نبذة عن ” القياس “، والرد على منكريه من الظاهرية
السؤال
يقول بعض الإخوة: إن القياس ليس من الدين، وإن أي حكم شرعي بني علي القياس فهو باطل، هل هناك أي دليل من السنة أو عن السلف على شرعية القياس مع التفصيل؟ وجزاكم الله عنا خيرًا إن شاء الله.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
ليس في شرع الله تعالى من مصادر للوحي غير القرآن والسنَّة، فهما مرجع المسلمين في اعتقادهم، وأحكامهم، وقد أمرنا الله تعالى بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم في تلقي الأحكام، لا غير، وأمرنا عند التنازع والاختلاف أن نرجع إلى الكتاب والسنَّة ليكونا حكمًا بين المختلفين.
قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ) النساء / الآية 59 ]، وقال تعالى: ( وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ) [ الشورى / الآية 10 ].
وإذا علمنا أن القياس ليس من مصادر التشريع: فهو لا يناقض أنه وسيلة لإثبات الأحكام الشرعية التي تشترك مع المنصوص عليه بجامع العلة بينهما، وهذا لا يتناقض مع الآيات المذكورة؛ لأن القياس كان على وارد في نصوص الوحي، والشريعة لا تفرِّق بين متماثليْن، ومثله يقال في الإجماع، حيث لا إجماع إلا على نص من الوحي، فصارت مصادر التشريع: الكتاب والسنَّة، وأما الإجماع والقياس فمرجعهما إلى نصوص الوحي، فتسميتهما ” مصادر تشريع “: فيه نظر من حيث الاصطلاح، وقد وقع خلاف في مسائل في الإجماع والقياس، فأنَّى يكون مثل هذا مصدرا للتشريع؟!، والأصل في المصادر العصمة.
ثانيًا:
وأما نفاة القياس مطلقًا: فهم الظاهرية، وعلى رأسهم أبو محمد ابن حزم، وقد ساق الأدلة والأقوال الكثيرة على نفي القياس في الشرع مطلقًا، وقد ردَّ عليه أئمة التحقيق، وتتبعوا أدلته وأقواله بالرد والنقض، وبينوا أنه ليس كل قياس معتبر، كما لا يمكن رد القياس الصحيح المنضبط ونفيه من الشرع.
ومن الأئمة الذين تتبعوا أقوال الظاهرية بنفي القياس وردوا عليهم: الإمام ابن القيم – رحمه الله – في كتابه ” إعلام الموقعين “، والشيخ محمد الأمين الشنقيطي في كتابه ” أضواء البيان “.
* وبعد أن ساق الشنقيطي – رحمه الله – مجمل أدلة الظاهرية في نفي القياس ختم ذلك بقوله:
اعلم أن تحقيق المقام في هذه المسألة التي وقع فيها من الاختلاف ما رأيت: أن القياس قسمان: قياس صحيح، وقياس فاسد.
أما القياس الفاسد: فهو الذي ترِدُ عليه الأدلة التي ذكرها الظاهرية، وتدل على بطلانه، ولا شك أنه باطل، وأنه ليس من الدِّين كما قالوا، وكما هو الحق.
وأما القياس الصحيح: فلا يرِد عليه شيء من تلك الأدلة، ولا يناقض بعضه بعضًا، ولا يناقض البتة نصًّا صحيحًا من كتاب، أو سنَّة، فكما لا تتناقض دلالة النصوص الصحيحة: فإنه لا تتناقض دلالة الأقيسة الصحيحة، ولا دلالة النص الصريح والقياس الصحيح، بل كلها متصادقة، متعاضدة، متناصرة، يصدق بعضها بعضًا، ويشهد بعضها لبعض، فلا يناقض القياس الصحيح النصَّ الصحيح أبدًا.
وضابط القياس الصحيح هو: أن تكون العلة التي علق الشارع بها الحكم وشرعه من أجلها موجودة بتمامها في الفرع، من غير معارض في الفرع يمنع حكمها فيه، وكذلك القياس المعروف بـ ” القياس في معنى الأصل ” الذي هو الإلحاق بنفي الفارق المؤثر في الحكم. فمثل ذلك لا تأتي الشريعة بخلافه، ولا يعارض نصًّا، ولا يتعارض هو في نفسه. وسنضرب لك أمثلة من ذلك تستدل بها على جهل الظاهرية القادح، الفاضح، وقولهم على الله، وعلى رسوله، وعلى دينه أبطل الباطل، الذي لا يشك عاقل في بطلانه، وعظم ضرره على الدين، بدعوى أنهم واقفون مع النصوص، وأن كل ما لم يصرح بلفظه في كتاب، أو سنَّة فهو معفو عنه، ولو صرح بعلة الحكم المشتملة على مقصود الشارع من حكمة التشريع، فأهدروا المصالح المقصودة من التشريع، وقالوا على الله ما يقتضي أنه يشرع المضار الظاهرة لخلقه.
فمن ذلك: ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي بكرة – رضي الله عنه -: من أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: ” لاَ يَقْضِينَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَين وَهُوَ غَضْبان “، فالنَّبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الصحيح نهى عن الحُكم في وقت الغضب، ولا يشك عاقل أنه خص وقت الغضب بالنهي دون وقت الرضا؛ لأن الغضب يشوِّش الفكر، فيمنع من استيفاء النظر في الحكم، فيكون ذلك سببًا لضياع حقوق المسلمين، فيلزم على قول الظاهرية – كما قدمنا إيضاحه -: أن النهي يختص بحالة الغضب، ولا يتعداها إلى غيرها من حالات تشويش الفكر المانعة من استيفاء النظر في الحكم، فلو كان القاضي في حزن مفرط يؤثر عليه تأثيرًا أشد من تأثير الغضب بأضعاف، أو كان في جوع، أو عطش مفرط يؤثر عليه أعظم من تأثير الغضب: فعلى قول الظاهرية: فحُكمُه بين الناس في تلك الحالات المانعة من استيفاء النظر في الحكم: عفو، جائز؛ لأن الله سكت عنه في زعمهم، فيكون الله قد عفا للقاضي عن التسبب في إضاعة حقوق المسلمين التي نصبه الإمام من أجل صيانتها وحفظها من الضياع، مع أن تنصيص النَّبي صلى الله عليه وسلم على النهي عن الحكم في حالة الغضب دليل واضح على المنع من الحكم في حالة تشويش الفكر تشويشًا كتشويش الغضب أو أشد منه، كما لا يخفى على عاقل، فانظر عقول الظاهرية، وقولهم على الله ما يقتضي أنه أباح للقضاة الحكم في حقوق المسلمين في الأحوال المانعة من القدرة على استيفاء النظر في الأحكام، مع نهي النَّبي صلى الله عليه وسلم الصريح عن ذلك في صورة من صوره، وهي الغضب، بزعمهم أنهم واقفون مع النصوص.
ومن ذلك: قوله تعالى: ( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ )، فالله جل وعلا في هذه الآية الكريمة نص على أن الذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء يجلدون ثمانين جلدة، وترد شهادتهم، ويحكم بفسقهم، ثم استثنى من ذلك من تاب من القاذفين من بعد ذلك، وأصلح، ولم يتعرض في هذا النص لحكم الذين يرمون المحصنين الذكور.
فيلزم على قول الظاهرية: أن من قذف محصناً ذكراً ليس على أئمة المسلمين جلدَه، ولا رد شهادته، ولا الحكم بفسقه؛ لأن الله سكت عن ذلك في زعمهم، وما سكت عنه فهو عفو!.
فانظر عقول الظاهرية، وما يقولون على الله ورسوله من عظائم الأمور، بدعوى الوقوف مع النص.
ودعوى بعض الظاهرية: أن آية ( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ) شاملة للذكور بلفظها، بدعوى أن المعنى: يرمون الفروج المحصنات من فروج الإناث، والذكور: من تلاعبهم، وجهلهم بنصوص الشرع، وهل تمكن تلك الدعوى في قوله تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ )؟!، فهل يمكنهم أن يقولوا: إن الفروج هي الغافلات المؤمنات، وكذلك قوله تعالى:( وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَآءِ )، وقوله تعالى: ( مُحْصَنَات غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ ) كما هو واضح.
ومن ذلك نهيه صلى الله عليه وسلم عن البول في الماء الراكد: فإنه لا يشك عاقل أن علة نهيه عنه أن البول يستقر فيه لركوده فيقذره، فيلزم على قول الظاهرية: أنه لو ملأ آنية كثيرة من البول، ثم صبها في الماء الراكد، أو تغوط فيه: أن كل ذلك عفو؛ لأنه مسكوت عنه، فيكون الله – على قولهم – ينهى عن جعل قليل من البول فيه إذا باشر البول فيه، ويأذن في جعل أضعاف ذلك من البول فيه، بصبه فيه من الآنية، وكذلك يأذن في التغوط فيها.
وهذا لو صدر من أدنى عاقل: لكان تناقضًا معيبًا عند جميع العقلاء، فكيف بمن ينسب ذلك إلى الله ورسوله عياذاً بالله تعالى بدعوى الوقوف مع النصوص، وربما ظن الإنسان الأجر، والقربة فيما هو إلى الإثم والمعصية أقرب، كما قيل:
أمنفقة الأيتام من كد فرجها *** لك الويل لا تزني ولا تتصدقي
ومن ذلك: نهيه صلى الله عليه وسلم عن التضحية بالعوراء، مع سكوته عن حكم التضحية بالعمياء، فإنه يلزم على قول الظاهرية: أن يناط ذلك الحكم بخصوص لفظ العوَر خاصة. فتكون العمياء مما سكت الله عن حكم التضحية به، فيكون ذلك عفوًا، وإدخال العمياء في اسم العوراء لغة غير صحيح؛ لأن المفهوم من العوَر غير المفهوم من العمَى؛ لأن العور لا يطلق إلا في صورة فيها عين تبصر، بخلاف العمَى فلا يطلق في ذلك، وتفسير العور: بأنه عمى إحدى العينين لا ينافي المغايرة؛ لأن العمى المقيد بإحدى العينين غير العمى الشامل للعينين معًا، وبالجملة: فالمعنى المفهوم من لفظ العور غير المعنى المفهوم من لفظ العمى. فوقوف الظاهرية مع لفظ النص يلزمه جواز التضحية بالعمياء؛ لأنها مسكوت عنها.
وأمثال هذا منهم كثيرة جدًّا.
وقصدنا: التنبيه على بطلان أساس دعواهم، وهو الوقوف مع اللفظ من غير نظر إلى معاني التشريع، والحكم، والمصالح التي هي مناط الأحكام، وإلحاق النظير بنظيره الذي لا فرق بينه وبينه يؤثر في الحكم. ” أضواء البيان ” ( 4 / 211 -214).
وننبه إلى أن مبحث الشيخ الشنقيطي – رحمه الله – في الرد على نفاس القياس من الظاهرية استغرق عشرات الصفحات، ولا نستطيع نقل كلامه كله، فمن أراد زيادة الفائدة فيرجع إلى كتابه ” أضواء البيان ” ( 4 / 175 – 228 ).
والله أعلم.


