متى تقوم شهادة امرأتين مقام شهادة رجل؟ وما الفرق بين الشهادة والرواية؟

السؤال

هل تساوي شهادة المرأتين شهادة الرجل الواحد في كل الأحوال؟ وإذا كانت كذلك: فكيف سيعاقب المجرم إذا كان الشاهد على الجريمة امرأة واحدة أو أربع شاهدات على الزنا؟.

وماذا عن السيدة عائشة رضي الله عنها والتي روت الكثير من الأحاديث على عهدتها دون التثبت من أي راو آخر ( على سبيل المثال: كثير من الأحاديث المتعلقة بالعلاقات الزوجية ).

الجواب

الحمد لله

أولًا:

أ. قصر جمهور الفقهاء قبول المرأتين بدلًا من رجل على الشهادة على ما هو مال أو بمعنى المال، كالبيع، والإقالة، والحوالة، والضمان، والحقوق المالية، كالخيار، والأجل, وغير ذلك.

ب. وأضاف إليه الحنفية: شهادتهما على النكاح والطلاق والنسب.

قال ابن حجر – رحمه الله تعالى -:

وقول الله تعالى: ( فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ ) قال ابن المنذر: أجمع العلماء على القول بظاهر هذه الآية، فأجازوا شهادة النساء مع الرجال، وخص الجمهور ذلك بالديون والأموال، وقالوا: لا تجوز شهادتهن في الحدود والقصاص، واختلفوا في النكاح والطلاق والنسب والولاء فمنعها الجمهور، وأجازها الكوفيون.

” فتح الباري ” ( 5 / 266 ).

مع التنبيه على أن مذهب الحنفية والرواية عن أحمد أن لا تكون الشهادة كلها من نساء، بل يشترطون وجود رجل فيها.

قال ابن قدامة – رحمه الله -:

وعن أحمد أنه قال: ” إذا تزوج بشهادة نسوة: لم يجز، وإن كان معهن رجل: فهو أهون “، فيحتمل أن هذا رواية أخرى في انعقاده بذلك، وهو قول أصحاب الرأي، ويروى عن الشعبي؛ لأنه عقد معاوضة، فانعقد بشهادتهن مع الرجال كالبيع. ” المغني ” ( 7 / 337 ).

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 26 / 227 ):

وقال الحنفية: ما يقبل فيه شاهدان، أو شاهد وامرأتان: هو ما سوى الحدود والقصاص سواء أكان الحق مالا أم غير مال، كالنكاح والطلاق والعتاق والوكالة والوصاية. انتهى.

ج. وأكثر أئمة العلم – ومنهم الأئمة الأربعة – على عدم قبول شهادة النساء في الحدود، فلا تقوم المرأتين مقام الرجل، وخالف فيه الظاهرية، والشيخ عبد الرحمن السعدي، فهو يرى – رحمه الله – قول الظاهرية أن شهادة المرأتين تقوم مقام شهاد الرجل في كل شيء، كما تجده في ” المجموعة الكاملة لمؤلفات الشيخ عبد السعدي ” ( 4 / 188 ، 189 ) ولقولهم وجه قوي.

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 24 / 37 ):

ذهب جمهور الفقهاء ( الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة ) إلى اشتراط الذكورة في شهود الزنى، فلا بد أن يكونوا رجالا كلهم، للنصوص السابقة.

ولا تقبل شهادة النساء في الزنى بحال؛ لأن لفظ الأربعة اسم لعدد المذكورين، ويقتضي أن يكتفي به بأربعة، ولا خلاف في أن الأربعة إذا كان بعضهم نساء لا يكتفى بهم، وأن أقل ما يجزئ خمسة، وهذا خلاف النص: ( أَنْ تَضِل إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأخْرَى ) البقرة/ 282، والحدود تدرأ بالشبهات.

وقال ابن عابدين: لا مدخل لشهادة النساء في الحدود. انتهى.

والراجح في كل ما سبق: أن المرأتين تقومان مقام الرجل في كل شيء إلا في الحدود، وهو مذهب الحنفية، وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها بعض أصحابه، وهو قول الشيخ العثيمين.

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

وقال بعض أهل العلم: بل إن المرأتين تقومان مقام الرجل إلا في الحدود؛ من أجل الاحتياط لها، واستدل هؤلاء بعموم قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: ( أَلَيْسَ شَهَادَةُ المَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ ) – متفق عليه – وأطلق ولم يفصل، ثم إن الله تعالى ذكر العلة في اشتراط العدد في النساء، وهي: أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى، ولم يذكر أن العلة المال، بل العلة: أن تقوَى المرأة بالمرأة فتذكِّرَها إذا نسيت، وهذا يكون في الشهادة في الأموال وفي غير الأموال، إلا ما سُلِكَ فيه طريق الاحتياط، ويكون كذلك في المرأة معها رجل أو ليس معها رجل، وهذا القول هو الراجح، فالقول الصحيح: أن المرأتين تقومان مقام الرجل مطلقًا، إلا في الحدود؛ للاحتياط لها؛ لقوله تعالى: ( ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ) النور/ 4، فهو نص صريح في وجوب الذكورية. ” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 15 / 453 ).

ثانيًا:

وأما قول الأخ السائل ” فكيف سيعاقب المجرم إذا كان الشاهد على الجريمة امرأة واحدة أو أربع شاهدات على الزنا؟ “: فالجواب عليه: أن هذا مثل: شهود رجل واحد على آخر بالقتل، ومثل: شهود ثلاثة رجال على آخر بالزنى، فكيف سنعاقب المشهود عليهم؟! بل في الحالة الثانية نعاقب الشهود الثلاثة بحد القذف! فاشتراط العدد أو الذكورية في الشهادة يوجب على القاضي عدم اعتماد شهادة اختل شيء من شروطها، والإسلام لا يحرص على عقوبة الناس حتى يأتي مثل هذا الاستدراك، بل إنه ليدرأ الحدود بالشبهات.

ثالثًا:

وقول الأخ السائل ” وماذا عن السيدة عائشة رضي الله عنها والتي روت الكثير من الأحاديث على عهدتها دون التثبت من أي راو آخر “: فيه عدم ضبط لمسألة مهمة، وهي ” الفرق بين الشهادة والرواية ” فهو يريد تطبيق قواعد الشهادة على الرواية فلا تُقبل رواية امرأة إلا وأت تؤيَّيد برواية امرأة معها! وهذا خطأ بيِّن، فبين الشهادة والرواية فروقات كثيرة أوصلها السيوطي رحمه الله إلى واحد وعشرين فرقًا.

ومما قاله رحمه الله:

وأما الأحكام التي يفترقان فيها – ( أي: الشهادة والرواية ) – فكثيرة، لم أر من تعرض لجمعها، وأنا أذكر منها ما تيسر:

الأول: العدد، لا يشترط في الرواية بخلاف الشهادة، وقذ ذكر ابن عبد السلام في مناسبة ذلك أمورًا، أحدها: أن الغالب من المسلمين مهابة الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلاف شهادة الزور، الثاني: أنه قد ينفرد بالحديث راو واحد فلو لم يقبل لفات على أهل الإسلام تلك المصلحة بخلاف فوت حق واحد على شخص واحد، الثالث: أن بين كثير من المسلمين عداوات تحملهم على شهادة الزور بخلاف الرواية عنه صلى الله عليه وسلم.

الثاني: لا تشترط الذكورية فيها مطلقًا، بخلاف الشهادة في بعض المواضع.

الثالث: لا تشترط الحرية فيها، بخلاف الشهادة مطلقًا.

” تدريب الراوي ” ( 1 / 332 ) وانظر الكتاب إن أردت الفائدة.

وقال الشيخ عبد الرحمن المعلمي اليماني – رحمه الله -:

أن عماد الرواية الصدق ومعقول أن يشدد فيها فيما يتعلق به ما لم يشدد في الشهادة وقد خفف في الرواية في غير ذلك ما لم يخفف في الشهادة، تقوم الحجة بخبر الثقة ولو واحدًا أو عبدًا أو امرأةً أو جالب منفعة إلى نفسه أو أصله أو فرعه أو ضرر على عدوه كما يأتي، بخلاف الشهادة، فلا يليق بعد ذلك أن يخفف في الرواية فيما يمس عمادها. ” التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل ” ( 1 / 218 ).

وقال الإمام الشافعي – رحمه الله – قبلهما:

قد يخالف الشهادات في أشياء ويجامعها في غيرها.

قلت: وأين يخالفها؟.

قلت: أقبل في الحديث: الواحد، والمرأة، ولا أقبل واحدًا منهما وحده في الشهادة، وأقبل في الحديث: حدثني فلان عن فلان إذا لم يكن مدلِّسا، ولا أقبل في الشهادة إلا: سمعت، أو رأيت أو أشهدني. ” الرسالة ” ( ص 372 ، 373 ).

وقد سئل علماء اللجنة الدائمة في المملكة العربية السعودية سؤالًا مطابقًا لسؤالك، وأجابو بنحو ما أجبنا أعلاه، وننقله لك للفائدة:

فقد سئلوا:

لماذا نسلِّم بقبول رواية امرأة واحدة للحديث مع أننا في الشهادة في الحالات العادية نطبق قول الله عز وجل: ( فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى ) البقرة/ من الآية 282، وفي علم الحديث يُطلب التثبت أكثر، وخاصة أن هناك أحاديث كثيرة جدًّا في الصحيحين عن عائشة، فهل يعتمد مثلا قول ابن حجر في تجريح رجل ولا يؤخذ قول الله عز وجل: ( أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا ).

نسأل الله عز وجل أن يوفقكم في الرد الشافي على هذا الموضوع الذي يراودني دائما ولا أحدث به أحدًا؟.

فأجابوا:

أولًا: الصحيح أنه لا يشترط في قبول الرواية العدد، بل يكفي في أداء الحديث وقبوله: واحد، سواء كان رجلًا أو امرأة، إذا كان عدلًا ضابطًا مع اتصال السند وعدم الشذوذ والعلة القادحة؛ لاكتفاء النبي صلى الله عليه وسلم في البلاغ بإرسال واحد كمعاذ بن جبل إلى اليمن، ودحية الكلبي بكتابه إلى هرقل، ونحو ذلك، وكعلي بن أبي طالب إلى مكة في السنة التاسعة من الهجرة لينادي الناس في موسم الحج ألا يحج بعد العام مشرك وألا يطوف بالبيت عريان، وأما النساء: فقد أمر الله تعالى نساءَ النبي صلى الله عليه وسلم أن يبلِّغن ما يُتلى في بيوتهن من آيات الله والحكمة، فقال تعالى: ( وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا ) الأحزاب/ 34، ولولا قبول روايتهن للقرآن والسنَّة لما أمرهن بالبلاغ، وقد كانت إحداهن تشترك أحيانًا مع أخرى في البلاغ، وتنفرد به أحيانًا، كما هو واضح لمن تتبع الروايات عنهن، ولم يُنكِر ذلك أحدٌ عليهن، ولا على من أخذ عنهن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولا في عهد أصحابه رضي الله عنهم، فكان قبول الرواية عنهن وعن إحداهن ثابتًا بالكتاب وإقرار النبي صلى الله عليه وسلم وإجماع صحابته رضي الله عنهم، واستمر على ذلك العمل في القرون الثلاثة التي شهد لها النبي صلى الله عليه وسلم بالخير وفيما بعدها، بل أجمع الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم على قبول رواية المرأة مطلقًا، منفردة، ومشتركة مع غيرها كالرجل، إذا توفر فيها شروط القبول.

ثانيًا: ليست الشهادة والرواية على حدٍّ سواء من كل وجه، بل تفترقان في أمور منها: أن الرواية إخبار عن أمر عام للراوي وغيره لا ترافع فيه إلى الحكام، بخلاف الشهادة فإنها في قضايا عينية تخص المشهود عليه وله، يترافع في مثلها إلى الحكام غالبًا.

ومنها: أن الرواية لا يشترط في قبولها العدد كما تقدم، بخلاف الشهادة فقد يشترط فيها أربعة من الرجال كما في حد الزنا والقذف، وقد يشترط رجلان كما في القتل عمدًا، وقد يكتفى برجل وامرأتين كما في الحقوق المالية، وقد يُكتفى بامرأة واحدة، كقول المرضعة في ثبوت الرضاع.

ومنها: أن الشهادة لكونها خاصة بالمشهود عليه والمشهود له لا تتعداهما إلا بالتبعية المحضة ردت بالقرابة والعداوة وتطرق التهم، بخلاف الرواية فإنها يكفي فيها ما يغلب على الظن صدق المخبر من العدالة والضبط، سواء كان الراوي رجلًا أم امرأة، واحدًا أم أكثر.

ومنها: أن بين كثير من المسلمين عداوة قد تحمله على شهادة الزور، بخلاف الرواية عنه صلى الله عليه وسلم.

قال ابن القيم في الجزء الأول من ” بدائع الفوائد “:

الفرق بين الشهادة والرواية: أن الرواية يعم حكمها الراوي وغيره على ممر الزمان، والشهادة تخص المشهود عليه وله ولا تتعداهما إلا بطريق التبعية المحضة، فإلزام المعين يتوقع منه العداوة وحق المنفعة والتهمة الموجبة للرد، فاحتيط لها بالعدد والذكورية، وردت بالقرابة والعداوة وتطرق التهم، ولم يُفعل مثل هذا في الرواية التي يعم حكمها ولا يخص، فلم يشترط فيها عدد ولا ذكورية، بل اشترط فيها ما يكون مغلبا على الظن صدق المخبر، وهو العدالة المانعة من الكذب، واليقظة المانعة من غلبة السهو والتخليط، ولما كان النساء ناقصات عقل ودين: لم يكنَّ من أهل الشهادة، فإذا دعت الحاجة إلى ذلك: قويت المرأة بمثلها؛ لأنه حينئذ أبعد من سهوها وغلطها لتذكير صاحبتها لها. اهـ.

ثالثًا: الذين قاموا بنقد رواة أحاديث دواوين السنة ودواوين السيرة والتاريخ تعديلًا وجرحًا جماعة من أئمة الحديث معروفون، لهم بصيرة ثاقبة في ذلك، عاصروا من نقدوهم وحكموا فيهم بما عرفوا عنهم، ولم يفرقوا في منهج نقدهم بين رجل وامرأة، بل هما سواء لديهم في الجرح والتعديل، أما من جاء بعدهم ممن لم يعاصر أولئك الرواة كابن حجر العسقلاني رحمه الله: فإن شأنه مع أولئك الرواة نقل أقوال من عاصرهم من الأئمة فيهم، ومناقشة سندها إليهم، والترجيح بينها إذا تعارضت، ونحو ذلك، تعديلهم أو تجريحهم؛ لعدم معاصرته إياهم.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 4 / 360 – 364 ).

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة