اختلاف أجور الطاعات باختلاف مقاصد فاعليها ومتى يكون المباح قربة وطاعة

السؤال

كيف نوجِّه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم – كما جاء عند أبي داود برقم ( 2516 ) و حسَّنه الألباني -: ” أن رجلا قال: يا رسول الله رجل يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي عرَضًا من عرض الدنيا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا أجر له ) فأعظم ذلك الناس وقالوا للرجل: عُد لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلعلك لم تفهمه فقال: يا رسول الله رجل يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي عرَضًا من عرَض الدنيا فقال ( لا أجر له ) فقالوا للرجل: عُد لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له الثالثة فقال له ( لا أجر له ) “.

فهل يُحمل مثل ابتغاء فضل الله في الحج فيستطيع الرجل الجهاد مع طلبه المغنم أم لا يصح جهاده حتى تعف نفسه عن المغنم؟.

وأيضًا: هل يمكن الاستدلال على طلب عرضٍ من أعراض الدنيا الحلال بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم – كما جاء بسند حسن في ” السلسلة الصحيحة ” رقم ( 6 / 1225 ) -: ( يا جدّ هل لك في جِلاد بني الأصفر؟ ) قال جدّ: أو تأذن لي يا رسول الله فإني رجل أحب النساء وإني أخشى إن أنا رأيت بنات بني الأصفر أن أُفتن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم – وهو معرض عنه – ( قد أذنتُ لك ) فعند ذلك أنزل الله ( ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا ).

وآخر استفساراتي: هل يثاب المرء على أعمال الخير – الصالحة أعني – وإن كان لا ينوي الآخرة وإنما يعمله من باب عادته مثل: القيام بمساعدة الآخرين، وبر الوالدين لأنه يحبهما ويرفق بهما، وكذلك رعايته بزوجته لأنه يحبها – أقصد من طُبعَ على ذلك مثل حديث ” أشج بن قيس ” – وإن كان الرجل يثاب على فعل الخير بعاداته وإن لم يكن فيه استحضار للآخرة: فكيف نوجه أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل: ” في بُضع أحدنا صدقة ” و ” إطعام الأهل إذا احتسبه صدقة ” …؟.

جزاكم الله خيرًا

الجواب

الحمد لله

أولًا:

للإجابة على الشق الأول من سؤالك نقول:

ما شرعه الله تعالى من الطاعات والعبادات قسمان:

الأول: منه ما لم يَذكر له أجرًا دنيويًّا.

والثاني: ما ذَكر له ذلك؛ لحث المسلم على أدائه والقيام به.

أما القسم الأول: فهذا لا يجوز أن يكون مع العمل نية أخرى، وهذا يصدق على أكثر الطاعات والعبادات، وعلى رأسها الصلاة، فمن صلَّى ومع نية الصلاة نية تمرين للجسم: فلا يؤجر عليها، ومن صام ومع نية الصوم نية تخفيف الوزن: فلا يؤجر على صيامه؛ وذلك أنه لم يُذكر في الشرع أن تلك الطاعات شرعت لتلك الفوائد والمنافع ولم يأت الحث عليها من أجل تحصيلها، فتكون نيتها غير داخلة في دائرة الجواز، نعم، يمكن أن تلحق تلك الفوائد بتلك العبادات لكن لا تُنوى؛ لأنها عبادات وطاعات لا تحتمل غير نية التقرب.

وأما القسم الثاني: فيجوز أن ينوي المسلم النية الأخرى الجائزة مع نية العبادة، ولولا أنه يجوز للمسلم أن ينوي النية الأخرى لما كان لذكرها في الشرع فائدة، ومن أمثلة ذل:

أ. صلة الرحم، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن صلة الرحم تكون سببًا لبسط الرزق والبركة – أو الزيادة – في العمُر.

عنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ: فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ ). رواه البخاري ( 1961 ) ومسلم ( 2557 ).

ب. الحج، وقد أباح الله تعالى فيه – مع نية العبادة – الابتغاء من فضله بالتجارة.

قال تعالى ( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ ) البقرة/ 198.

ج. الجهاد، وقد أباح النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون مع الجهاد نية الحصول على الغنائم والسراري.

عن أبي قتادة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم – عام حنين -: ( مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ ). رواه البخاري ( 2973 ) ومسلم ( 1751 ).

– والسَّلَب: هو ما يوجد مع المحارب من مال ومتاع ولباس وسلاح.

ومنه حديث جدّ بن قيس الذي ذكره السائل – على فرض حُسنه – وفيه قوله صلى الله عليه وسلم له ( يا جدّ – وهو ابن قيس – هل لك في جِلاد بني الأصفر – يعني الروم – تتخذ منهم سراري ووُصفاء؟ ).

وما ذكرناه من تلك الطاعات والعبادات مما يجوز للمسلم أن ينوي مع الطاعة أمرًا دنيويًّا ليس يستوي الناس فيه في الأجور، فكلما قويت نية العبادة زاد أجر فاعلها، وكلما قويت نية الحظ الدنيوي نقص الأجر الأخروي، فإذا نوى الفاعل لها الحظ الدنيوي لا غير: حُرِم من الأجور الأخروية، وبذلك تُفهم النصوص الثابتة مما ذكره الأخ السائل ومما لم يذكره.

وبيان ذلك في مثال واحد – وهو باب الجهاد مما استشكله السائل -:

  1. فمن جاهد في سبيل الله تعالى فقتُل: فقد تمَّ له الأجر كاملًا، وكذا لو لم يقتل لكنه لم يصب من الغنيمة شيئًا.
  2. وإذا غنِم المجاهد في سبيل الله شيئًا فإن ما حصَّله من غنائم يكون جزءً من أجوره، وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يقي لهم من أجورهم الثلث ليوم القيامة.

وتجد هذين الأمرين في حديث واحد صحيح:

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: ( مَا مِنْ غَازِيَةٍ تَغْزُو فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَيُصِيبُونَ الْغَنِيمَةَ إِلاَّ تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أَجْرِهِمْ مِنَ الآخِرَةِ وَيَبْقَى لَهُمُ الثُّلُثُ وَإِنْ لَمْ يُصِيبُوا غَنِيمَةً تَمَّ لَهُمْ أَجْرُهُمْ ). رواه مسلم ( 1906 ).

وفي رواية: ( مَا مِنْ غَازِيَةٍ أَوْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فَتَغْنَمُ وَتَسْلَمُ إِلاَّ كَانُوا قَدْ تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أُجُورِهِمْ وَمَا مِنْ غَازِيَةٍ أَوْ سَرِيَّةٍ تُخْفِقُ وَتُصَابُ إِلاَّ تَمَّ أُجُورُهُمْ ).

وقد عقل الصحابة رضي الله عنهم هذا الأمر وبيَّنوا أن منهم من مات ولم يأكل من أجره شيئًا ومنهم من حصَّل منه شيئًا وهي الغنائم.

عن خَبَّاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: ” هَاجَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَلْتَمِسُ وَجْهَ اللَّهِ فَوَقَعَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ فَمِنَّا مَنْ مَاتَ لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهُوَ يَهْدِبُهَا “.

رواه البخاري ( 1217 ) ومسلم ( 940 ).

وما ذكرناه لا يتعارض مع حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( تَضَمَّنَ اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَإِيمَانًا بِي وَتَصْدِيقًا بِرُسُلِي فَهُوَ عَلَيَّ ضَامِنٌ أَنْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ أَرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ نَائِلًا مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ ). رواه البخاري ( 2955 ) ومسلم ( 1876 ).

فإنه مطلَق والسابق مقيَّد، ففي هذا الحديث ذِكر أنهم يحصلون أجورًا لكن لم يتعرض الحديث لنقصها مع الغنيمة، وقد بيَّنته الروايات السابقة الصحيحة.

قال النووي – رحمه الله -:

وأما معنى الحديث: فالصواب الذي لا يجوز غيره: أن الغزاة إذا سلموا أو غنموا يكون أجرهم أقل من أجر من لم يسلَم، أو سلم ولم يغنم، وأن الغنيمة هي فى مقابلة جزء من أجر غزوهم، فإذا حصلت لهم: فقد تعجلوا ثلثي أجرهم المترتب على الغزو، وتكون هذه الغنيمة من جملة الأجر، وهذا موافق للأحاديث الصحيحة المشهورة عن الصحابة كقوله ” منَّا من مات ولم يأكل من أجره شيئًا ومنَّا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها ) أي: يجتنيها.

فهذا الذي ذكرنا هو الصواب، وهو ظاهر الحديث، ولم يأت حديث صريح صحيح يخالف هذا، فتعين حمله على ما ذكرنا.

وقد اختار القاضي عياض معنى هذا الذي ذكرناه بعد حكايته فى تفسيره أقوالًا فاسدة منها: قول من زعم أن هذا الحديث ليس بصحيح، ولايجوز أن ينقص ثوابهم بالغنيمة كما لم ينقص ثواب أهل بدر وهم أفضل المجاهدين وهي أفضل غنيمة، قال: وزعم بعض هؤلاء أن أبا هانئ حميد بن هانئ راوية مجهول ورجحوا الحديث السابق في أن المجاهد يرجع بما نال من أجر وغنيمة فرجحوه على هذا الحديث لشهرته وشهرة رجاله، ولأنه فى الصحيحين وهذا في ” مسلم ” خاصة.

وهذا القول باطل من أوجه:

فإنه لا تعارض بينه وبين هذا الحديث المذكور فإن الذي في الحديث السابق رجوعه بما نال من أجر وغنيمة ولم يقل إن الغنيمة تُنقص الأجر أم لا، ولا قال: أجره كأجر من لم يغنم، فهو مطلق وهذا مقيد فوجب حمله عليه.

وأما قولهم: أبو هانئ مجهول: فغلط فاحش، بل هو ثقة مشهور، روى عنه الليث بن سعد وحيوة وبن وهب وخلائق من الأئمة، ويكفي فى توثيقه احتجاج مسلم به فى صحيحه.

وأما قولهم: إنه ليس فى الصحيحين: فليس لازمًا فى صحة الحديث كونه فى الصحيحين، ولا فى أحدهما.

وأما قولهم في غنيمة ” بدر “: فليس في غنيمة ” بدر ” نصٌّ أنهم لو لم يغنموا لكان أجرهم على قدر أجرهم وقد غنموا فقط، وكونهم مغفورًا لهم مرضيًّا عنهم ومِن أهل الجنة لا يلزم ألا تكون وراء هذا مرتبة أخرى هي أفضل منه مع أنه شديد الفضل عظيم القدر.

ومن الأقوال الباطلة: ما حكاه القاضي عن بعضهم أنه قال: لعل الذى تعجل ثلثي أجره إنما هو في غنيمة أخذت على غير وجهها! وهذا غلط فاحش؛ إذ لو كانت على خلاف وجهها لم يكن ثلث الأجر.

وزعم بعضهم أن المراد: أن التى أخفقت يكون لها أجر بالأسف على ما فاتها من الغنيمة فيضاعف ثوابها كما يضاعف لمن أصيب فى ماله وأهله! وهذا القول فاسد مباين لصريح الحديث.

وزعم بعضهم أن الحديث محمول على من خرج بنية الغزو والغنيمة معًا فنقص ثوابه، وهذا أيضًا ضعيف، والصواب ما قدمناه، والله أعلم. ” شرح مسلم ” ( 13 / 52 ، 53 ).

  1. ومن خرج للغزو لا نية له إلا الغنيمة: لم يحصِّل من أجور المجاهد شيئًا.

وعليه يُحمل الحديث الذي ذكره السائل وفيه قوله صلى الله عليه وسلم ( لا أجر له )، وقد جاء في سؤال السائل أن ذلك المجاهد ” يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي عرَضًا من عرض الدنيا “.

ومنه أيضًا:

عن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مَنْ غَزَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَمْ يَنْوِ إِلَّا عِقَالًا فَلَهُ مَا نَوَى ). رواه النسائي ( 3138 ) وحسنه الألباني في ” صحيح النسائي “.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ففرْقٌ بين مَن يكون الدِّين مقصوده والدنيا وسيلة، ومن تكون الدنيا مقصوده والدين وسيلة، والأشبه: أن هذا ليس له في الآخرة من خَلاق، كما دلت عليه نصوص ليس هذا موضعها . ” مجموع الفتاوى ” ( 26 / 20 ).

وقال ابن رجب – رحمه الله -:

فإنْ خالطَ نيَّةَ الجهادِ مثلاً نيّةٌ غير الرِّياءِ، مثلُ أخذِ أجرة للخِدمَةِ، أو أخذ شيءٍ مِنَ الغنيمةِ، أو التِّجارة: نقصَ بذلك أجرُ جهادهم، ولم يَبطُل بالكُلِّيَّة، وفي ” صحيح مسلم ” عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: ( إنَّ الغُزَاةَ إذا غَنِموا غنيمةً تعجَّلوا ثُلُثي أجرِهِم فإنْ لم يغنَمُوا شيئاً تمَّ لهُم أجرُهم ).

وقد ذكرنا فيما مضى أحاديثَ تدلُّ على أنَّ مَنْ أراد بجهاده عَرَضًا مِنَ الدُّنيا أنَّه لا أجرَ له، وهي محمولةٌ على أنَّه لم يكن له غرَضٌ في الجهاد إلاَّ الدُّنيا.

وقال الإمامُ أحمدُ: التَّاجِرُ والمستأجر والمُكاري أجرهم على قدر ما يخلُصُ من نيَّتهم في غزاتِهم ، ولا يكونُ مثل مَنْ جاهَدَ بنفسه ومالِه لا يَخلِطُ به غيرَهُ.

وقال أيضًا فيمن يأخذُ جُعْلًا على الجهاد: إذا لم يخرج لأجلِ الدَّراهم: فلا بأس أنْ يأخذَ، كأنّه خرجَ لدينِهِ، فإنْ أُعطي شيئًا أخذه.

وكذا رُوي عن عبد الله بن عمرٍو قال: إذا أجمعَ أحدُكم على الغزوِ فعوَّضَه الله رزقًا: فلا بأسَ بذلك، وأمَّا إنْ أحَدُكُم إنْ أُعطي درهمًا غزا وإنْ مُنع درهمًا مكث: فلا خيرَ في ذلك. وكذا قال الأوزاعي: إذا كانت نيَّةُ الغازي على الغزو: فلا أرى بأسًا.

وهكذا يُقالُ فيمن أخذَ شيئًا في الحَجِّ ليحُجَّ به: إمَّا عَنْ نفسه، أو عَنْ غيرِه، وقد رُوي عَنْ مُجاهد أنّه قال في حجِّ الجمَّال وحجِّ الأجيرِ وحجِّ التَّاجِر: هو تمامٌ لا يَنقُصُ من أُجُورهم شيءٌ، وهذا محمولٌ على أنَّ قصدهم الأصليَّ كان هو الحجَّ دُونَ التَّكسُّب. ” جامع العلوم والحكم ” ( ص 17 ).

ثانيًا:

وأما بخصوص الأعمال المباحة واكتساب الأجور منها: فإن هذا ممكن في الشرع إذا احتسب المسلم تلك الأفعال لله تعالى، فينوي مع الاستمتاع بكونها مباحة أن تكون قربة له عند ربه عز وجل، كأن يحتسب نومته ليتقوى بها على طاعة ربه، وما لم ينوِ من ذلك شيئًا: لم يُؤجر.

قالَ مُعَاذُ بنُ جبَل رضي الله عنه لأبي موسى الأشعري لمّا سأله عن قيام الليل: أَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ فَأَقُومُ وَقَدْ قَضَيْتُ جُزْئِي مِنْ النَّوْمِ فَأَقْرَأُ مَا كَتَبَ اللَّهُ لِي فَأَحْتَسِبُ نَوْمَتِي كَمَا أَحْتَسِبُ قَوْمَتِي. رواه البخاري ( 4086 ).

وما سبق فهو في المباح يصير طاعة وقربة، وفي السنَّة الصحيحة أنه يمكن أن يصير أداء الواجب فيه أجر وثواب إذا احتسب المسلم عند فعله الطاعة أنه يمتثل لربه تعالى، وأنه يريد الأجر منه تعالى، فتصير نفقته الواجبة عليه صدقة له.

وبذلك تُفهم الأحاديث الثابتة في الباب، والتي منها ما أشار إليها الأخ السائل، وهما حديثان:

الأول:

عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ ). رواه البخاري ( 56 ) ومسلم ( 1628 ).

قال النووي – رحمه الله -:

فيه: استحباب الإنفاق في وجوه الخير، وفيه: أن الأعمال بالنيات، وأنه إنما يثاب على عمله بنيته، وفيه: أن الإنفاق على العيال يثاب عليه إذا قصد به وجه الله تعالى، وفيه: أن المباح إذا قصد به وجه الله تعالى: صار طاعة ويثاب عليه، وقد نبَّه صلى الله عليه وسلم على هذا بقوله صلى الله عليه وسلم ( حتى اللقمة تجعلها في في امرأتك ) لأن زوجة الإنسان هي من أخص حظوظه الدنيوية وشهواته وملاذه المباحة، وإذا وضع اللقمة في فيها: فإنما يكون ذلك في العادة عند الملاعبة والملاطفة والتلذذ بالمباح، فهذه الحالة أبعد الأشياء عن الطاعة وأمور الآخرة، ومع هذا فأخبر صلى الله عليه وسلم أنه إذا قصد بهذه اللقمة وجه الله تعالى: حصل له الأجر بذلك، فغير هذه الحالة أولى بحصول الأجر إذا أراد وجه الله تعالى، ويتضمن ذلك: أن الإنسان إذا فعل شيئًا أصله على الإباحة وقصد به وجه الله تعالى: يثاب عليه، وذلك كالأكل بنية التقوي على طاعة الله تعالى، والنوم للاستراحة ليقوم إلى العبادة نشيطًا، والاستمتاع بزوجته وجاريته ليكف نفسه وبصره ونحوهما عن الحرام وليقضي حقها وليحصل ولدًا صالحًا، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم ( وفي بُضع أحدكم صدقة ). ” شرح مسلم ” ( 11 / 77 ، 78 ).

والثاني:

عَنْ أَبِى مَسْعُودٍ الْبَدْرِىِّ عَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( إِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا أَنْفَقَ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةً وَهُوَ يَحْتَسِبُهَا كَانَتْ لَهُ صَدَقَةً ). رواه البخاري ( 5036 ) ومسلم ( 1002 ).

والفرق:

قال ابن الجوزي – رحمه الله -:

معنى ( يحتسبها ): ينوي بها طاعة الله، ويرجو ثوابها منه، فبذلك تجري نفقته مجرى الصدقة. ” كشف المشكل من حديث الصحيحين ” ( 1 / 434 ).

قال النووي – رحمه الله – :

ومعناه: أراد بها وجه الله تعالى، فلا يدخل فيه من أنفقها ذاهلًا، ولكن يدخل المحتسب، وطريقه في الاحتساب: أن يتذكر أنه يجب عليه الإنفاق على الزوجة وأطفال أولاده والمملوك وغيرهم ممن تجب نفقته على حسب أحوالهم واختلاف العلماء فيهم، وأن غيرهم ممن ينفق عليه مندوب إلى الإنفاق عليهم، فينفق بنية أداء ما أُمر به، وقد أمر بالإحسان اليهم. ” شرح مسلم ” ( 7 / 88 ، 89 ).

ونأمل أن نكون قد أجبنا عن الاستفسارات وأزحنا الإشكالات، ونسأل الله تعالى لنا ولك العلم النافع والعمل الصالح.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة