حكم تعلم وتعليم العلوم النافعة والضارة، وحكم تعليم اختراق المواقع

السؤال

هذا سؤال يتعلق بتعليم أحدهم علمًا, فيستخدمه الآخر فيما يغضب الله تعالى, فهل يأثم من علّمه هنا؟ مثال: فريق للبرمجة يجعلون دروسًا في الاختراق، فهل إذا قام أحدٌ – تعلم منهم – باستخدام ذلك العلم في إيذاء غيره من المُسلمين؛ هل يأثم من علّمه ذلك العلم؟ وهل يبرّؤه أن يقول: أبرأ إلى الله تعالى أن يستخدم أحدٌ ما سيتعلّم في إيذاء مُسلم؟.

الجواب

الحمد لله

يمكن تقسيم العلوم إلى قسمين: علوم نافعة، وعلوم ضارة، والعلوم النافعة قد تكون واجبة, وقد تكون مستحبة، وقد تكون مباحة، ومن أمثلتها: علوم الشريعة، والطب، والزراعة.

عَنْ عُثْمَانَ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ “. رواه البخاري ( 4739 ).

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 13 / 16 ):

لا خلاف بين الفقهاء في جواز الاستئجار على تعليم الحِرَف، والصناعات المباحة التي تتعلق بها المصالح الدنيوية، كخياطة, وحدادة، وبناء، وزرع، ونسيج، ونحو ذلك. انتهى.

الضارة: محرَّمة على الإطلاق، كعلوم السحر، والموسيقى.

* قال علماء اللجنة الدائمة:

وأما السحر: فتعلمه وتعليمه والعمل به كفر بالله عز وجل يخرج من الملة؛ لقوله تعالى: ( وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ). الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ بكر أبو زيد.” فتاوى اللجنة الدائمة ” المجموعة الثانية ( 1 / 48 ).

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 13 / 17، 18 ):

لا يجوز تعليم علوم محرمة، كالكهانة، والتنجيم، والضرب بالرمل، وبالشعير، وبالحمص، والشعبذة، وعلوم طبائع، وسحر، وطلسمات بغير العربية لمن لا يعرف معناها، وتلبيسات.

فتعليم كل ذلك: محرَّم، وأخذ العوض عليها حرام، بنص الحديث الصحيح في النهي عن ( حلوان الكاهن )، والباقي في معناه.

هذا، وليس من المنهي عنه تعليم وتعلم علم النجوم ليستدل به على مواقيت الصلاة، والقبلة، واختلاف المطالع، ونحو ذلك. انتهى.

هذا من حيث الإجمال، أما من حيث التفصيل: فقد ينقلب تعلم العلوم النافعة إلى ما يجعلها محرَّمة تعلُّمًا وتعليمًا، ومن ذلك:

  1. أن يطلب العلم النافع بقصد الشهرة والرياء.
  2. أن يتوصل بالعلوم النافعة إلى هدم الشريعة، والطعن بها، كمن يتوصل إلى كلام الفلاسفة ويعظمه، ويتوصل إلى أحكام الشريعة ويزدريها.
  3. أن يريد بالعلوم النافعة إيذاء الناس، وإفساد معايشهم, كمن يستعمل علم الطب والصيدلة ليجعل الناس محط تجاربه، وكم يقصد إفساد محاصيل الناس وزراعاتهم بوقوفه على خصائص النباتات والزروع والثمار، وكم يتوصل بعلوم الكيمياء إلى صناعة قنابل تدمر البشر والحجر والشجر بغير حق.

والملاحظ أن انقلاب حكم العلوم النافعة من الإباحة – أو الوجوب والاستحباب – إلى التحريم كان له سببان:

  1. طبيعة المتعلم، وخلُقه، ودينه.
  2. معرفة نيته وقصده.

فإذا علِم المعلِّم للعلوم النافعة أن ما يعلمه سيستعمله المتعلم فيما يضر الناس، ويؤذيهم، ويفسدهم: لم يحل له تعليمه، وإذا علم أن ما يعلمه سيستعمله في طرق المنكرات والمحرَّمات: لم يجز له تعليمه أيضًا.

ولنضرب على ذلك أمثلة:

أ. تعليم العلوم الشرعية:

يدور حكمه بين الوجوب والاستحباب والإباحة بحسب الفن، وبحسب المعلِّم، لكنه يصبح حرامًا إذا كان هذا التعليم لمستشرقين – مثلًا – يريدون النيل من الإسلام، أو لأهل التجسس الخبيث الذين سيستعملونه في ادعائهم طلب العلم للطعن في الإسلام وتشريه صورة أهله.

ب. تعليم فنون القتال:

وحكمه كسابقه، لكنه يحرم إذا كان تعليمًا لعصابات الإجرام، وللمفسدين في الشوارع.

ج. تعليم الرياضيات والعلوم المصرفية:

جائز في أصله، محرَّم إن كان لموظفي بنوك ربوية، أو محاسبين في مصانع خمور، أو شركات تأمين محرَّم.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

العلوم الأخرى التي تتعلق بالدنيا فهي من العلوم المباحة، التي إن اتخذها الإنسان وسيلة إلى خير: كانت خيرًا، وإن اتخذها وسيلة إلى شر: كانت شرًّا، فهي لا تُحمد لذاتها، ولا تُذم لذاتها، بل هي بحسب ما توصل إليه.

وهناك علوم أخرى، علوم ضارة، إما في العقيدة، وإما في الأخلاق، وإما في السلوك، فهذه محرمة، وممنوعة بكل حال.

* فالعلوم ثلاثة أقسام: محمودة بكل حال، ومذمومة بكل حال، ومباحة، يتعلق الذم فيها، أو المدح بحسب ما تكون وسيلة له. ” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط 158،وجها).

وبعد ذلك نقول:

إن تعليم اختراق المواقع والبريد الإلكتروني له حكم تعليم ” التجسس ” واستعمال أدواته وسلوك طرقه، فإنهما يستعملان لمعرفة المخبوء في بيوت الناس، وبلدانهم، وقد يُتوصل بهما إلى معرفة خصوصيات الناس التي لا يطلع عليها سواهم، وهذان الأمران قد تكون الحاجة إليهما ماسَّة وضرورية، إذا تعلق الأمر بمفسدين، أو كفار محاربين، وما شابههم، فجعْل الحكم عامًّا فيه حرج من جهة أنه قد يُتوصل بهما إلى ما هو حرام، كاطلاع المتعلم الفاسد على عورات المسلمين، والتنصت على أحاديثهم، والكشف عن خصوصياتهم.

* قال الدكتور عبد الرحمن بن عبد الله السند – حفظه الله -:

واستثناء من ذلك فقد يكون التجسس مشروعا في أحوال معينة, كالتجسس على المجرمين، فقد لا يعرفون إلا بطريق التجسس، وقد أجاز الفقهاء التجسس على اللصوص وقطاع الطريق، وطلبهم بطريق التجسس عليهم وتتبع أخبارهم – انظر ” تبصرة الحكام ” لابن فرحون ( 2 / 171 ) -، وكذلك يجوز التجسس في حال الحرب بين المسلمين وغيرهم لمعرفة أخبار جيش الكفار وعددهم وعتادهم ومحل إقامتهم وما إلى ذلك.

وكذلك يجوز اختراق البريد الإلكتروني للمجرمين المفسدين في الأرض واللصوص وقطاع الطريق، لتتبعهم، ومعرفة خططهم وأماكن وجودهم، لقطع شرهم ودفع ضررهم عن المسلمين، وهذا موافق لمقاصد الشريعة الإسلامية التي جاءت بحفظ الدين والعرض والمال والنفس والعقل.

” وسائل الإرهاب الإلكتروني، حكمها في الإسلام، وطرق مكافحتها ” ( ص 10 – 12 ) باختصار.

لذلك: لا يمكننا القول بالجواز لكل أحد، بل الجواز منحصر في أشخاص معينين، أعلمُ، أو يغلب على ظني غلبة راجحة أنهم سيستعملونه في المباح أو الواجب، ولا مانع من أخذ العهد عليهم بعدم استعمال ما يتعلمونه في الحرام، وأما أن يكون التعليم عامًّا لكل أحد، ولكل أصحاب النيات المختلفة: فهذا ما لا نقوله به، ومن استعمله ممن يجوز لي تعليمهم في المحرَّم: فإنما حكمه من تعلم العلم الشرعي وكانت نيته للشهرة والرياء، وكمن تعلَّم الطب لكشف عورات النساء، فهذا بينه وبين ربه، ولا اطلاع لي عليه، فالإثم من جهتهم لا من جهة المعلِّم، فإن علمَ المعلِّم بنيتهم وحالهم فرضي واستمر: صار الإثم على الطرفين.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة