هل يجوز قول رجل لامرأة أجنبية عنه “أحبكِ في الله” وقول امرأة لرجل أجنبي عنها مثل ذلك؟
السؤال
أود أن أسأل: في الحديث الصحيح أن رجلًا كان عند النبي صلى الله عليه وسلم فمرَّ به رجل فقال: يا رسول الله إني لأحب هذا فقال له النبي صلى الله عليه وسلم (أعلمتَه؟ ) قال: لا، قال: ( أعلمه ) قال: فلحقه فقال: إني أحبك في الله، فقال: أحبك الذي أحببتني له.
سؤالي: هل بالإمكان أن أقول لامرأة مسلمة: أحبكِ في الله؟.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
- عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلًا كَانَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي لَأُحِبُّ هَذَا، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ(أَعْلَمْتَهُ؟) قَالَ: لَا. قَالَ ( أَعْلِمْهُ ) قَالَ: فَلَحِقَهُ فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّكَ فِي اللَّهِ. فَقَالَ: أَحَبَّكَ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي لَهُ. رواه أبو داود ( 5125 )، وصححه النووي في ” رياض الصالحين “، وحسَّنه الألباني في ” صحيح أبي داود “.
- وعَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ رضي الله عنه قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( إِذَا أَحَبَّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُعْلِمْهُ إِيَّاهُ ). رواه الترمذي ( 2392 ) وصححه، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.
ثانيًا:
ولتفصيل المسألة الواردة في سؤال الأخ الفاضل لا بدَّ من تقسيمها إلى قسمين اثنين:
الأول منهما: هل تشمل النصوص الواردة في ثواب المتحابين في الله وما أعدَّ الله تعالى لهم من الأجور ما لو كان الحب فيه تعالى بين الرجال والنساء؟ والجواب: أن ظاهر النصوص لا يمنع من هذا، وأن المتحابين في الله يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وأنهم يثابون على حبهم ذاك بما جاء في النصوص من ثواب الحب فيه تعالى.
والقسم الثاني: هل يصح أن تجهر المرأة بتلك الكلمة لرجل أجنبي عنها أو العكس؟ والجواب: أن وجود المحبة في الله بين الرجل والمرأة لا يلزم منه إخبار كل طرف بتلك المحبة للطرف الآخر، وأن الثواب الحاصل لهم في الآخرة هو على وجود المحبة في القلب لا على الجهر بقولها في الدنيا.
وأما حكم البوح والجهر بتلك الكلمة من الرجل للمرأة الأجنبية عنه – والعكس – ففيه قولان:
الأول: جعل ذلك ممنوعاً بين رجل وامرأة أجنبية عنه، وحصره بزوجته ومحارمه، والمرأة كذلك تقول الكلمة لبنات جنسها ولمحارمها.
* قال المنَّاوي – رحمه الله -:
( إذا أحب أحدكم عبدًا ) أي: إنسانًا… فالمراد: شخص من المسلمين قريب أو غيره، ذكرًا أو أنثى، لكن يظهر تقييده فيها بما إذا كانت حليلته أو محرَمه.
” فيض القدير ” ( 1 / 319 ).
* وقال – رحمه الله – أيضًا -:
ظاهر الحديث لا يتناول النساء، فإن اللفظ ( أحد ) بمعنى واحد، وإذا أريد المؤنث إنما يقال ” إحدى ” لكنه يشمل الإناث على التغليب، وهو مجاز معروف مألوف، وإنما خص الرجال لوقوع الخطاب لهم غالبًا، وحينئذ إذا أحبت المرأة أخرى لله: ندب إعلامها. ” فيض القدير ” ( 1 / 318 ).
الثاني: جوازه بشرط أمن الفتنة بينهما – وهو الأرجح -، وله صور:
لأولى: قول تلك الكلمة من امرأة مجهولة العين لشيخ أو طالب علم معروف العين؛ لأن الفتنة مأمونة لجهالتها، ولا ينطبق هذا على المرأة التي تتصل بشيخ من هاتف يظهر رقمه، أو ترسل رسالة ببريد عليه عنوانها، أو ترسلها من جوالها؛ لأن هذا الأمر يجعل التواصل معها ممكنًا.
الثانية: أن تكون المرأة معلومة العين وتقولها لشيخ كبير من أهل العلم والتقوى ممن تؤمن الفتنة عليه.
الثالثة: أن تكون القائلة مجهولة العين وتقول تلك الكلمة لشيخ كبير تؤمن عليه الفتنة.
وهذه الصورة الثالثة هي أهون الصور وأسهلها، هو ما حصل عمليًّا مع مشايخنا الكبار، ومنهم الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله من خلال تلقيه تلك الكلمة من امرأة سائلة لا يُعرف من هي، وقد أجابها الشيخ رحمه الله بالرد الشرعي على كلمتها، وبيَّن في أجوبته شمول الثواب والأجور للمتحابين في الله تعالى ولو كانوا رجالاً ونساءً.
- فقد بعثت سائلة للشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله رسالة من خلال برنامج ” نور على الدرب ” قالت فيها:
يعلم الله كم أحبكَ في الله، وأطلب منك – يا شيخنا – أن توجه إليَّ نصيحة لوجه الله كما تنصح إحدى بناتك في ديني وخلُقي، أرجو ذلك.
فأجابها الشيخ:
أحبكِ الله الذي أحببتِنا له، والله جل وعلا أخبر على لسان النبي صلى الله عليه وسلم أن المتحابين في جلاله من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم ( سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ) ذكر منهم اثنين ( تحابَّا في الله اجتمعا في ذلك وتفرقا عليه )، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم ( يقول الله يوم القيامة أين المتحابون بجلالي اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي )، فالتحاب في الله من أفضل خصال الإيمان ومن أفضل القربات …
” نور على الدرب ” ( شريط 513 ).
- وبعثت سائلة أخرى للبرنامج نفسه برسالة قالت فيها:
إلى سماحة الشيخ الفاضل عبد العزيز بن عبد الله بن باز، لك جلُّ احترامي وتقديري وإعجابي وإكباري لشخصك، وإني أخبرك بأني ” أحبك في الله ” وأتمنى أن ألقاك وأتعرف عليك إن وفقني الله في زيارة البيت الحرام، وباختصار: فإني أعتبرك في ضميري وأتمنى لك دوام الصحة والعافية، وأدعو الله أن يكثر من أمثالك: إني فتاة أبلغ من العمر إحدى وعشرين سنة، معلمة لمادة التربية الإسلامية ….
فأجاب:
فجوابي لك أيتها الأخت لله في محبتك لي في الله: أقول: أحبكِ الله الذي أحببتني له، وأسأل الله أن يجعلنا – وسائر إخواننا – من المتحابين في جلاله، والمتواصين بالحق والصبر عليه، فقد صح عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه قال ( سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمامٌ عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجلٌ قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابَّا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه، ورجلٌ دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجلٌ تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شمالُه ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه ) هذا الحديث متفق على صحته، وذكر فيه ” رجلين تحابَّا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه “، وأنه من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وهذا تمثيل، وهو يشمل الرجلين، والمرأتين، والرجل والمرأة، إذا كان الحب في الله جل وعلا، وفي طاعته سبحانه وتعالى ….
” نور على الدرب ” ( شريط 593 ).
وبما سبق من التفصيل يكون الجواب على سؤال الأخ الفاضل، وما ذكرناه من حكم قول المرأة للرجل ” أحبك في الله ” هو نفسه حكم قول الرجل للمرأة، ولا فرق، فالقيود والضوابط هي نفسها.
وليحذر الإخوة الكتاب والأخوات الكاتبات في المنتديات من التساهل في هذا الأمر، ولسنا نعني بجهالة المرأة في جوابنا تلك الكاتبة التي يسهل مخاطبتها بعد تلك الكلمة ويمكن معرفة عينها، وإنما نعني السائلة المجهولة التي تقول كلمتها وينتهي الأمر عند ذلك، وكل واحد من الشباب والشابات يجد في قلبه أثرًا لتلك الكلمة والتي ينبغي أن يخشيا من عواقبها، ولا نظن أحدًا يجادل في ذلك إلا أن يكون مكابراً، ولذا فإن قول المرأة الكبيرة في السن لتلك الكلمة لطالب علم ليس أثرها كقول شابَّة لها، وإن قول شاب لهذا الكلمة لشابة مثله ليس أثرها كقوله لامرأة كبيرة في السن، وقد تنبَّه العلماء رحمهم الله لهذا الأمر فمنعوا من تشميت المرأة الشابة ومن السلام عليها ومن تعزيتها من رجل أجنبي عنها إن كان ثمة فتنة يمكن أن تحصل من ذلك، وهذه الكلمة الرقيقة أولى بالمنع في حال توقع الفتنة بها . ففي ” الموسوعة الفقهية ” ( 25 / 166 ) قالوا:
ورد السلام منها – أي: المرأة – على مَن سلَّم عليها لفظًا واجب، وأما إن كانت تلك المرأة شابَّة يُخشى الافتتان بها، أو يخشى افتتانها هي أيضاً بمن سلَّم عليها: فالسلام عليها وجواب السلام منها حكمه الكراهة عند المالكية والشافعية والحنابلة، وذكر الحنفية أن الرجل يرد على سلام المرأة في نفسه إن سلمت هي عليه، وترد هي أيضا في نفسها إن سلم هو عليها، وصرح الشافعية بحرمة ردها عليه. انتهى.
فلينتبه المسلمون لهذا وليحذروا من كيد الشيطان ومكره، ولسنا نمنع من قول الكلمة بالكلية – وإن كان هو الأحوط – وإنما نجوزها فقط فيما ذكرناه من قيود وضوابط في صورها الثلاث السابقة.
والله أعلم.


