل بها الدكتور أحمد الخطيب في جواز شد الرحل والسفر إلى الأضرحة وقبور الصالحين أن قبور هؤلاء الصحابة هم ارتباطنا بأصلنا ووجودهم يدل على وجودنا ..
التعليق : تأمل هذا الكلام الغريب الذي صرح به الدكتور أحمد الخطيب , فهل هذه القبور والأضرحة هي التي تثبت وجود هذه الأمة وهي حبل الوصال بتاريخ الأمة !! .
فقد مات النبي صلى الله عليه وسلم عن أكثر من مائة ألف صحابي , ولا يعرف إلا النزر اليسير من قبورهم فهل انقطعت صلة الأمة بهم بعدم معرفة قبورهم بل الرسل والأنبياء الكرام لا يعرف من قبورهم إلا قبر نبينا عليه الصلاة والسلام فهل انقطعت الصلة بهم بعدم معرفة قبورهم .
الصلة يا دكتور أحمد لا تنقطع بموت الصالحين ولا بعدم معرفة قبورهم فصلتنا بكتاب ربنا كما جاء في الحديث : إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ سببٌ طَرفُهُ بِيَدِ اللَّهِ وطَرفُهُ بِأَيْدِيكُمْ فَتَمَسَّكُوا بِهِ فَإِنَّكُمْ لَنْ تضلُّوا وَلَنْ تَهْلِكُوا بَعْدَهُ أبداً) وكما جاء في الحديث : “تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي .
وهذه مآثرهم وأفعالهم وأقوالهم مسطرة تتناقلها الأمة جيلا بعد جيل , لم تنقطع ولم تفقد .
- المسألة الثانية : تقريرهم لمسألة جواز بناء المقامات والمساجد على قبور وأضرحة الصالحين
فقال مقدم البرنامج : مشروعية إقامة المقامات الحل والإباحة لم يرد في كتاب الله وسنة رسوله ما يخالف ذلك .
واستدل الدكتور أحمد الخطيب على جواز اتخاذ المساجد والمقامات على قبور الصالحين بقوله تعالى : { قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا } فقال : يدل على مشروعية إقامة المسجد على قبورهم .
التعليق : تأمل هذا التلفيق وهذا النفي المزعوم عن وجود دليل في حرمة بناء المساجد على القبور !! .
مع أن المسجد والقبر لا يجتمعان في دين الإسلام فالأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام .
وتأمل هذه الأحاديث :
فعن عَائِشَةَ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، قَالاَ: لَمَّا نَزَلَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِذَا اغْتَمَّ بِهَا كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ وَهُوَ كَذَلِكَ: «لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا. البخاري ومسلم
وعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: «لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسْجِدًا»، قَالَتْ: وَلَوْلاَ ذَلِكَ لَأَبْرَزُوا قَبْرَهُ غَيْرَ أَنِّي أَخْشَى أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا . البخاري ومسلم
وعَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ، أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ، وَأُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتَا كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِالحَبَشَةِ فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَذَكَرَتَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «إِنَّ أُولَئِكَ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، فَأُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيَامَةِ» البخاري ومسلم
قال الشافعي : وَأَكْرَهُ هَذَا لِلسُّنَّةِ، وَالْآثَارِ، وَأَنَّهُ كُرِهَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ أَنْ يُعَظَّمَ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَعْنِي يُتَّخَذُ قَبْرُهُ مَسْجِدًا، وَلَمْ تُؤْمَنْ فِي ذَلِكَ الْفِتْنَةُ، وَالضَّلَالُ عَلَى مَنْ يَأْتِي بَعْدُ فَكُرِهَ .
الأم (1/317)
وقال النووي : وَاتَّفَقَتْ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ عَلَى كَرَاهَةِ بِنَاءِ مَسْجِدٍ عَلَى الْقَبْرِ سَوَاءٌ كَانَ الْمَيِّتُ مَشْهُورًا بِالصَّلَاحِ أَوْ غَيْرِهِ لِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ .
المجموع شرح المهذب (5/316)
ومعلوم أن الكراهة في عرف المتقدمين يراد بها التحريم
قال ابن القيم : وَقَدْ غَلِطَ كَثِيرٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ عَلَى أَئِمَّتِهِمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ، حَيْثُ تَوَرَّعَ الْأَئِمَّةُ عَنْ إطْلَاقِ لَفْظِ التَّحْرِيمِ، وَأَطْلَقُوا لَفْظَ الْكَرَاهَةِ، فَنَفَى الْمُتَأَخِّرُونَ التَّحْرِيمَ عَمَّا أَطْلَقَ عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ الْكَرَاهَةَ، ثُمَّ سَهُلَ عَلَيْهِمْ لَفْظُ الْكَرَاهَةِ وَخَفَّتْ مُؤْنَتُهُ عَلَيْهِمْ فَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى التَّنْزِيهِ، وَتَجَاوَزَ بِهِ آخَرُونَ إلَى كَرَاهَةِ تَرْكِ الْأَوْلَى، وَهَذَا كَثِيرٌ جِدًّا فِي تَصَرُّفَاتِهِمْ.
إعلام الموقعين (1/32)
وقال ابن بطال : فيه نهى عن اتخاذ القبور مساجد، وعن فعل التصاوير. قال المهلب: وإنما نهى عن ذلك، والله أعلم، قطعًا للذريعة ولقرب عبادتهم الأصنام واتخاذ القبور والصورة آلهة .
شرح البخاري لابن بطال (2/82)
وقال ابن دقيق العيد : وَقَوْلُهُ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – «بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا» إشَارَةٌ إلَى الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ. وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الْحَدِيثُ الْآخَرُ «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ».
إحكام الأحكام (1/372)
وقال ابن رجب : مقصود البخاري بهذا الباب: كراهة الصلاة بين القبور واليها، واستدل لذلك بان اتخاذ القبور مساجد ليس هو من شريعة الإسلام، بل من عمل اليهود، وقد لعنهم النبي – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – على ذلك.
فتح الباري لابن رجب (3/193)
وقال القاضي عياض : وتغليظ النبى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فى النهى عن اتخاذ قبره مسجداً؛ لما خشيه من تفاقم الأمر وخروجه عن حدِّ المبرَّة إلى المنكر، وقطعاً للذريعة، وقد نبه عليه – عليه السلام – فى قوله: ” لا تتخذوا قبرى وثناً يعبد ” ، ولأن هذا كان أصل عبادة الأصنام، فيما يذكر .. .
إكمال المعلم (2/450)
وقال القرطبي : فَاتِّخَاذُ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ وَالصَّلَاةُ فِيهَا وَالْبِنَاءُ عَلَيْهَا، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا تَضَمَّنَتْهُ السُّنَّةُ مِنَ النَّهْيِ عَنْهُ مَمْنُوعٌ لَا يَجُوزُ، لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَرَوَى الصَّحِيحَانِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتَا كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِالْحَبَشَةِ فِيهَا تَصَاوِيرُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:” إن أولئك ذا كان فيهم الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ”. لَفْظُ مُسْلِمٍ. قَالَ عُلَمَاؤُنَا: وَهَذَا يُحَرِّمُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَتَّخِذُوا قُبُورَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْعُلَمَاءِ مَسَاجِدَ.
تفسير القرطبي (10/380)
وتأمل قول القرطبي
ثانيا : أما الاستدلال بقول الله تعالى { قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا } فليس في مكانه ! .
قال ابن كثير : حَكَى ابْنُ جَرِيرٍ فِي الْقَائِلِينَ ذَلِكَ قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّهُمُ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ. وَالثَّانِي: أَهْلُ الشِّرْكِ مِنْهُمْ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ .
ثم قال : وَالظَّاهِرُ أَنَّ الَّذِينَ قَالُوا ذَلِكَ هُمْ أَصْحَابُ الْكَلِمَةِ وَالنُّفُوذِ. وَلَكِنْ هَلْ هُمْ مَحْمُودُونَ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ” يُحَذِّرُ مَا فَعَلُوا. وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ لَمَّا وَجَدَ قَبْرَ دَانْيَالَ فِي زَمَانِهِ بِالْعِرَاقِ، أَمَرَ أَنْ يُخْفَى عَنِ النَّاسِ .
تفسير ابن كثير (5/147)
وقال ابن رجب : واستدلَّ لذلكَ بأن اتَّخاذَ القبورِ مساجدَ ليسَ هو من شريعةِ الإسلامِ، بل من عملِ اليهودِ، وقد لعنَهُمُ النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – على ذلكَ.
وقد دلَّ القرآنُ على مثلِ ما دلَّ عليه هذا الحديثُ، وهو قولُ اللَّهِ عزَ وجلَّ
في قصةِ أصحابِ الكهفِ:{قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهم مَسْجِدًا} ، فجعل اتخاذَ القبورِ على المساجدِ من فعلِ أهلِ الغلبةِ على
الأمورِ، وذلك يشعرُ بأنَّ مستندَهُ القهرُ والغلبةُ واتباعُ الهوى، وأنَّه ليس من
فعلِ أهلِ العلم والفضلِ المتبعينَ لما أنزلَ اللهُ على رسلِهِ من الهُدَى.
تفسير ابن رجب (1/642)
المسألة الثالثة : قولهم بجواز التعبد والتبرك والدعاء عند قبور الصالحين
فقرروا جواز طلب الدعاء عندها .
التعليق : وهذه أعظم المسائل المذكورة في هذه الحلقة , وهي الوسيلة التي من أجلها حذر النبي صلى الله عليه وسلم من اتخاذ القبور مساجد لأنها وسيلة لصرف العبادة لغير الله .
وقد تقدم قول الشافعي: وَأَكْرَهُ هَذَا لِلسُّنَّةِ، وَالْآثَارِ، وَأَنَّهُ كُرِهَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ أَنْ يُعَظَّمَ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَعْنِي يُتَّخَذُ قَبْرُهُ مَسْجِدًا، وَلَمْ تُؤْمَنْ فِي ذَلِكَ الْفِتْنَةُ، وَالضَّلَالُ عَلَى مَنْ يَأْتِي بَعْدُ .
الأم (1/317)
ونص مالك في رواية أنه يسلم ويمضي ولا يدعو : فقال مالك في المبسوط: لا أرى أن يقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم يدعو، لكن يسلم ويمضي ” .
قال شيخ الإسلام : أما مالك رضي الله عنه فقد قال القاضي عياض: وقال مالك في «المبسوط»: لا أرى أن يقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلّم يدعو، لكن يسلّم ويمضي.
وهذا الذي نقله القاضي عياض ذكره إسماعيل بن إسحاق في «المبسوط» قال: وقال مالك: لا أرى أن يقف الرجل عند قبر النبيّ صلى الله عليه وسلّم يدعو، ولكن يسلّم على النبي صلى الله عليه وسلّم وعلى أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ثم يمضي. وقال مالك رضي الله عنه ذلك لأن هذا هو المنقول عن ابن عمر أنه كان يقول: «السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبت- أو يا أبتاه-». ثم ينصرف، ولا يقف يدعو.
الرد على الإخنائي (118)
ورواية ابن عمر في مصنف ابن أبي شيبة بلفظ : عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى، ثُمَّ أَتَى قَبْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَبَا بَكْرٍ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَبَتَاهُ»، ثُمَّ يَأْخُذُ وَجْهَهُ وَكَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ يَفْعَلُ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ مَنْزِلَهُ .
مصنف ابن أبي شيبة (3/28)
وقال القاضي عياض : وتغليظ النبى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فى النهى عن اتخاذ قبره مسجداً؛ لما خشيه من تفاقم الأمر وخروجه عن حدِّ المبرَّة إلى المنكر، وقطعاً للذريعة، وقد نبه عليه – عليه السلام – فى قوله: ” لا تتخذوا قبرى وثناً يعبد ” ، ولأن هذا كان أصل عبادة الأصنام، فيما يذكر .. .
إكمال المعلم (2/450)
وفي المنتقى شرح الموطأ لأبي الوليد الباجي (1/296) : وَأَمَّا الدُّعَاءُ عِنْدَ الْقَبْرِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَبْسُوطِ لَا أَرَى أَنْ يَقِفَ الرَّجُلُ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَدْعُو وَلَكِنْ يُسَلِّمُ ثُمَّ يَمْضِي .انتهى
-وقد استدل العلماء على منع التعبد عند القبر بقوله عليه الصلاة والسلام : لا تجعلوا بيوتكم قبورا .
قال ملا علي القاري : (ولا تجعلوها) أي بيوتكم (قبوراً) أي كالقبور خالية من العبادة .
شرح مسند أبي حنيفة (193)
وعن علي بن حسين: أنه رأى رجلا يجئ إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلى الله عليه (كذا الأصل) فيدخل فيها فيدعو، فدعاه فقال: ألا أحدثك بحديث سمعته من أبي عن جدي رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم -؟ قال: «لا تتخذوا قبري عيدا ولا بيوتكم قبورا وصلوا علي فإن صلاتكم وتسليمكم تبلغني حيثما كنتم» .
ويقويه ما أخرجه ابن أبي شيبة أيضا وابن خزيمة في «حديث علي ابن حجر» (ج 4/رقم 48) وابن عساكر (4/ 217/1) (2) من طريقين عن سهيل بن أبي سهيل أنه رأى قبر النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – فالتزمه ومسح قال: فحصبني حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب فقال: قال رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم -: «لا تتخذوا قبري عيداً ولا تتخذوا بيوتكم مقابر، [وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني]»
تحذير الساجد (85)
وهذه سنة هاشمية في منع تحري الدعاء عند القبر
ثانيا : ذكر الدكتور في حادثة حدثت له أنه قصد هو ومفتي أربد في سنة من السنوات صلاة ليلة القدر في مقام معاذ بن جبل وأنه قال : شممنا رائحة أطيب من المسك تفوح من القبر … إلى آخر كلامه .
التعليق : تأمل أن هذا الكلام فتح باب شر سيما أن العوام يتعلقون بمثل هذه القصص وربما أدى ذلك إلى غلو في هؤلاء الأموات وما يصاحب هذا الغلو في صرف شيء من العبادات لغير الله كما هو الحال عند الشيعة وقد قال الله تبارك وتعالى : {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ} .
ولما نسمع مثل هذا الكلام من أناس ينتسبون للعلم لا نستغرب أن يتبع الدجال الأعظم , خلق عظيم , فالدجال يقول للسماء أمطري فتمطر وللأرض أنبتي فتنبر ووتبعه كنوز الأرض كيعاسيب النحل كما جاء في الأحاديث .
والناس تتعلق بأدنى من ذلك , وقد كنا مرة مع بعض الإخوة في منطقة الأغوار قريبا من مقام أبي عبيدة فذكر بعض العوام على سبيل القطع والجزم أنهم كانوا يستودعون السمن والعسل وغيرها – يستودعونها لأبي عبيدة – ويحفظها لهم !! .
فقلنا : إذا كان له هذه المقدرة , هذه بيت المقدس وهذه فلسطين قاب قوسين ألا يهب لنجدة المسلمين ويدحر اليهود !! . فسكت ولم يجب .
هذا آخر التعليق والتعقيب والحمد لله رب العالمين .
وكتبه / الدكتور أبو عبدالرحمن ذو القعدة 1442 هجرية
لتحميل المادة العلمية :


