وقفات مع كتب ” حياة الصحابة ” و ” كنز العمال ” و ” حلية الأولياء “

السؤال

الحمد لله الذي هدانا من خلال موقعكم إلى التمسك بطريق الاستقامة والحق، طريق هدي نبينا صلى الله عليه وسلم، ولقد أجاب موقعكم على كل أسئلتي وشكوكي التي طرحتها عليه، والحمد لله، وأسأل الله أن يجزيكم خير الجزاء على جهدكم، أنت وكل فريق العمل، وسؤالي لكم هو: أحب قراءة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله عليهم، ولقد قرأت كتابين في هذا الموضوع، ولقد بدأت مؤخراً في قراءة كتاب ” حياة الصحابة ” للشيخ محمد يوسف الكندهلوي، لكني عرفت من بعض الناس أنه استند إلى أحاديث ضعيفة في رواياته، وأن معظم روايته استند إليها من كتاب ” كنز العمَّال ” و ” حلية الأولياء ” الذي لم أسمع عنهما من قبل، فهل أوضحت لي حكم هذين الكتابين المشار إليهما؟ وهل يجوز الاستمرار في قراءته على الرغم مما ورد فيه من ضعف في روايات الحديث؟.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

كتاب ” حياة الصحابة ” للشيخ محمد يوسف الكاندهلوي رحمه الله – وهو ابن الشيخ محمد إلياس مؤسس جماعة التبليغ – قد رتَّبه على الأبواب لا على أسماء الصحابة، فذكر دعوتهم إلى الإسلام، وبيعتهم، وتحملهم للشدائد، وهجرتهم، وغير ذلك من الأبواب، وذكر تحت كل باب ما يناسبه من حال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وقصصهم ما يناسب ذلك التبويب.

وقد اعتمد في سرده لتلك الأحوال والقصص والأحاديث على كثير من كتب السنَّة النبوية، وكثير من كتب التاريخ، والتراجم، وكان ينقل في كثير من الأحيان حكم الحديث أو الحادث إن كان نقله من كتاب حكم فيه مؤلفه على ما يذكره من روايات، كما فعل فيما نقله عن ” مجمَع الزوائد ” للهيثمي، ومؤلفات الذهبي وابن كثير رحمهما الله، وغيرهم.

ثانيًا:

وقد اختلف العلماء في الحكم على الكتاب إلى ثلاثة اتجاهات، طرفان ووسط، أما الطرف الأول فهو الذي قبِلَ الكتاب بكل ما فيه، وراح يجعله حجة على الخلق بما فيه من مرويات وحوادث؛ تعصُّبًا للمصنِّف لأنه شيخ جماعتهم، أو جهلًا بعلم الحديث والتخريج والتصحيح والتضعيف، وأما الطرف الآخر فهو الذي حكم على الكتاب بالإعدام! فقال عنه ” وهو مملوء بالخرافات والقصص المكذوبة والأحاديث الموضوعة والضعيفة، وهو من كتب الشر والضلال والفتنة “!.

نرى أن كلا الحكمين على صواب، والعدل: الوسط، وهو أن الكتاب كغيره من كتب التراجم والتاريخ فيه الصحيح وفيه الضعيف وفيه المنكر والموضوع، فليس كله مقبولًا ولا كله مردودًا، والكتب التي نقل عنها المصنِّف ليست سواء في قوتها وتحري أصحابها لرواية الصحيح وتدوينه في كتبهم، وليس من العدل أن نجعل الحكم على الكتاب مجموعًا كحكمنا على آحاد الكتب التي نقل عنها المصنِّف – كما يسوق لذلك متعصب للكتاب في مواقع الإنترنت – فلا يجوز – مثلًا – أن يجمع جامع كتاباً فيه شواذ وأخطاء طائفة من كتب التاريخ والتراجم ويزعم أن الحكم على كتابه يلزم منه أن يكون هو الحكم على الكتب الأخرى؛ وذلك أن نسبة الخطأ في كل كتاب – مثلًا – لا تتجاوز ال 10 %، وأما كتابه هو الذي جمعه فإن نسبة الخطأ فيه تبلغ 100 %! فشتان بين الأمرين.

والمؤلف – رحمه الله- ليس من أهل الجهل، ولا من أهل الأهواء حتى ينتقي من المصادر كل ضعيف وموضوع ومنكر، ولكنه اجتهد في جمعه وغالب اجتهاده كان مصيبًا فيه، وقد تجاوز جمهور الأئمة في رواية الضعيف في الأحاديث النبوية إن كانت في فضائل الأعمال وفي الترغيب والترهيب، فكيف إذا كان هذا الضعيف في الرواية عن الصحابة رضي الله عنهم، فلا شك أن معايير التشدد في الحكاية عنهم لن تكون مثل معايير الحكم على الأحاديث المرفوعة للنبي صلى الله عليه وسلم.

والذي نحكم به على الكتاب أن فيه خيرًا كثيرًا، وأنه يمكن الانتفاع منه غاية الانتفاع، على أن يكون هذا الانتفاع من الطبعات المهذَّبة، والمحققة المخرجة، والمشروحة، لا على الكتاب الأصل؛ لأن فيه سقطًا وتصحيفًا وفيه المنكر والموضوع من الأخبار والحكايات، وفيه ما لا يليق ذِكره في الصحابة رضي الله عنهم، وقد وقفنا على بعض طبعات للكتاب قد أعطت الكتاب قيمة علمية يُمكن أن يستفيد منه قارئه، كما أنه يأمن فيه من الزلل والخطأ، ومن هذه الطبعات:

  1. طبعة مؤسسة الرسالة للكتاب، في خمسة أجزاء، بتحقيق بشار عواد معروف.
  2. ” شرح حياة الصحابة ” في أربعة أجزاء، بشرح وتحقيق وتعليق: محمد إلياس الباره بنكوي، وقد طبعته دار ابن كثير.
  3. كتاب ” المنتقى من حياة الصحابة “، للدكتور عبد المنعم بن عطية، والدكتور عاصم بن عبد الله القريوتي، في مجلد واحد، وقد طبعته ” دار القلم “.

وقد أثنى على الكتاب طائفة من العلماء والمشتغلين بالعلم، ومنهم الشيخ محمد بن إسماعيل حفظه الله، حيث قال:

وهوَ من الكتبِ التي تشحذُ الهِمَمِ، وقد هُذّب واختصرَ, وقد حقِّقَ بطبعَةٍ كاملة

” الدرس الثالث ” من سلسلة ” المنهج العلمي “.

ثالثًا:

أما كتاب ” كنز العمَّال “: فمؤلفه هو علاء الدين علي بن عبد الملك حسام الدين، الشهير بـ ” المتقي الهندي “، وهو فقي ، محدث، أصله من ” جونفور “، ومولده في ” رهانفور ” من بلاد الدكن بالهند، سكن المدينة النبوية، وأقام بمكة المكرمة، وتوفي بها بعد مجاورة طويلة في عام 975هـ .

انظر ” الأعلام ” للزركلي ( 4 / 309 ).

وقد عرَّف بكتابه فقال:

لمَّا رأيت كتابيْ ” الجامع الصغير ” و ” زوائده ” تأليف شيخ الإسلام جلال الدين السيوطي عامله الله بلطفه ملخصًا من قسم الأقوال من ” جامعه الكبير “, وهو مرتب على الحروف: جمعتُ بينهما مبوِّبًا ذلك على الأبواب الفقهية، مسمِّيًا الجمع المذكور ” منهج العمال في سنن الأقوال “, ثم عَنَّ لي أن أبوب ما بقي من قسم الأقوال، فنجز بحمد الله وسميته ” الإكمال لمنهج العمال “, ثم مزجتُ بين هذين التأليفين كتاباً بعد كتاب, وبابًا بعد باب, وفصلاً بعد فصل، مميِّزًا أحاديث ” الإكمال”, من ” منهج العمال “, ومقصودي من هذا التمييز: أن المؤلف رحمه الله ذكر أن الأحاديث التي في ” الجامع الصغير ” و ” زوائده ” أصح وأخصر وأبعد من التكرار، كما يعلم من ديباجة ” الجامع الصغير “, فصارا كتابًا سمَّيته ” غاية العمال في سنن الأقوال “.

ثم عَنَّ لي أن أبوِّب قسم الأفعال أيضًا, فبوَّبته على المنهاج المذكور, وجمعت بين أحاديث الأقوال والأفعال, وأذكر أولا أحاديث ” منهج العمال “، ثم أذكر أحاديث ” الإكمال “، ثم أحاديث قسم الأفعال، كتابًا بعد كتاب، فصار ذلك كتابًا واحدًا مميزًا فيه ما سبق, بحيث أن من أراد تحصيل قسم الأقوال أو الأفعال منفردًا أو تحصيلهما مجتمعيْن: أمكنه ذلك، وسمَّيته: ” كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال “, فمن ظفر بهذا التأليف فقد ظفر بـ ” جمع الجوامع “، مبوبًا مع أحاديث كثيرة ليست في ” جمع الجوامع “؛ لأن المؤلف رحمه الله زاد في ” الجامع الصغير ” وذيَّله أحاديث لم تكن في ” جمع الجوامع “. ” كنز العمال ” ( 1 / 3 ، 4 ) طبعة الرسالة.

والحكم على أحاديث الكتاب يتبع الحكم على أصول الكتاب التي مضى ذِكرها وهي – كما رأينا – كتب قصد صاحبها – وهو السيوطي – الجمع لا التحقيق، ولذا كان فيها الصحيح والضعيف والموضوع.

وقد نبَّه السيوطي رحمه الله في مقدمة كتابه ” جمع الجوامع ” أن العزو إلى بعض الكتب يُستغنى به عن الحكم عليه، فهو إما ضعيف أو موضوع، وفي كتابه ذاك جملة وافرة من أحاديث هذه الكتب، وبالقطع ستجدها في كتاب ” كنز العمَّال “.

قال السيوطي – رحمه الله – مبيِّنًا رموز بعض الكتب، ومعه بيان حكم أحاديثها -:

وللعقيلي في الضعفاء ( عق )، ولابن عدي في الكامل ( عد )، وللخطيب ( خط )، فإن كان في تاريخه أطلقت وإلا بينته، ولابن عساكر ( كر )، وكل ماعُزِيَ لهؤلاء الأربعة وللحكيم الترمذي في ” نوادر الأصول ” أو للحاكم في ” تاريخه ” أو لابن الجارود في ” تاريخه ” أو للديلمي في ” مسند الفردوس “: فهو ضعيف، فيُستغنى بالعزو إليها أو إلى بعضها عن بيان ضعفه. ” جمع الجوامع ” ( 1 / 10 ).

ولذلك فلا يعجب الباحث عندما يرى تلك الآلاف من الأحاديث غير الصحيحة في تلك الكتب التي حاول أصحابها جمع أكبر قدر ممكن من الأحاديث في كتاب واحد.

* قال الشيخ الألباني – رحمه الله – في تعقبه على كتاب ” الجامع الصغير ” للسيوطي -:

أنه وقع فيه ألوف من الأحاديث الضعيفة والمنكرة وفيها مئات من الموضوعة والباطلة. ” مقدمة صحيح الجامع ” ( ص 13 ).

وقد حكم السيوطي رحمه الله على كثير من أحاديث كتابه بما رآه مناسبًا لحالها من الحسن أو الصحة، وقد تعقَّبه الشيخُ الألباني رحمه الله في جملة منها، وكان التعقب من جهتين:

الأولى: أنه قد حصل تصحيف في الرمز الذي وضعه السيوطي بجانب الحديث.

الثانية: تساهل السيوطي المعروف في التحسين والتصحيح.

* قال الشيخ الألباني – رحمه الله -:

رموز السيوطي في ” الجامع الصغير ” لا يوثق بها اشتهر أيضا بين كثير من العلماء الاعتماد على رمز السيوطي للحديث بالصحة والحسن أو الضعف، وتبعهم في ذلك الشيخ ” السيد سابق ” ونرى أنه غير سائغ لسببين:

  1. طروء التحريف على رموزه من النسَّاخ، فكثيرًا ما رأيتُ الحديث فيه مرموزًا له بخلاف ما ينقله شارحه المنَّاوي عن السيوطي نفسه، وهو إنما ينقل عن ” الجامع ” بخط مؤلفه كما صرح بذلك في أوائل الشرح وهو نفسه يقول فيه ” وأما ما يوجد في بعض النسخ من الرمز إلى الصحيح والحسن والضعيف بصورة رأس ” صاد ” و ” حاء ” و ” ضاد “: فلا ينبغي الوثوق به ؛ لغلبة تحريف النسَّاخ، على أنه وقع له ذلك في بعض دون بعض كما رأيته بخطه “.
  2. أن السيوطي معروف بتساهله في التصحيح والتضعيف، فالأحاديث التي صححها أو حسَّنها فيه قسم كبير منها ردَّها عليه الشارح المنَّاوي، وهي تبلغ المئات إن لم نقل أكثر من ذلك، وكذلك وقع فيه أحاديث كثيرة موضوعة، مع أنه قال في مقدمته: ” وصنتُه عما تفرد به وضاع أو كذاب “.

وقد تتبعتها بصورة سريعة وهي تبلغ الألف تزيد قليلًا أو تنقص، كذلك وأرجو أن أوفق لإعادة النظر فيها وإجراء قلم التحقيق عليها وإخراجها للناس، ومن الغريب أن قسمًا غير قليل فيها شهد السيوطي نفسه بوضعها في غير هذا الكتاب، فهذا كله يجعل الثقة به ضيقة ، نسأل الله العصمة.

ثم يسر الله تبارك وتعالى فجعلتُ ” الجامع الصغير وزيادته ” المسمَّى بـ ” الفتح الكبير في ضم الزيادة إلى الجامع الصغير ” قسمين: ” صحيح الجامع … ” و ” ضعيف الجامع … ” وعدد أحاديث هذا ( 6469 ) حديثًا، والموضوع منها ( 980 ) حديثًا على وجه التقريب، وهو مطبوع كالصحيح، والحمد لله تعالى.

” تمام المنَّة في التعليق على فقه السنَّة ” ( ص 28، 29 ).

وبكل حال: فالإحالة على ” كنز العمَّال ” لا تعني أن الحديث صحيح أو مقبول عند أحدٍ من أهل العلم، وهو كتاب جمع للأحاديث وتخريج لها، ولم يلتزم بجمع الصحيح منها.

فائدة:

يحلو لكثير من ” الرافضة ” الاستدلال على يوافق أهواءهم ببعض الروايات في ” كنز العمَّال ” وعندما يرد عليهم أهل السنَّة بما ذكرناه سابقًا بأن الرواية التي في الكتاب لا يعني أنها صحيحة فيردون بأننا أهل أهواء نقبل ما نشاء ونرد ما نشاء! ولأنهم ليس عندهم في دينهم قواعد في التصحيح والتضعيف – كما هو الحال عندنا – فإن هذا الجواب غير مستغرب منهم، وأردنا هنا أن نبيِّن أن من ” يفهم ” منهم يعلم أن ما قلناه في أحاديث الكتاب هو الصحيح ليس غيره، وها نحن ننقل موافقة ” مركز الأبحاث العقائدية ” الرافضي لما ذكرناه، فإن لم يقنعوا منَّا فليقنعوا من أسيادهم!.

سئل ” مركز الأبحاث العقائدية “:

ما هو رأيكم في كتاب ” منتخب كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال “؟ هل كل ما ورد فيه صحيح؟ ما نسبة الصحة فيه؟ هناك مرويات فيه بدون إسناد؟ هل يعتد بها عند أصحابها باعتبار أن عدم إسنادها هو بمثابة إطلاقها اطلاق المسلمات، أم أن أمثال هذه المرويات غير معتد بها؟ وفقكم الله إلى ما يرضاه.

فأجابوا:

الأخ المحترم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

صاحب كتاب ” كنز العمال ” هو الشيخ علي ابن سلطان المتقي الهندي، هذا الرجل إنّما الّف كتاب ” كنز العمّال ” لأن يجمع نصوص الأحاديث الواردة في مختلف الكتب والمنسوبة إلى النبي ” صلى الله عليه وآله وسلّم “، وأيضًا ما نقل في مختلف الكتب عن الصحابة والآثار الواردة عنهم، هذه الأحاديث والآثار رتّبها بترتيب خا ، بحسب الحروف وبحسب الأبواب، والأبواب أيضًا عناوينها جعلها بحسب الحروف، في ابتكار خاص، وأسلوب معيّن، ثمّ إنّ هذا الكتاب الكبير لخّصه وجعل العنوان ” منتخب كنز العمّال “.

وعلى كلّ حال: فإنّ قصد هذا المؤلّف من تأليف هذا الكتاب سواء الأصل أو المنتخب: إنّما كان لجمع الأحاديث وترتيبها بهذا الترتيب الخاص، ولم يكن قصده تمييز الأحاديث الصحيحة عن غيرها، فلذا كان كتابه جامعاً بين الغثّ والسمين.

وعلى كلّ محقّق يريد أن يأخذ بشيء من أحاديث هذا الكتاب وأمثاله: فعليه أن يراجع السند، ويطمئن بصحة السند، حتّى يتمكّن من الأخذ بذلك الحديث

ودمتم في رعاية الله  ” مركز الأبحاث العقائدية “.

وهو ضربة موجعة على رأس كثير من أهل الأهواء من أهل الرفض، وفي ظننا أنه سيفرح بهذا أهل السنَّة، وعسى أن يبقى الجواب ولا يُزال من موقعهم!.

رابعًا:

وأما كتاب ” حلية الأولياء “: فاسمه بالكامل: ” حلية الأولياء وطبقات الأصفياء “، وقد ألَّفه أبو نُعيم أحمد بن عبد الله بن مهران بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران الأصبهاني، المتوفى عام 430 هـ.

وأبو نعيم رحمه الله إمام ثقة، ولكن كتابه فيه الضعيف والباطل، وهذه شهادتان من أمامين ثقتين في المصنِّف والمصنَّف:

  1. * قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني صاحب كتاب ” حلية الأولياء ” ” وتاريخ أصبهان ” ” والمستخرج على البخاري ومسلم ” و ” كتاب الطب ” ” وعمل اليوم والليلة ” و ” فضائل الصحابة ” و ” دلائل النبوة ” و ” صفة الجنة ” و ” محجة الواثقين “، وغير ذلك من المصنفات: مِن أكبر حفاظ الحديث، ومن أكثرهم تصنيفات، وممن انتفع الناس بتصانيفه، وهو أجلُّ من أن يقال له: ثقة؛ فإن درجته فوق ذلك، وكتابه ” كتاب الحلية ” من أجود الكتب المصنفة في أخبار الزهَّاد، والمنقول فيه أصح من المنقول في ” رسالة القشيري ” ومصنفات أبي عبد الرحمن السلمي شيخه و ” مناقب الأبرار ” لابن خميس، وغير ذلك؛ فإن أبا نعيم أعلم بالحديث وأكثر حديثًا وأثبت رواية ونقلا من هؤلاء، ولكن كتاب ” الزهد ” للإمام أحمد و ” الزهد ” لابن المبارك وأمثالهما: أصح نقلا من ” الحلية “، وهذه الكتب وغيرها لا بد فيها من أحاديث ضعيفة وحكايات ضعيفة بل باطلة، وفي ” الحلية ” من ذلك قِطَع، ولكن الذي في غيرها من هذه الكتب أكثر مما فيها؛ فإن في مصنفات أبي عبد الرحمن السلمي و ” رسالة القشيري ” و ” مناقب الأبرار ” ونحو ذلك من الحكايات الباطلة بل ومن الأحاديث الباطلة: ما لا يوجد مثله في مصنفات أبي نعيم، ولكن ” صفة الصفوة ” لأبي الفرج بن الجوزي نقلها من جنس نقل ” الحلية “، والغالب على الكتابين الصحة، ومع هذا ففيهما أحاديث وحكايات باطلة، وأما ” الزهد ” للإمام أحمد ونحوه: فليس فيه من الأحاديث والحكايات الموضوعة مثل ما في هذه؛ فإنه لا يذكر في مصنفاته عمن هو معروف بالوضع بل قد يقع فيها ما هو ضعيف بسوء حفظ ناقله، وكذلك الأحاديث المرفوعة ليس فيها ما يعرف أنه موضوع قصد الكذب فيه كما ليس ذلك في ” مسنده “، لكن فيه ما يعرف أنه غلط غلط فيه رواته، ومثل هذا يوجد في غالب كتب الإسلام فلا يسلم كتاب من الغلط إلا القرآن. ” مجموع الفتاوى ” ( 18 / 71، 72 ).

  1. وقال ابن كثير – رحمه الله -:

هو الحافظ الكبير، ذو التصانيف المفيدة الكثيرة الشهيرة، منها: ” حلية الأولياء ” في مجلدات كثيرة دلَّت على اتساع روايته وكثرة مشايخه، وقوة اطلاعه على مخارج الحديث وشعب طرقه. ” البداية والنهاية ” ( 15 / 674 ).

وقد اعتنى العلماء قديمًا بكتاب ” حلية الأولياء “، فلخَّصه ابن الجوزي في كتابه ” صفة الصفوة “، ورتب الهيثمي أحاديثه على أبواب الفقه في كتابه ” تقريب البغية بترتيب أحاديث الحلية “.

وقد انتقد ابن الجوزي رحمه الله كتاب ” الحلية ” في مقدمة كتابه ” صفة الصفوة ” من عشرة وجوه! فقال:

أما بعد فانك أيها الطالب الصادق والمريد المحقق لما نظرتَ في كتاب ” حلية الأولياء ” لأبي نعيم الأصبهاني أعجبك ذكر الصالحين والأخيار ورأيته دواء لأدواء النفس إلا أنك شكوت من إطالته بالأحاديث المسندة التي لا تليق به وبكلام عن بعض المذكورين كثير قليل الفائدة، وسألتني أن أختصره لك وأنتقي محاسنه، فقد أعجبني منك أنك أصبتَ في نظرك إلا أنه لم يكشف لك كل الأمر وأنا أكشفه لك فأقول:

اعلم أن كتاب ” الحلية ” قد حوى من الأحاديث والحكايات جملة حسنة إلا أنه تكدر بأشياء وفاتته أشيا ، فالأشياء التي تكدر بها عشرة:

الأول: أن هذا الكتاب إنما وضع لذكر أخبار الأخيار وإنما يراد من ذكرهم شرح أحوالهم وأخلاقهم ليقتدي بها السالك فقد ذكر فيه أسماء جماعة ثم لم ينقل عنهم شيئًا.

والثاني: أنه قصد ما ينقل عن الرجل المذكور ولم ينظر هل يليق بالكتاب أم لا.

والثالث: أنه أعاد أخبارًا كثيرة.

والرابع: أنه أطال بذكر الأحاديث المرفوعة التي يرويها الشخص الواحد فينسى ما وضع له ذكر الرجل من بيان آدابه وأخلاقه.

والخامس: أنه ذكر في كتابه أحاديث كثيرة باطلة وموضوعة، فقصد بذكرها تكثير حديثه، وتنفيق رواياته، ولم يبيِّن أنها موضوعة، ومعلوم أن جمهور المائلين إلى التبرر يخفى عليهم الصحيح من غيره فسِتْر ذلك عنهم غِشٌّ من الطبيب لا نصح.

والسادس: السجع البارد في التراجم الذي لا يكاد يحتوي على معنى صحيح خصوصا في ذكر حدود التصوف.

والسابع: إضافة التصوف إلى كبار السادات، كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي والحسن وشريح وسفيان وشعبة ومالك والشافعي وأحمد، وليس عند هؤلاء القوم خبر من التصوف إضافة التصوف الى غير الصحابة.

فإن قال قائل: إنما عنى به الزهد في الدنيا وهؤلاء زهَّاد: قلنا: التصوف مذهب معروف عند أصحابه لا يقتصر فيه على الزهد، بل له صفات وأخلاق يعرفها أربابه، ولولا أنه أمرٌ زِيد على الزهد ما نُقل عن بعض هؤلاء المذكورين ذمُّه فانه قد روى أبو نعيم في ترجمة الشافعي رحمة الله عليه أنه قال: ” التصوف مبني على الكسل، ولو تصوف رجل أول النهار لم يأت الظهر إلا وهو أحمق “، وقد ذكرت الكلام في التصوف ووسعت القول فيه في كتابي المسمى بـ ” تلبيس إبليس “.

والثامن: أنه حكى في كتابه عن بعض المذكورين كلاماً أطال به لا طائل فيه تارة لا يكون في ذلك الكلام معنى صحيح كجمهور ما ذكر عن الحارث المحاسبي وأحمد بن عاصم وتارة يكون ذلك الكلام غير اللائق بالكتاب وهذا خلل في صناعة التصنيف.

والتاسع: أنه ذكر أشياء عن الصوفية لا يجوز فعلُها، فربما سمعها المبتدىء القليل العلم فظنها حسنة فاحتذاها … إلى غير ذلك من الأشياء السخيفة الممنوع منها شرعًا.

والعاشر: أنه خلط في ترتيب القوم فقدَّم من ينبغي أن يؤخَّر، وأخَّر من ينبغي أن يقدم، فعل ذلك في الصحابة وفيمن بعدهم، فلا هو ذكرهم على ترتيب الفضائل، ولا على ترتيب المواليد، ولا جمع أهل كل بلد في مكان، وربما فعل هذا في وقت ثم عاد فخلط ، خصوصاً في أواخر الكتاب، فلا يكاد طالب الرجل يهتدي إلى موضعه.

ومن طالع كتاب هذا الرجل ممن له أُنس بالنقل: انكشف له ما أشرت إليه الأشياء التي فاتت ” الحلية “.

 وأما الأشياء التي فاتته: فأهمها ثلاثة أشياء:

أحدها: أنه لم يذكر سيِّد الزهاد وإمام الكل، وقدوة الخلق، وهو نبينا صلى الله عليه وسلم؛ فإنه المتبع طريقه المقتدى بحاله.

والثاني: أنه ترك ذكر خلْق كثير قد نقل عنهم من التعبد والاجتهاد الكبير ولا يجوز أن يحمل ذلك منه على أنه قصد المشتهرين بالذِّكر دون غيرهم فإنه قد ذكر خلقاً لم يُعرفوا بالزهد، ولم يُنقل عنهم شيء، وربما ذكَرَ الرجلَ فأسند عنه أبيات شعر فحسب، ففعله يدل على أنه أراد الاستقصاء، وتقصيره في ذلك ظاهر.

والثالث: أنه لم يذكر من عوابد النساء إلا عددًا قليلًا، ومعلوم أن ذكر العابدات مع قصور الأنوثية يوثب المقصِّر من الذكور، فقد كان سفيان الثوري ينتفع بـ ” رابعة “، ويتأدب بكلامها. ” صفة الصفوة ” ( 1 / 20 – 31 ) باختصار.

ولوجود هذه الملاحظات على الكتاب، وبالأخص الأحاديث غير الصحيحة فإنه لا ينبغي الاغترار بكل ما جاء في الكتاب من أحاديث، كما لا ينبغي توصية العامَّة بقراءته.

* قال الذهبي – رحمه الله – في ترجمة أبي نعيم -:

ما أعلم له ذنبا – والله يعفو عنه – أعظم من روايته للأحاديث الموضوعة في تواليفه، ثم يسكت عن توهيتها.

” سير أعلام النبلاء ” ( 17 / 461 ).

* سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

عن كتاب ” حلية الأولياء “، ما هو رأيكم فيه وما هو توجيهكم للمهتمين بمثل هذا الكتاب؟.

فأجاب:

كتاب ” حلية الأولياء ” كتابٌ معرو ، لصاحبه الحافظ أبي نعيم، وهو كتاب يجمع الضعيف والصحيح والموضوع، فينبغي أن لا يقرأه إلا أهل العلم الذين يعرفون درجات الحديث، ويميزون بين الغث والسمين، أما هذا الكتاب: فهو لا يصحُّ للعامة وطلبة العلم الذين لم يصلوا إلى حد التمييز بين الضعيف والصحيح.

” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط رقم 867 ).

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة