تطلب منه أمه التنازل عن ميراث أبيه لصالح أخيه وتسيء إليه فماذا يصنع؟

السؤال

أنا شاب، متدين، ومحافظ على ديني وصلاتي، ولا أزكي نفسي على الله، وبار بوالدتي، وأحب لها الخير، وأدعو لها، وأتصدق عنها، وأزورها يومين، وأعيِّد عليها قبل ابنيها، وأعطيها من راتبي كل شهر، لكن المشكلة: أنها تنسى هذا كله، وكأنني لم أفعل شيئًا،  وسبب هذا: أنها تطيع ابنها الأكبر، وتسمع كلامه لو كان كذباً أو خطأً، وهي تعرف أنه كذاب لكن لا تستطيع أن تقول له أنت مخطئ، وعمره 55 سنة، ولا يصلي! وبيته أمام المسجد، ورجل فاسد، لكن أمي تحبه حبًّا جنونيًّا لدرجة أنها تعادي من يعاديه، وتحب من يحبه، وبعد أن نصحتها أن هذا تفريق بين أولادك لا يجوز ولا بد أن تعدلي بينهم، وأن فعلها سوف يبني الحقد والبغض بينهم: لا تلتفت لهذا الكلام، وكان ابنها الأكبر قد أكل ورث إخوته وحقوقهم النقدية، وكان يضغط عليهم – بمساعدة أمي – أن يتنازلوا له عن الأراضي، وحين رفضتُ أنا غضبت أمي عليَّ وعادتني، وكانت تقول: هذا الورث من حقه، وأنتم ليس لكم شيء! ونصحتها أن عملها هذا حرام، فزعلت عليَّ، وصبرتُ عليها، وتحملتُ، وقلت: حقي من ورث والدي لن أتنازل عنه، فصارت تعاديني، وتقف مع ابنها الأكبر، وتحقيري أمام الناس، وإحراجي في المناسبات، ورفضهم أن أُحضرها، مما جعلني في همٍّ وغمٍّ من تحقيرهم لي أمام الناس، وبعد أن عرفتُ أن والدتي لن يتغير طبعها معي وترك الظلم لي وأنها مصرة على الوقوف مع ابنها الأكبر، وخوفًا على ديني، وأن تفلت أعصابي، أو يوسوس لي الشيطان وأخطئ في حق والدتي: تركتها، وتركت زيارتها، وسافرت لمنطقة بعيدة؛ كي أنساهم، لكن – والله العظيم – يا شيخ – إني أتصدق عنها، وأدعو لها في كل صلاتي أن الله يهديها وتترك الظلم وترجع لي الحق وتترك ابنها الذي يوسوس لها مثل الشيطان.

يا شيخ: هل فعلي هذا عقوق؟. ( يا شيخ كثير من الشباب عقوا والديهم بسبب التفريق بينهم ).

الجواب

الحمد لله
أولًا:
ما تفعله من بر والدتك، والإحسان إليها: هو من الأعمال الجليلة، والواجب فعلها من كل ولد تجاه أبويه، وخاصة والدته.
ثانيًا:
وما تقوله من أن التفريق في معاملة الوالدين تجاه أولادهم يؤدي إلى الفرقة، والتباغض، والتحاسد: صحيح، ولذلك منعت الشريعة المطهرة الآباء والأمهات أن يهبوا لأحد أولادهم ما لا يفعلوه مع باقيهم، ومن شأن من خالف هذا أن يسبب بغضًا وتنافرًا في الأسرة الواحدة، سواء تجاه من أعطى منهما، أو من أخذ من إخوانه، وقد يكون البغض لكليهما.
ثالثًا:
وما يطلبه شقيقك وأمك منك أن تتنازل عن نصيبك في ميراث والدك: ليس من العدل في شيء، بل هو من الظلم، ومن أكل الأموال بغير حق، ولا يلزمك طاعة أمك فيه، بل عليهما أن يتقيا الله في طلبهما ذلك منك؛ فإنه لا يحل لهم، وعلى أخيك أن يتقي الله تعالى فيعطي كل ذي حق – من إخوته – حقَّه، وما أخذه من نصيبهم من الميراث فهو سحت يأكله، ومالٌ حرام يطعمه، ونأسف أن نقول إن والدتك شريكة في هذه الحرمة؛ حيث أعانته ومنته من ذلك الأمر، بل وتطلب منك بقوة أن تتنازل عن حصتك من أجله.
وما قلناه إنما هو بحسب الصورة التي ذكرتها لنا، وما خفي من أمور فلا يُحمل كلامنا عليه، فقد تكون الأسرة في حاجة ماسة للنفقة، وليس عندها إلا ميراث أبيك، وينفق أخوك الأكبر عليهم من نصيبهم لعدم توفر مصدر آخر لهم، فهنا لا حرج عليه في أخذه نصيبهم لأجل أن ينفق عليهم، ولا يلزمه النفقة من ماله الخاص مع توفر أموالهم لديهم، فهذه الصورة محتملة، ولكننا لا نجيب السائل إلا بحسب ما يذكره من حال.
رابعًا:
وما فعلتْه أمك معك من الإساءة والتحقير، وما تطلبه منك من إعطاء حصتك في الميراث لأخيك: لا يبيح لك – بحال – أن تعاديها، ولا أن تعقها، ولا أن تترك برَّها والإحسان إليها، نعم، ولا يلزمك طاعتها فيما تطلبه منك من التنازل عن حصتك في الميراث، وقد أمرك الله تعالى بالإحسان إليها وبرَّها حتى لو كانت تجاهدك لتكفر بالله تعالى! فكيف وهي تجاهدك للتنازل عن شيء من لعاع الدنيا؟! فلا يلزمك طاعتها فيما يحرم عليها طلبُه – كالتنازل عن نصيبك في الميراث -، ولا يحل لك ترك برِّها والإحسان إليها بالقول والفعل.
وابتعادك عن البيت قد يكون له آثار إيجابية من مثل ما ذكرت، لكن هذا لا يعفيك من استمرار الاتصال بأمك والسؤال عنها، والإحسان، وعدم قطيعتها، وكذلك إخوتك هم بحاجة إليك وإلى وقوفك بجانبهم، ولذا فإننا ندعوك للتفكر مليًّا بقرارك، ونحن معك فيه إن رأيتَ في قربك منهم خوفًا على دينك، ولسنا معك إن كنت تستطيع الصبر عليهم، مع عدم وقوعك فيما حرَّم الله عليك تجاه والدتك.
وأخبر والدتك بسبب قرارك الابتعاد عنها أنه خشية من الوقوع فيما حرَّم الله عليك من عقوقها، وأخبرها بأن تدعو لها في صلاتك، وأنك تتصدق عنها، فلعلَّ ذلك الإخبار أن يكون سببًا في تغيير موقفها تجاهك.
خامسًا:
ومن الضروري نصح أخيك بالصلاة، وبيان خطر تركها عليه، وكذا تنصح أمك بأن تنقذ ولدها من النار بدلًا من الحرص على دنياه وتجميع المال بين يديه! وقد ثبت كفر تارك الصلاة في القرآن والسنَّة وإجماع الصحابة رضي الله عنهم، فليس الأمر بالهين، ولا باليسير، وماذا ينفعه أن يعيش في الكفر والظلم؟ وما هي السعادة التي ينعم بها؟ إن الحياة أقصر من أن يأمل البقاء فيها، وإن الدنيا أحقر من أن يعيش من أجلها، فليسارع إلى طاعة ربه بإقامة الصلاة، ولتتق أمك ربَّها تعالى من السكوت عن كفره كما سكتت عن ظلمه لإخوته.
 
وقد بيَّنا جواب سابق أن الذي لا يصلي لا تؤكل ذبيحته، ولا يقبل منه عمل، لا زكاة، ولا صيام، ولا حج ولا شيء، والذي لا يصلي ويموت وهو تارك للصلاة لا يدفن في مقابر المسلمين .
 
والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة