نظرات وتأملات في واقع الفتوى في عالَم الإنترنت
السؤال
في العالم المعاصر، وهذا العلم والتكنولوجيا يظهر من يفتي عبر الإنترنت، فما هي معايير من يفتي عبر الإنترنت؟.
الجواب
الحمد لله
لا فرق في الفتوى في كونها من معاصر أو من متقدم، ولا كونها عبر الإنترنت أو الفضائيات أو في قرطاس وكتب، والعبرة في ذلك كله تحقق شرطين مهمين فيمن يتصدى لهذا الأمر الجليل، وهما: العلم، والعدالة.
ونعني بالعلم: العلم بالكتاب والسنَّة وأقوال العلماء، والقدرة على الاستدلال، والقدرة على الاجتهاد والقياس، ومعرفة الناسخ من المنسوخ، والصحيح من الضعيف، وغير ذلك مما ذكره أهل العلم في هذا الباب.
ونعني بالعدالة: أن يتوفر في المفتي التقوى التي تمنعه من الفتوى بالهوى، والتمييع، والقول بالرخصة في غير محلها، وعدم محاباة السائل، أو الرضوخ لضغط واقعه، وإظهار نفسه أنه من أهل الوسط! والمعتدلين! ولو على حساب النصوص القطعية والإجماعات المعتبرة، وغير ذلك مما نأسف لوجوده في عالم الفتوى.
* قال الإمام أحمد – رحمه الله -:
لا ينبغي للرجل أن ينصِّب نفسَه للفتيا حتى يكون فيه خمس خصال:
أولها: أن تكون له نية، فإن لم يكن له نية : لم يكن عليه نور ولا على كلامه نور.
والثانية: أن يكون له علم وحلم ووقار وسكينة.
الثالثة: أن يكون قويًّا على ما هو فيه وعلى معرفته.
الرابعة: الكفاية وإلا مضغه الناس.
الخامسة: معرفة الناس. انتهى.
* قال ابن القيم – رحمه الله – معلِّقًا شارحًا:
وهذا مما يدل على جلاله أحمد، ومحله من العلم والمعرفة، فإن هذه الخمسة هى دعائم المفتي، وأي شيء نقص منها: ظهر الخلل في المفتي بحسبه – وشرع في شرحها -. ” إعلام الموقعين ” ( 4 / 199 ).
والذي رأيناه في الفتوى عبر الإنترنت ليس كله مما نرضى عنه، وهو أقسام:
- فتاوى يكتبها كاتب في منتدى، وقد يكون هذا الكتاب طالب علم قوي، يكتب باسمه الصريح، ويكون معروفًا عند طائفة من أهل العلم، فيجيب بعلم، وقد يكون هذا الكاتب غير معروف بعلم، أو يكون طالب علم لكنه يكتب باسم مستعار، فهنا: لا حرج على من أخذ بفتوى الأول، ولا يجوز له الأخذ بفتوى الأخريين.
- فتاوى في مواقع شخصية، وهي كثيرة، إما مواقع متخصصة بالفتوى، أو يكون صاحب الموقع قد أفرد جزء من موقعه لتلقي الأسئلة والإجابة عليها، وهنا نقول: إذا كان صاحب الموقع – المفتي – معروفًا بالعلم والعدالة: فلا حرج على من سأله أن يعمل بفتواه، ولا يحل سؤال من لا يُعرف بعلم أو عدالة، فثمة مواقع كثيرة لأهل الجهل والتمييع، ومواقع لأهل البدع والضلال، فمثل هؤلاء لا يحل سؤالهم، ولا العمل بفتاواهم.
- فتاوى لعلماء ثقات كبار، وقد تكون الفتاوى مجموعة من كتبهم وأشرطتهم، مفهرسة، منسقة، محققة، وإما أن تكون كذلك مع إمكانية استقبال أسئلة والإجابة عليها، وهنا نقول: أنه لا حرج على من أخذ بفتوى هؤلاء الأئمة ممن جهل الحكم الشرعي في مسألة، ومثل هؤلاء أهل للسؤال والاستفتاء.
* ونذكر من هذه المواقع: موقع ” اللجنة الدائمة في السعودية “، وموقع ” الشيخ عبد العزيز بن باز “، وموقع ” الشيخ محمد بن صالح العثيمين “، وموقع ” الشيخ عبد الله بن جبرين “، وموقع ” الشيخ صالح الفوزان “.
- فتاوى في مواقع جماعية، ونعني به: مواقع تجمع طلبة علم وباحثين، يتلقى الموقع أسئلة الداخلين لذلك الموقع، ويتم توزيع الأسئلة على المتخصصين من أولئك الباحثين بموضوع ذلك السؤال، ويكون عرض لتلك الفتوى على مراجع متخصص، أو على لجنة إشراف، وأحيانًا يكون ثمة عرض على مشرف عام على الفتوى، لاعتمادها، ولتأخذ طريقها للنشر.
وهنا نقول:
إننا نرى أن هذه المواقع هي أولى من غيرها – بعد مواقع الأئمة الكبار – بالسؤال والاستفتاء؛ لما فيها من دقة، ومن عمل جماعي.
ومذكر من هذه المواقع: موقعنا هذا، وموقع ” الشبكة الإسلامية “؛ فكلاهما له الطريقة نفسها – مجملًا – في تلقي الأسئلة والإجابة عنها.
- وما قلناه في المواقع نقوله في ” غرف البالتوك ” سواء بسواء.
هذا فيما يتعلق بالفتوى عبر الإنترنت، وأما فتاوى ” الفضائيات ” فإن أمرها يختلف، وليس بالأمر السهل أن يجيب المفتي على السائل مباشرة دون نظر في الأدلة، وتحقيق لها، وتأييد فتواه بفتاوى من قبله من أهل العلم، ولذلك نرى أن الفتاوى العلمية في مواقع الإنترنت الموثوقة أولى بالسؤال من مشايخ الفضائيات؛ لوجود الوقت الواسع في تقليب النظر في السؤال، وفهمه، والبحث في الأدلة، وأقوال العلماء، ولوجود لجنة مراجعة للإجابة، ثم إشراف ومتابعة، مع تقديرنا لجهودهم، ونوصيهم بالتأني، وفهم السؤال، ومعرفة واقع وعرف بلد السائل، والقول لما لا يعرفونه ” الله أعلم “.
والله أعلم.


