الحِكمة من خلْق النار والشر
السؤال
أود أن اسأل سؤلا سألتنيه صديقتي.
قالت لي: لو كان الله رحمن رحيم فلماذا خلق النار والشر؟ لماذا لم يضع كل الناس في جنات النعيم أو جنة الفردوس؟ أرجو أن تعطيني بعض الأسباب أو التفسيرات من القرآن أو الحديث حول ذلك.
الجواب
الحمد لله
مما يؤمن به المسلمون أن الله تعالى له الأسماء الحسنى، وتشتمل هذه الأسماء على صفاتٍ عُلى، وأن ما قدَّره الله تعالى وشاءه فله فيه الحكمة البالغة، لكنها قد تخفى على بعض الناس وتظهر لآخرين، ومن ذلك ما سألتْه أختنا حول الحكمة من خلق الله تعالى للنار وللشر، ويمكننا أن نقول في ذلك بعض الحِكَم، منها:
- من أجل أن تتجلى أسماء الله تعالى الحسنى وصفاته العُلى، فتظهر آثارها على خلقه فهو: رحيم وغفور وتواب وعفو، فلو لم يكن الشر ولم يكن الذنب والخطيئة لما علم الناس أن من صفاته الرحمة والمغفرة والتوبة على عباده والعفو عنهم إذا أذنبوا وعصوا، ولما تجلت هذه الصفات في قلوبهم ولما عرفوا ربهم حق المعرفة.
والله تعالى حليم وصبور ولولا ذنوب عباده لما علمنا صبره وحلمه، على قوم يعصونه بكرة وعشية، وهو لهم ممهل مرتقب منهم التوبة صابر على ذنوبهم، حليم عليهم مع قدرته على إهلاكهم.
والله تعالى قوي جبار ذو البطش الشديد، ولولا ذنوب عباده الذين أهلكهم الله بسبب ظلمهم ومعاصيهم، لما علمنا أن الله تعالى جبار قوي ذو البطش الشديد.
لمّا علمنا أن الله تعالى قادر على عباده فتتجلى صفات الله تعالى في قلوب عباده عندما يرون الدمار والهلاك على الكافرين فيكونون له أشد رهبة وخوفا.
وقل مثل ذلك في صفاته كلها.
- ومن الحكم: أن يميز الله تعالى عبادَه فيعلم الصالح من الذي هو غير ذلك، ويعلم الذي يحبه من الذي يحب الأنداد من دونه، فلولا الشر عند الناس لما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سيد البشر، ولولا الشر عندهم لما كان الأنبياء هم خير خلق الله، ولولا الشر لما كان أبو بكر وعمر – على خيرهم – قدوة المسلمين إلى يوم القيامة، فهم أبعد الناس عن الشر، فامتازوا بالخير، ولولا وجود الشر لما عرفت قيمة الخير. فلولا السواد لما علم الناس حسن البياض، ولولا ظلمة الليل لما تغزل الشعراء بوجه البدر المنير البسام، ولولا القبح لما علم الناس قيمة الحسن والجمال ولذته.
وقال الشاعر:
وبضده تتميز الأشياء
وقال آخر:
فالضد يظهر حسنه الضد
فانظر عظمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقدره وانحطاط أبي جهل في قلبك، فلولا الشر الذي في قلب أبي جهل لما تميز رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالخير والبركة.
ثم إن من تلك الحكم:
- أن الله تعالى حين يفرض على عباده الطاعات والمشقات فإن عباده الصالحين يلبونها على قسوتها وهم لها محبون، فهنا تتجلى عظمة الله تعالى وكبرياؤه وذلك أن الأتقياء يحبون أمره وفعله على الرغم من قسوته وغلظته.
فانظر وقد جهز الكافرون جيشا عرمرما بقضه وقضيضه وحده وحديده، وترى السيوف في لمعانها وبريقها، والموت دونها فاغرا فاه، ورؤوس الرجال تتقطع والناس في فر وكر، وخوف ورعب، وترى بين الجحفلين رجال صابرين في موقف تشيب له الولدان طواعية لله وحبا وتعظيما له.
واعلم أن خير الحب حبك لمن يؤذيك: فلو أن رجلا من الناس سلبك مالك وما تملك وأخرجك من دارك وأهلك وضربك بقسوة سياطه، ومع هذا كله كنت أنت له محبا، أفلا يعني هذا أنك تحبه لعظيم قدره عندك في قلبك على الرغم مما كان منه تجاهك، كذلك ولله المثل الأعلى فالله تعالى أمر المؤمنين أن يخرجوا فخرجوا طائعين، وأمرهم أن ينفقوا أموالهم في سبيل الله ففعلوا وأمرهم بالجهاد فلبوا مناد الجهاد، ووضع عليهم من الأوامر الشاقة فأطاعوا وأمرهم بترك اللذات المحرمة عليهم فتركوها، قال الله تعالى: { كتب عليكم القتال وهو كره لكم } [ البقرة / 216 ]، أليس هذا كله دليل على عظمة الله تعالى في قلوب المؤمنين؟ فلولا الشر لما كانت هذه النتائج المرضية العجيبة.
ثم إن الله تعالى لما خلق الخلق ما خلقهم إلا ليعبدوه فقال تعالى: { وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون } [ الذاريات / 56 ]، وإن من أحسن العبادات الصبر على الطاعة مهما شقت والصبر على ترك الملذات مهما استحسنتها الأنفس.
ويمكن الاستزادة في ذلك بالنظر فيما كتبه ابن القيم – رحمه الله – في ” مدارج السالكين ” (2 / 194 ) في الحكمة من خلق إبليس، وقد ذكر نحو خمسة عشر حكمة.
والله أعلم.


