معنى حياة طيبة في القرآن، وهل تتعارض مع البلاء الذي يقع على المؤمن؟
السؤال
هناك بعض الأمور التي تظهر لي أن فيها تعارضًا, واحتاج منكم أن تنوروني بعلمكم، جزاكم الله خيرًا.
السؤال:
نجد أن الصالحين يُبتلوا في الدنيا، وعلى قدر قوة الإيمان يزيد البلاء، والله يقول في القرآن – من الشاهد -: ( فَلَنُحْيينَّهُم حَيَاةً طَيِّبَةً ).
الجواب
الحمد لله
أولًا:
لا بد أن يعلم المسلم أن شريعة الله لا يقع فيها تعارض البتة؛ لأنها وحي منه عز وجل، قال الله سبحانه وتعالى: ( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى ) النجم/ 3، 4 ، والوحي يستحيل وقوع الاختلاف والتناقض فيه؛ لقوله تعالى: ( وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا ) النساء/ 82.
* قال ابن جرير الطبري – رحمه الله -:
وأن الذي أتيتَهم به من التنزيل من عند ربهم، لاتساق معانيه، وائتلاف أحكامه، وتأييد بعضه بعضًا بالتصديق، وشهادة بعضه لبعض بالتحقيق: فإن ذلك لو كان من عند غير الله: لاختلفت أحكامه، وتناقضت معانيه، وأبان بعضه عن فساد بعض.
” تفسير الطبري ” ( 4 / 182 ).
* قال الشاطبي – رحمه الله -:
كل مَن تحقق بأصول الشريعة: فأدلتها عنده لا تكاد تتعارض، كما أن كل من حقق مناط المسائل: فلا يكاد يقف في متشابه؛ لأن الشريعة لا تعارَض فيها البتة.
” الموافقات ” ( 5 / 341 ).
وقد كان الإمام ابن خزيمة رحمه الله – وهو ممن اشتهر عنه الجمع بين الأحاديث التي ظاهرها التعارض – يقول: ” لا أعرف حديثين متضادين، ومن كان عنده فليأتني به لأؤلف بينهما “.
– انظر ” تدريب الراوي ” ( 2 / 196 ).
ثانيًا:
لا شك أن عِظَم الجزاء مِن عِظَم البلاء, وأن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم, وفي الابتلاء للعبد حكَم وفوائد كثيرة، في الدنيا، والآخرة.
ثالثًا:
وأما معنى ” الحياة الطيبة ” الوارد ذِكرها في قوله تعالى: ( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) النحل/ 97: فالأقوال فيها متنوعة، وليس منها أن الله يفتح للمؤمن العامل للصالحات الدنيا، ويقيه الحزن، والفقر، والسوء، فالواقع يشهد بغير هذا – بل إن أولئك من أكثر الناس ابتلاء بمثل هذا – ولا قائل به من أهل التفسير، وجماع معنى الحياة الطيبة في الآية: حياة القلب، وسعادته، وانشراحه، وإذا رُزق شيئا من متاع الدنيا فيكون حلالًا يقنع به، وعلى ذلك جاءت أقوال المفسرين من أهل التحقيق.
- ذَكر الإمام الطبري رحمه الله أقوال العلماء في معنى ” الحياة الطيبة “، وهي:
أ. يحييهم في الدنيا ما عاشوا فيها بالرزق الحلال.
ب. يرزقهم القناعة.
ج. الحياة الطيبة: الحياة مؤمنًا بالله عاملا بطاعته.
د. الحياة الطيبة: السعادة.
هـ. الحياة في الجنة.
واختار رحمه الله من هذه الأقوال – غير المتضادة -: القول الثاني، فقال:
وأولى الأقوال بالصواب: قول من قال: تأويل ذلك: فلنحيينه حياة طيبة بالقناعة؛ وذلك أن من قنعه الله بما قسم له من رِزق: لم يَكثر للدنيا تعبُه، ولم يعظم فيها نَصَبه، ولم يتكدّر فيها عيشُه باتباعه بغية ما فاته منها وحرصه على ما لعله لا يدركه فيها.
وإنما قلت ذلك أولى التأويلات في ذلك بالآية: لأن الله تعالى ذِكْره أوعد قومًا قبلها على معصيتهم إياه إن عصوه: أذاقهم السوء في الدنيا، والعذاب في الآخرة، فقال تعالى: ( وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ) فهذا لهم في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب عظيم، فهذا لهم في الآخرة، ثم أتبع ذلك لمَن أوفى بعهد الله وأطاعه فقال تعالى: ” مَا عِِنْدَكُم في الدنيا ينفد، وما عند الله باق “، فالذي ( أوعد أهل المعاصي بإذاقتهم ) هذه السيئة بحكمته ( أراد ) أن يعقب ذلك الوعد لأهل طاعته بالإحسان في الدنيا، والغفران في الآخرة، وكذلك فَعَلَ تعالى ذكره.
وأما القول الذي رُوي عن ابن عباس أنه الرزق الحلال: فهو مُحْتَمَل أن يكون معناه الذي قلنا في ذلك، من أنه تعالى يقنعه في الدنيا بالذي يرزقه من الحلال، وإن قلّ: فلا تدعوه نفسه إلى الكثير منه من غير حله، لا أنه يرزقه الكثير من الحلال؛ وذلك أن أكثر العاملين لله تعالى بما يرضاه من الأعمال: لم نرهم رُزِقوا الرزق الكثير من الحلال في الدنيا، ووجدنا ضيق العيش عليهم أغلب من السعة.
” تفسير الطبري ” ( 17 / 291 ، 292 ).
ب. * وقال ابن القيم – رحمه الله -:
وأطيب العيش واللذة على الإطلاق: عيش المشتاقين، المستأنسين، فحياتهم: هي الحياة الطيبة في الحقيقة، ولا حياة للعبد أطيب، ولا أنعم، ولا أهنأ منها، فهي الحياة الطيبة المذكورة في قوله تعالى ( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ) وليس المراد منها الحياة المشتركة بين المؤمنين والكفار، والأبرار والفجار، من طيب المأكل، والمشرب، والملبس، والمنكح، بل ربما زاد أعداء الله على أوليائه في ذلك أضعافًا مضاعفة، وقد ضمن الله سبحانه لكل مَن عمل صالحًا أن يحييه حياة طيبة، فهو صادق الوعد الذي لا يخلف وعده، وأي حياة أطيب من حياة اجتمعت همومه كلها، وصارت هي واحدة في مرضات الله، ولم يستشعب قلبه، بل أقبل على الله، واجتمعت إرادته، وإنكاره التي كانت منقسمة بكل واد منها شعبة على الله، فصار ذكر محبوبه الأعلى، وحبه، والشوق إلى لقائه، والأنس بقربه، وهو المتولى عليه، وعليه تدور همومه، وإرادته، وتصوره، بل خطرات قلبه ….
” الجواب الكافي ” ( ص 129 ، 130 ).
وقال – رحمه الله – أيضًا -:
وقد جعل الله الحياة الطيبة لأهل معرفته، ومحبته، وعبادته، فقال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ).
وقد فُسرت الحياة الطيبة: بالقناعة، والرضى، والرزق الحسن، وغير ذلك، والصواب: أنها حياة القلب، ونعيمه، وبهجته، وسروره بالإيمان، ومعرفة الله، ومحبته، والإنابة إليه، والتوكل عليه؛ فإنه لا حياة أطيب من حياة صاحبها، ولا نعيم فوق نعيمه، إلا نعيم الجنة، كما كان بعض العارفين يقول: ” إنه لتمر بي أوقات أقول فيها: إن كان أهل الجنة في مثل هذا: إنهم لفي عيش طيب “، وقال غيره: ” إنه ليمر بالقلب أوقات يرقص فيها طربًا “. ” مدارج السالكين ” ( 3 / 259 ).
والأقوال في هذا المعنى كثيرة، وكلها تدل على أن الحياة الطيبة هي حياة معنوية، يعيشها قلب المؤمن مطمئنًا بقضاء الله تعالى، ومنشرحًا بما قدره عليه، وسعيدًا بإيمانه بربه تعالى، وليس المراد من الحياة الطيبة – قطعًا – النعيم البدني، وانعدام الأمراض، وعدم تقدير الفقر، وضيق العيش، بل إن هذا لم يقله أحد من المفسرين، والعلماء.
وننبه إلى أن القول بأن الحياة الطيبة هو في الجنة: بعيد عن معنى الآية؛ لأن الله تعالى ذكر بعدها نعيم الجنة لمن آمن وعمل صالحًا.
* قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله -:
وفي الآية الكريمة قرينة تدل على أن المراد بالحياة الطيبة في الآية: حياته في الدنيا حياة طيبة، وتلك القرينة هي أننا لو قدرنا أن المراد بالحياة الطيبة: حياته في الجنة في قوله: ( فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ): صار قوله: ( وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ): تكرارًا معه؛ لأن تلك الحياة الطيبة هي أجر عملهم، بخلاف ما لو قدرنا أنها في الحياة الدنيا، فإنه يصير المعنى: فلنحيينه في الدنيا حياة طيبة، ولنجزينه في الآخرة بأحسن ما كان يعمل، وهو واضح ، وهذا المعنى الذي دل عليه القرآن: تؤيِّده السنة الثابتة عنه صلى الله عليه وسلم … ” أضواء البيان ” ( 2 / 441 ).
رابعًا:
والحياة الطيبة للمؤمن في الدنيا لا تنافي الابتلاء ؛ وذلك لأسباب:
- المسلم يعلم أن رفع الدرجات، وتكفير السيئات، وبلوغ الغايات: لا يمكن أن تنال إلا على جسر من الابتلاءات، والامتحانات, ولذلك كان السلف يفرحون بالابتلاء؛ لما يرجون من الثواب، والجزاء, كما جاء في الحديث عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يُوعَكُ فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَيْهِ، فَوَجَدْتُ حَرَّهُ بَيْنَ يَدَىَّ فَوْقَ اللِّحَافِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَشَدَّهَا عَلَيْكَ قَالَ: ( إِنَّا كَذَلِكَ يُضَعَّفُ لَنَا الْبَلاَءُ وَيُضَعَّفُ لَنَا الأَجْرُ ) قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاَءً؟ قَالَ: ( الأَنْبِيَاءُ ) قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ( ثُمَّ الصَّالِحُونَ إِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ لَيُبْتَلَى بِالْفَقْرِ حَتَّى مَا يَجِدُ أَحَدُهُمْ إِلاَّ الْعَبَاءَةَ يحوِيهَا وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ لَيَفْرَحُ بِالْبَلاَءِ كَمَا يَفْرَحُ أَحَدُكُمْ بِالرَّخَاءِ ).
رواه ابن ماجه ( 4024 ) ، وصححه الألباني في ” صحيح ابن ماجه “.
وهذا الفرح غير مسألة تمني البلاء, فتمني البلاء لا يجوز، كما جاء في الحديث عن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِى أَوْفَى رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: (أَيُّهَا النَّاسُ، لاَ تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَسَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ ).
رواه البخاري ( 6810 ) ومسلم ( 1742 ).
* قال ابن القيم – رحمه الله -:
وإذا تأملت حكمته سبحانه فيما ابتلى به عباده، وصفوته بما ساقهم به إلى أجلِّ الغايات، وأكمل النهايات التي لم يكونوا يعبرون إليها إلا على جسر من الابتلاء والامتحان … وكان ذلك الابتلاء والامتحان عين الكرامة في حقهم، فصورته صورة ابتلاء، وامتحان، وباطنه فيه الرحمة والنعمة، فكم لله مِن نعمة جسيمة، ومنَّة عظيمة، تُجنى من قطوف الابتلاء، والامتحان، فتأمل حال أبينا آدم صلى الله عليه وسلم ، وما آلت إليه محنته، من الاصطفاء، والاجتباء، والتوبة، والهداية، ورفعة المنزلة … وتأمل حال أبينا الثاني نوح صلى الله عليه وسلم، وما آلت إليه محنته، وصبره على قومه تلك القرون كلها، حتى أقر الله عينه، وأغرق أهل الأرض بدعوته، وجعل العالم بعده من ذريته، وجعله خامس خمسة، وهم أولو العزم الذين هم أفضل الرسل, وأمَر رسولَه ونبيه محمَّدًا أن يصبر كصبره، وأثنى عليه بالشكر، فقال: ( إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا ) فوصفه بكمال الصبر، والشكر، ثم تأمل حال أبينا الثالث إبراهيم صلى الله عليه وسلم إمام الحنفاء، وشيخ الأنبياء، وعمود العالم، وخليل رب العالمين من بني آدم، وتأمل ما آلت إليه محنته، وصبره، وبذله نفسه لله، وتأمل كيف آل به بذله لله نفسه، ونصره دينه إلى أن اتخذه الله خليلًا لنفسه … وضاعف الله له النسل، وبارك فيه، وكثر، حتى ملؤوا الدنيا، وجعل النبوة والكتاب في ذريته خاصة، وأخرج منهم محمَّدًا صلى الله عليه وسلم وأمَره أن يتبع ملة أبيه إبراهيم ….
فإذا جئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وتأملت سيرتَه مع قومه، وصبره في الله، واحتماله ما لم يحتمله نبي قبله، وتلون الأحوال عليه، مِن سِلْم وخوف، وغنى وفقر، وأمن وإقامة، في وطنه وظعن عنه، وتركه لله، وقتل أحبابه، وأوليائه بين يديه، وأذى الكفار له بسائر أنواع الأذى، من القول، والفعل، والسحر، والكذب، والافتراء عليه، والبهتان، وهو مع ذلك كله صابر على أمر الله، يدعو إلى الله ، فلم يؤذ نبي ما أوذي، ولم يحتمل في الله ما احتمله، ولم يعط نبي ما أعطيه، فرفع الله له ذِكره، وقرن اسمه باسمه، وجعله سيد الناس كلهم، وجعله أقرب الخلق إليه وسيلة، وأعظمهم عنده جاهًا، وأسمعهم عنده شفاعة، وكانت تلك المحن والابتلاء عين كرامته، وهي مما زاده الله بها شرفًا، وفضلًا، وساقه بها إلى أعلى المقامات، وهذا حال ورثته من بعده، الأمثل، فالأمثل، كلٌّ له نصيب من المحنة، يسوقه الله به إلى كماله بحسب متابعته له.
” مفتاح دار السعادة ” ( 1 / 299 – 301 ).
- والمسلم جنته في صدره, ولو كان مكبَّلا بأصناف البلاء, يقول ابن القيم – يصف حال شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهو يتنقل في أصناف من البلاء والاختبار -:
قال لي مرة – يعني: شيخ الإسلام – ما يصنع أعدائي بي؟! أنا جنتي وبستاني في صدري، أنَّى رحت فهي معي لا تفارقني، إنّ حبْسي خلوة، وقتْلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة “. وكان يقول في محبسه في القلعة: ” لو بذلت ملء هذه القلعة ذهبًا ما عدل عندي شكر هده النعمة “، أو قال: ” ما جزيتهم على ما تسببوا لي فيه من الخير “، ونحو هذا.
وكان يقول في سجوده وهو محبوس: ” اللهم أعنِّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ما شاء الله، وقال لي مرة: ” المحبوس من حُبس قلبه عن ربه تعالى، والمأسور من أسره هواه “، ولما دخل إلى القلعة وصار داخل سورها نظر إليه وقال: ( فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ ) الحديد/ من الآية 13، وعلم الله ما رأيتُ أحدًا أطيب عيشًا منه قط ، مع كل ما كان فيه من ضيق العيش، وخلاف الرفاهية والنعيم، بل ضدها، ومع ما كان فيه من الحبس، والتهديد، والإرهاق، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشًا، وأشرحهم صدرًا، وأقواهم قلبًا، وأسرهم نفسًا، تلوح نضرة النعيم على وجهه، وكنا إذا اشتد بنا الخوف، وساءت منا الظنون، وضاقت بنا الأرض: أتيناه، فما هو إلا أن نراه، ونسمع كلامه، فيذهب ذلك كله، وينقلب انشراحًا، وقوةً، ويقينًا، وطمأنينة، فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل، فأتاهم من روحها، ونسيمها ، وطيبها، ما استفرغ قواهم لطلبها والمسابقة إليها.
” الوابل الصيب ” ( ص 110 ).
فهذه الجنة التي وجدها شيخ الإسلام ، ويجدها أهل الإيمان والتقوى، من انشراح الصدر، والبال ومن الطمأنينة, والعيش بين الشكر والصبر: لهي والله السعادة التي ينشدها العقلاء، ويطلبها الصالحون، ويسعى إليها الساعون.
وهذه والله هي حقيقة الحياة الطيبة التي وعدهم الله إياها في الدنيا.
رزقنا الله وإياكم إياها, وجعلنا من أهلها.
والله أعلم.


