عنده إشكال في موضع آيتين من القرآن في سورة التوبة

السؤال

في مقالة كتب صاحبها أن الآيتين رقم 128 و129 من سورة التوبة ليستا في المكان الصحيح، فقد قامت لجنة الكُتاب بوضع سورة التوبة في مكانها الصحيح واقترح أحدهم إضافة آيتين في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم ووافق الجميع، غضب ” علي ” وقال بأن كلام الله يجب أن لا يبدل أو يغير.

ذكر الكاتب مرجعا لهذا وهو طبعة ” الإتقان في علوم القرآن “، القاهرة، مصر، 1318 هجري، صفحة 59.

وقال الكاتب بأنّنا نقرأ الحديث المشهور في ” البخاري ” و ” الإتقان ” للسيوطي أن كل آية في القرآن حُدد مكانها بشهادة مجموعة عدا الآيتين 128و129 من سورة التوبة فقد وجدا عند خزيمة بن ثابت الأنصاري، وعندما سأل البعض عن تفسير لهذا الخطأ، جاء أحدهم بحديث أن شهادة خزيمة تعدل شهادة رجلين.

– أرجو أن تشرح الحقيقة وأن تشف صدورنا، بالمناسبة فقد قام الكاتب بإثبات ما يقول بطريقة حسابية أيضا.

الجواب

الحمد لله

الذي يظهر أنّ صاحب المقالة هو من جهلة أهل السنَّة أو أنه من الرافضة – الشيعة – والذي يتهمون الصحابة بأنهم زادوا في القرآن وأنقصوا منه، ويظهر هذا من ذِكره لاعتراض علي رضي الله عنه على الزيادة المزعومة في آخر سورة التوبة.

* وللوقوف على حقيقة ما ذُكر في المقالة فإنّنا نلخص الرد عليها في النقاط الآتية:

  1. لمّا حاربَ الصحابة رضي الله عنهم المرتدين من أصحاب مسيلمة الكذَّاب في “اليمامة”: تفطَّن عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أمرٍ مهم وهو كثرة قتل حفظة القرآن، فخطر له أن يقترح على أبي بكر رضي الله عنه بجمع القرآن، فتردد أبو بكر ثم شرح الله صدره، فأرسل أبو بكر لزيد بن ثابت للقيام بهذه المهمَّة الجليلة.

عن زيد بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه – وكان ممن يكتب الوحي – قال: أرسل إليَّ أبو بكر مقتلَ أهل اليمامة – وعنده عمر – فقال أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحرَّ يوم اليمامة بالناس وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن فيذهب كثير من القرآن إلا أن تجمعوه وإني لأرى أن تَجمع القرآن، قال أبو بكر: قلت لعمر: كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال عمر: هو والله خير، فلم يزل عمر يراجعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري ورأيت الذي رأى عمر، قال زيد بن ثابت – وعمر عنده جالس لا يتكلم -: فقال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل ولا نتهمك كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتتبع القرآن فاجمعه، فوالله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن، قلت: كيف تفعلان شيئا لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر: هو والله خير، فلم أزل أراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرح الله له صدر أبي بكر وعمر، فقمتُ فتتبعتُ القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب وصدور الرجال حتى وجدت من سورة التوبة آيتين مع خزيمة الأنصاري لم أجدهما مع أحد غيره { لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم } إلى آخرهما، وكانت الصحف التي جمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفاه الله ثم عند عمر حتى توفاه الله، ثم عند حفصة بنت عمر. رواه البخاري ( 4402 ).

وقد حصل مثل هذا مع خزيمة رضي الله عنه في آية من سورة الأحزاب، مع ملاحظة أن بعض العلماء أن الذي وُجدت عنده آخر آيتي التوبة هو أبو خزيمة، وأن خزيمة بن ثابت هو الذي وُجدت عنده آيةً من الأحزاب.

عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: نسختُ الصحف في المصاحف ففقدت آية من سورة الأحزاب كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها، فلم أجدها إلا مع خزيمة بن ثابت الأنصاري الذي جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادته شهادة رجلين وهو قوله: { من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه }. رواه البخاري ( 2652 ).

  1. والذي كان يبحث عنه زيد رضي الله عنه إنما هو في المكتوب في الألواح والجلود لا فيما يحفظه الحفَّاظ من الصحابة رضي الله عنهم، والذي حصل أنهم كانوا يحفظون آخر آيتي التوبة ولم يجدوها مكتوبةً عند أحد إلا عند خزيمة بن ثابت رضي الله عنه، وهذا الذي قاله العلماء ومنهم السيوطي نفسه.

* قال الزرقاني: وأما قولهم في هذا الاحتجاج ” وقد ضاع بعضها ” فيظهر أنهم استندوا في ذلك إلى ما ورد من أنه فقدت آية من آخر سورة براءة فلم يجدوها إلا عند خزيمة بن ثابت فظن هؤلاء أن هذا اعتراف منَّا بضياع شيء من مكتوب القرآن، وليس الأمر كما فهموا، بل المعنى: أن الصحابة لم يجدوا تلك الآية مكتوبة إلا عند  خزيمة بخلاف غيرها من الآيات فقد كانت مكتوبة عند عدَّة من الصحابة، ومع ذلك فقد كان الصحابة يقرؤونها ويحفظونها ويعرفونها، بدليل قولهم ” فقدت آية “، وإلا فما أدراهم أنها فقدت من الكتابة لو لم يحفظوها. ” مناهل العرفان ” ( 1 / 245 ، 246 ).

* وقال السيوطي: قال أبو شامة: وكان غرضهم ألا يكتب إلا من عين ما كتب بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم لا من مجرد الحفظ، قال: ولذلك قال في آخر سورة التوبة ” لم أجدها مع غيره ” أي: لم أجدها مكتوبة مع غيره، لأنه كان لا يكتفي بالحفظ دون الكتابة.

” الإتقان في علوم القرآن ” ( 1 / 163 ).

  1. وقد فعل أبو بكر رضي الله ما فعل بإجماع الصحابة وإقرارهم، وقد امتدح علي رضي الله عنه فعل أبي بكر وقال إنه أعظم الناس أجرا، وهو الذي قاله العلماء ونقلوه ومنهم السيوطي.

* قال السيوطي: وأخرج ابن أبي داود بسند صحيح عن سويد بن غفلة قال: قال علي: لا تقولوا في عثمان إلا خيرا، فوالله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منا قال ما تقولون في هذه القراءة فقد بلغني أن بعضهم يقول إن قراءتي خير من قراءتك وهذا يكاد يكون كفرا قلنا فما ترى قال أرى أن يجمع الناس على مصحف واحد فلا تكون فرقة ولا اختلاف قلنا نِعم ما رأيت.

” الإتقان في علوم القرآن ” ( 1 / 165 ، 166 ).

* قال السيوطي: وأخرج ابن أبي داود في ” المصاحف ” بسند حسن عن عبد خير قال: سمعتُ عليّا يقول: أعظم الناس في المصاحف أجرا أبو بكر رحمة الله على أبي بكر، هو أول مَن جمع كتاب الله. ” الإتقان في علوم القرآن ” ( 1 / 161 ).

  1. ولم يصح اعتراض علي رضي الله عنه على جمع القرآن، ولو صحَّ فليس معناه ما ذهب إليه الروافض، فلا يُعرف لعلي مصحف خاص به، وإنما المراد بجمعه هو حفظه للقرآن وليس جمعه كتابة، وهو الذي قاله العلماء ونقلوه ومنهم السيوطي.

* قال السيوطي: لكن أخرج أيضا – أي: ابن أبي داود – من طريق ابن سيرين قال: قال علي: لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم آليتُ ألا آخذ عليَّ ردائي إلا لصلاة جمعة حتى أجمع القرآن فجمعه.

* قال ابن حجر: هذا الأثر ضعيف لانقطاعه، وبتقدير صحته فمراده بجمعه حفظه في صدره، وما تقدم من رواية عبد خير عنه أصح، فهو المعتمد. ” الإتقان في علوم القرآن ” ( 1 / 161 ).

  1. وأما خزيمة بن ثابت رضي الله عنه فلكون شهادته تعدل شهادتين قصة، وهي ما نذكره في الحديث الآتي:

عن عمارة بن خزيمة أن عمه حدثه – وهو من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم – أن النبي صلى الله عليه وسلم ابتاع فرسا من أعرابي واستتبعه ليقبض ثمن فرسه، فأسرع النبي صلى الله عليه وسلم وأبطأ الأعرابي، وطفق الرجال يتعرضون للأعرابي فيسومونه بالفرس وهم لا يشعرون أن النبي صلى الله عليه وسلم ابتاعه حتى زاد بعضهم في السوم على ما ابتاعه به منه، فنادى الأعرابي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن كنت مبتاعًا هذا الفرس وإلا بعته فقام النبي صلى الله عليه وسلم حين سمع نداءه فقال: أليس قد ابتعته منك؟ قال: لا والله ما بعتكه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قد ابتعته منك فطفق الناس يلوذون بالنبي صلى الله عليه وسلم وبالأعرابي وهما يتراجعان وطفق الأعرابي يقول هلم شاهدًا يشهد أني قد بعتكه قال خزيمة بن ثابت: أنا أشهد أنك قد بعته، قال: فأقبل النبي صلى الله عليه وسلم على خزيمة فقال: لم تشهد؟ قال: بتصديقك يا رسول الله، قال: فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادة خزيمة شهادة رجلين.

رواه أبو داود ( 3607 ) والنسائي ( 4647 ).

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة