يشكو تغير حاله إلى الأسوأ فما عاد يستفيد من عالِم ولا يتأثر بموعظة!

السؤال

بدأت في طلب العلم عن طريق المحاضرات المسجلة لأهل العلم الكبار، ولكن الآن عند سماعي وعظ الخطيب أو محاضرة لأحد الدعاة ممن هم دون كبار العلماء لا يقرع أذني ولا أقف إلا على أخطائهم فأكاد لا أستفيد بكلمة منهم ولا أتأثر بموعظة ولو شئت لقلت يضيق صدري، وهذا له أثر سيء على نفسي، فقد كان وعظ هؤلاء مما يرقق القلب، حتى مع رفقائي في العمل أصبحت أملُّ حديثهم الذي لا فائدة منه، وكنت عندما أنظر في تراجم أهل العلم أنتشي ويكتنفني السرور وأحب أن  أقلدهم، أما الآن فعند النظر في تراجم العلماء أول ما أشعر به الأسف على نفسي ويركبني الهم فأغلق الكتاب حيث لا أرى نفسي قادراً على مجاراة القوم لا في العلم ولا في العبادة.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

اعلم – حفظك ربي ورعاك – أن الاعتراف بالتقصير والبحث عما يصلح الحال يعني ذلك أن في القلب خيرًا يجب أن يقوَّى، وأن في النفس طُهراً يجب أن ينمَّى، واللهَ نسأل أن يصلح حالك ويجعلك خيراً مما كنت عليه، لكن يحتاج الأمر منك للبدء بمعالجة نفسك، والأخذ بها لطريق الهدى، وتجنيبها طريق الضلال والتقصير والخطأ.

ثانيًا:

واعلم – أخي الفاضل – أن ما تعاني منه سببه ” قسوة القلب “، ولو تأملت حالك لعلمتَ أننا أصبنا في ذِكر السبب، ولم تكن هذه القسوة إلا عقوبة على ما فعلتَه، فالأمر يسير – إن شاء الله – وهو أنك تضع يدك على الجرح لتعالجه، وإنه لو صاحب ذلك شيء من التوجع فإنه لمصلحتك، ومن ثم تبدأ بعلاج تلك الجروح وتداوي تلك القروح.

ومن أسباب قسوة القلوب – عادة -:

  1. الذنوب والمعاصي.

وهذا أمرٌ لا يُنكَر، وكل مسلم يشعر بأن إيمانه يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، وكل مسلم يعلم أنه كلما ازدادت معاصيه وذنوبه أثَّر ذلك سلبا على هدايته وإيمانه وسعادته.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( إِنَّ العَبْدَ إِذَا أَخْطَأَ خَطِيئَةً نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإِذَا هُوَ نَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ وَتَابَ سُقِلَ قَلْبُهُ، وَإِنْ عَادَ زِيدَ فِيهَا حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ، وَهُوَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ ( كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ). رواه الترمذي ( 3334 ) وقال: حسن صحيح ، وابن ماجه ( 4244 ).

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

عن مجاهد في قوله ( بل ران على قلوبهم ) قال: ثبتت على قلوبهم الخطايا حتى غمرتها. انتهى.

والران، والرين: الغشاوة، وهو كالصدى على الشيء الصقيل…. .

– عن مجاهد قال: كانوا يرون الريْن هو الطبع. ” فتح الباري ” ( 8 / 696 ).

  1. أكل الحرام.

سواء كان ذلك بأخذ الربا من البنوك، أو العمل في مجالات محرَّمة، أو الاستيلاء على أموال غيره بالسرقة أو الاحتيال، أو يكون ذلك بأكل الطعام المحرَّم كالذبائح التي لم تُذبح وفق الشريعة الإسلامية، أو بشرب الخمر، أو أكل الخنزير، وغير ذلك.

  1. ترك الطاعات.

وأعظم الطاعات الواجبات، وأعظم الواجبات الصلاة، سواء تركها بالكلية أم تركها مصليّاً لها في جماعة في المسجد، فكل ذلك يؤثِّر في القلب فيقسيه، وقل مثل ذلك في ترك بر الوالدين، وترك صلة الرحم، وغير ذلك مما يعرفه المسلم العاصي من نفسه.

  1. الطعن في العلماء ولمزهم.

ومن أنفس ما يُستدل به على ذلك ما قال الحافظ ابن عساكر رحمه الله: ” اعلم يا أخي – وفقني الله وإياك لمرضاته وجعلني وإياك ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته – أن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة، وأن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب: بلاه الله قبل موته بموت القلب “.

وهي كلمة كافية لبيان المراد من ذكر هذا السبب، وقد بلونا كثيرين ممن أطلقوا ألسنتهم بالطعن في علماء الأمَّة وقد أصبح حال هؤلاء الطاعنين يُرثى له، وما ذلك إلا بسبب أنهم كذبوا في قولهم عليهم، وافتروا في ادعاءاتهم نحوهم.

ولعلَّ الأسباب أكثر من ذلك – بل هو كذلك – وإنما قصدنا ذِكر أشهر تلك الأسباب وخاصة فيما يتعلق بما كان منك، سواء بسبب ما ذكرته من حالك الذي وصلت له، أو بسبب ما رأيناه ممن يعيش – مثلك – في بلاد الكفر.

لذا نرى أن تبحث عن أسباب تلك القسوة وأن تبدأ بعلاجها رويدًا فرويدًا، ولا تيأس من رحمة الله,  فإن جاهدت نفسك لتصل بقلبك ونفسك إلى بر الأمان فستجد الله تعالى معك يسددك ويوفقك بحسب نيتك وسعيك في إصلاح نفسك، فلا تكونن من اليائسين القانطين.

ثالثًا:

نرجو منك أن تعيد الحياة السابقة لك – بعد البدء بعلاج نفسك – وترجع لتستمع أشرطة العلماء ما يتعلق منها بالعلم أو المواعظ، وفي اعتقادنا أنك ستجد تغيُّرا ملحوظًا، على أننا نوصيك أن تستمع للأقوياء من أهل العلم والواعظين؛ وذلك لتجنب ما سبق منك في البحث عن أخطاء لهم، وليس معنى هذا أنهم معصومون بل من شأن الاستماع للأقوياء من العلماء أن لا يكون للشيطان عليك سبيل لتبحث عندهم عن خطأ أو زلل، ومثله يقال في الأقوياء المتحرين في مواعظهم، وهم – بفضل الله -كُثر.

ونوصيك بترك صحبة السوء التي صدتك عن الخير الذي كنتَ عليه، وأن تكثر من الجلوس مع الصحبة الصالحة وأن تحسن اختيارها، فالجليس الصالح كحامل المسك إن لم يُعطيك من الطيب أو تشتري منه فلن تجد منه إلا الريح الطيبة، وجليس السوء كنافخ الكير إن لم يحرق ثيابك فلن تجد منه إلا الريح الخبيثة وقد يجتمع عليك منه الأمران، وكم شاهدنا من جليسي السوء من كان سبباً في منع الخير عن كثيرين بالتحذير من أهل العلم والبحث عن زلات مفتراة وتحميل كلامهم ما لا يحتمل حتى ترك ذلك الكثير أولئك العلماء وانشغل بالردود وترك العبادة والعلم فقسى قلبه، فاحذر من أولئك النفَر أشد الحذر، واستقم على أمر الله تعالى مع صحبة طيبة – ولو قليلة – يأخذون بيدك لبر الأمان ويعينونك على الاستقامة والهداية.

ومما نوصيك به أن تحرص على الخروج من تلك الديار الكافرة؛ فإن العيش فيها من أعظم أسباب قسوة القلوب؛ لكثرة ما يرى المسلم فيها من الكفر والانحلال والضلال، ولقلة – أو انعدام – ما يرى ويسمع فيها ما يعينه على الهدى والرشاد.

رابعًا:

واعلم أخي – بارك الله فيكَ – أن من دواعي الاقتداء بالعلماء في هممهم وأخلاقهم وعبادتهم: النظر في سِيَرهم حتى يورث ذلك رصيدا لطالبِ العلمِ من اجتهادٍ وعزمٍ .

* قال الإمام أبو حنيفة – رحمه الله -: ” الحكايات عن العلماء ومحاسنهم أحب إليَّ من كثير من الفقه؛ لأنها آداب القوم “.

* وقال ابن الجوزي – رحمه الله -: ” فالله الله، عليكم بملاحظة سِيَر السلف، ومطالعة تصانيفهم، وأخبارهم، فالاستكثار من مطالعة كتبهم رؤية لهم “.

وقال: ” وليكثر من المطالعة؛ فإنه يرى من علوم القوم وعلو هممهم ما يشحذ خاطره ويحرك عزيمته للجد. ” صيد الخاطر ” ( ص 440 ).

أما التحبط والتندم بعدم الوصول إلى مرتبتهم: فهذا من الوساوس الشيطانية التي تطرأ على طالبِ العلمِ, ومن الأشياء المستدعية للتعوّق عن الطلب والفتور, فحقيقة العلم هو العمل بالعلمِ والانتفاعِ من غيرِك، وأن تكون مثل أولئك العلماء بالتمام والكمال من المستحيلات، فعليك بالممكن المستطاع، وتشبَّه بهم إن لم تكن مثلهم، وخذ شيئًا من كل واحد منهم يجتمع عند وفيك خير كثير عميم.

وإذا عرفتَ أنَّ رب العزة قصَّ لنا في كتابه القصص للاعتبار والاتعاظ والاقتداء كما قال ( لقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ) يوسف/ 111: علمتَ أن تغير الحال بالقصص أمرٌ ممكن مقدور عليه إن جدَّ بذلك الطالب واستفاد حق الفائدة، ولذلك ذكرَ العلماء أن من أسباب ضعف الهمة في الطلب: عدم القراءة في سيرِ الرجال وأحوالهم, فإذا كان ذلك كذلكَ وضعفت همتك وعزفتَ عن القراءة في سيَرهم: كان هذا داء من الشيطان.

واستمع لقوله تعالى ( وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ) هود/ 120 يتبين لك أنَّ أخبار العلماء العاملين والنبهاءِ الصالحين من خَير الوسائل التي تَغرِس في النفوس الفضائل، بل تَبعثها إلى التأسِّي بذوي التضحيات والعزمات لِتَسْمُوَ إلى أعلى الدرجاتِ، وأشرف المقامات.

فعليكَ أخي بالاستعاذة من الكسلِ والعجزِ، وعليك بمداومة الدعاء، واختر وقت نزول الرب تعالى وهو الثلث الأخير من الليل واجعل دعاءك في سجودك، ادع الله تعالى أن يهديك ويوفقك ويسددك ويرقق قلبك ويشرح صدرك، ادعه بصدق وإخلاص، ابكِ على حالك وتذلل له أن يغيِّر حالك إلى أحسن مما كان، وأبشر بما يسرك إن شاء الله، فالكريم لا يرد أحداً صادقاً عن بابه، وقلوب عباده كلها بين أصابعه يقلبها كيف يشاء، فعسى أن نجد منك مبادرة سريعة لهذا وعسى أن تبشرنا قريبًا بأنك في أحسن حال.

 

والله الموفق لا ربَّ سواه.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة