وقفات مع قتل عثمان بن عفان، وهل بين القتلة أحد من الصحابة؟
السؤال
رأيت أنه سيكون من الأفضل أن أفصل بين الأسئلة حتى أسهِّل على الشيخ.
يقول الله في القرآن بأنه رضي عن الصحابة فى مواضع عدة، بما فيها سورة الحشر في معرض حديثه عن ” صلح الحديبية “، وقد قال لي أحد الشيعة بأن قاتل ” عثمان ” كان في هذه الجماعة، ونحن نلعن قاتله، وأنا غير متأكد مما إذا كانت تلك فرية ضد الصحابة، فإذا كان بوسعكم – يا شيخ – أن تقوموا بالتوضيح: فسيساعدني ذلك كثيرًا. وجزاكم الله خيرًا.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في حياته عثمانَ بن عفان أنه ستصيبه بلوى، وأنه يموت فيها شهيدًا، وعهد إليه بالصبر على تلك البلوى، فأطاع عثمان رضي الله عنه نبيَّه ولم يخالف أمره، ولم ينقض عهده.
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( ادْعُوا لِي بَعْضَ أَصْحَابِي ) قُلْتُ: أَبُو بَكْرٍ؟ قَالَ: ( لَا ) قُلْتُ: عُمَرُ؟ قَالَ: ( لَا ) قُلْتُ: ابْنُ عَمِّكَ عَلِيٌّ؟ قَالَ: ( لَا ) قَالَتْ: قُلْتُ : عُثْمَانُ؟ قَالَ: ( نَعَمْ ) فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: ( تَنَحَّيْ ) جَعَلَ يُسَارُّهُ وَلَوْنُ عُثْمَانَ يَتَغَيَّرُ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الدَّارِ وَحُصِرَ فِيهَا قُلْنَا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَلَا تُقَاتِلُ؟ قَالَ: لَا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَهِدَ إِلَيَّ عَهْدًا وَإِنِّي صَابِرٌ نَفْسِي عَلَيْهِ.
رواه أحمد ( 40 / 297 ) وصححه المحققون.
وعَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ … ثُمَّ اسْتَفْتَحَ رَجُلٌ فَقَالَ لِي ( افْتَحْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ عَلَى بَلْوَى تُصِيبُهُ ) فَإِذَا عُثْمَانُ، فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَمِدَ اللَّهَ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. رواه البخاري ( 3490 ) ومسلم ( 2403 ).
– ( حائط ) بستان فيه نخيل.
ثانيًا:
ولذلك فعندما حاصره الأوباش الظلمة في داره: عرض عليه الصحابة رضي الله عنهم أن يدفعوا عنه، وأن يقاتلوا دونه: فأبى رضي الله عنه، وأمرهم بالانصراف عنه، وحتى لا يسبب لغيره القتل، وهو يعلم أنه المراد لا غيره.
قال ابن العربي المالكي – رحمه الله -:
وجاء زيد بن ثابت فقال له: إن هؤلاء الأنصار بالباب يقولون: إن شئت كنا أنصار الله مرتين، قال عثمان: لا حاجة بي في ذلك، كفوا.
وقال له أبو هريرة: اليوم طاب الضرب معك. قال: عزمت عليك لتخرجن.
وكان الحسن بن علي آخر من خرج من عنده، فإنه جاء الحسن والحسين وابن عمر وابن الزبير ومروان، فعزم عليهم في وضع سلاحهم وخروجهم، ولزوم بيوتهم.
فقال له ابن الزبير ومروان: نحن نعزم على أنفسنا لا نبرح. ففتح عثمان الباب ودخلوا عليه في أصح الأقوال. فقتله المرء الأسود.
” العواصم من القواصم ” ( ص 139 – 141 ).
وكان قتله – رضي الله عنه – في صبيحة يوم الجمعة، الثاني عشر من شهر ذي الحجة، من السنة الخامسة والثلاثين للهجرة، وذلك بعد حصار داره لمدة أربعين يومًا، وكان سِنَّه عند قتله: اثنتين وثمانين سنة.
ثالثًا:
وقد نزَّه الله تعالى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون أحد منهم مشاركًا في قتل عثمان رضي الله عنه، بل وليس أحدٌ من أبناء الصحابة كان مشاركًا، ولا معينًا لأولئك الأوباش الأرذال، وكل ما ورد في مشاركة أحد من الصحابة – كعبد الرحمن بن عديس، وعمرو بن الحمِق -: فمما لم يصح إسناده.
- قال ابن كثير – رحمه الله -:
وروى الحافظ ابن عساكر أن عثمان لما عزم على أهل الدار في الانصراف ولم يبق عنده سوى أهله: تسوروا عليه الدار وأحرقوا الباب ودخلوا عليه، وليس فيهم أحد من الصحابة ولا أبنائهم، إلا محمد بن أبي بكر.
” البداية والنهاية ” ( 7 / 207 ).
– وسيأتي التنبيه على عدم صحة مشاركة محمد بن أبي بكر بقتل عثمان رضي الله عنه.
- وقال النووي – رحمه الله -:
ولم يشارك في قتله احد من الصحابة.
” شرح مسلم ” ( 15 / 148 ).
- وقال ابن كثير – رحمه الله -:
وأما ما يذكره بعض الناس من أن بعض الصحابة أسلمه ورضي بقتله: فهذا لا يصح عن أحد من الصحابة أنه رضي بقتل عثمان رضي الله عنه، بل كلهم كرهه، ومقته، وسبَّ من فعله. ” البداية والنهاية ” ( 7 / 221 ).
- وسئل الشيخ عبد المحسن العبَّاد – حفظه الله -:
هل كان في الذين قتلوا عثمان رضي الله عنه أحدٌ من الصحابة؟
فأجاب:
لا نعلم أحداً من الصحابة شارك في قتل عثمان.
” شرح سنن الترمذي ” ( شريك رقم 239 ).
- وقال الأستاذ محمد بن عبد الله غبان الصبحي – حفظه الله -:
أنه لم يشترك في التحريض على عثمان رضي الله عنه فضلًا عن قتله أحد من الصحابة رضي الله عنهم، وأن كل ما رُوي في ذلك ضعيف الإسناد.
” فتنة مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه ” ( 1 / 289 ).
وهذا الكتاب من منشورات عمادة ” البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، في المملكة العربية السعودية “، وهو كتاب قائم على تحقيق الروايات الواردة في كل صغيرة وكبيرة في فتنة قتل عثمان رضي الله عنه، وقد قام مؤلفه بحوار علمي حول الكتاب مع الشيخ الألباني رحمه الله كما تجده في أشرطة ” سلسلة الهدى والنور ” تحت رقم ( 404 ).
رابعًا:
وأما محمد بن أبي بكر: فليس هو من الصحابة أصلًا، ولم يصح اشتراكه في قتل عثمان، ولا في التحريض عليه، وقد أثبت بعض العلماء روايات تبين تراجعه عن المشاركة في قتل عثمان.
- قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
ليس له صحبة ولا سابقة ولا فضيلة … .
فهو ليس من الصحابة لا من المهاجرين ولا الأنصار …
وليس هو معدودا من أعيان العلماء والصالحين الذين في طبقته … وأما محمد بن أبي بكر فليس له ذكر في الكتب المعتمدة في الحديث والفقه.
” منهاج السنة النبوية ” ( 4 / 375 – 377 ) باختصار.
- وقال ابن كثير – رحمه الله -:
ويروى أن محمد بن أبي بكر طعنه بمشاقص في أذنه حتى دخلت في حلقه.
والصحيح: أن الذي فعل ذلك غيره، وأنه استحى ورجع حين قال له عثمان: لقد أخذت بلحية كان أبوك يكرمها.
فتذمم من ذلك، وغطى وجهه، ورجع وحاجز دونه فلم يفد، وكان أمر الله قدرًا مقدورًا، وكان ذلك في الكتاب مسطورًا. ” البداية والنهاية “( 7 / 207 ).
- وقال الأستاذ محمد بن عبد الله غبان الصبحي – حفظه الله -:
محمد بن أبي بكر لم يشترك في التحريض على قتل عثمان رضي الله عنه، ولا في قتله، وكل ما روي في اتهامه بذلك: باطل لا صحة له. ” فتنة مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه ” ( 1 / 290 ).
خامسا:
ولذلك ثبت أن طائفة من الصحابة الأجلاء لعنت قتلة عثمان رضي الله عنه، ووصفهم العلماء بما يليق بهم.
- روى الإمام أحمد في ” فضائل الصحابة ” ( 1 / 455 ) بإسناد صحيح من طريق محمد بن الحنفية قال: بلغ عليّاً أن عائشة تلعن قتلة عثمان في ” المربد “، قال: فرفع يديه حتى بلغ بهما وجهه فقال: وأنا ألعن قتلة عثمان، لعنهم الله في السهل والجبل.
قال مرتين أو ثلاثًا.
- وقال النووي – رحمه الله -:
وأما عثمان رضي الله عنه: فخلافته صحيحة بالإجماع، وقُتل مظلومًا، وقتلته فسقة؛ لان موجبات القتل مضبوطة، ولم يجر منه رضي الله عنه ما يقتضيه … .
وإنما قتله همج ورعاع من غوغاء القبائل، وسفلة الأطراف، والأرذال، تحزبوا وقصدوه من ” مصر ” فعجزت الصحابة الحاضرون عن دفعهم، فحصروه حتى قتلوه رضي الله عنه. ” شرح مسلم ” ( 15 / 148 ، 149 ).
- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
وأما الساعون في قتله – يعني: عثمان – رضي الله عنه: فكلهم مخطئون، بل ظالمون، باغون، معتدون، وإن قُدِّر أن فيهم من قد يغفر الله له: فهذا لا يمنع كون عثمان قُتل مظلومًا. ” منهاج أهل السنَّة ” ( 6 / 297 ).
وقال – رحمه الله -:
والذين خرجوا على عثمان: طائفة من أوباش الناس.
” منهاج السنة النبوية ” ( 8 / 164 ).
فتبين مما سبق: عدم مشاركة أحد من الصحابة رضي الله عنهم في قتل عثمان رضي الله عنه، وأن من فعل ذلك فهو يستحق اللعن والسب، وقد قتلوا جميعًا شر قتلة.
روى أحمد في ” فضائل الصحابة ” ( 1 / 501 ) بإسناد صحيح عن عَمْرة بنت أرطأة العدوية قالت: خرجت مع عائشة سنة قتل عثمان إلى مكة، فمررنا بالمدينة، ورأينا المصحف الذي قتل وهو في حَجره، فكانت أول قطرة من دمه على هذه الآية ( فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم ) قالت عمرة: فما مات منهم رجل سويًّا.
انتهى.
وبه تعلم أنه يبقى الفضل الثابت للصحابة عمومًا ولأهل بيعة الرضوان خصوصاً على ما هو عليه، واستحقوا قول الله تعالى ( لقد رَضيَ اللهُ عَن المُؤمنينَ إذ يُبَايعونَك تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا في قُلوبِهم فأنزَلَ السَّكينةَ عَليهم وأثَابَهم فَتحًا قَريبًا ) الفتح/ 18.
وبه يتبين كذب ذلك الرافضي، وإنما أوتي من اغتراره بما يوجد في بعض كتب أهل السنَّة من مشاركة بعض الصحابة من أهل بيعة الرضوان في قتل عثمان رضي الله عنه، وإنما هي من طريق ضعيفة وباطلة ، فإما أن يكون الرجل لم تثبت صحبته – مثل كنانة بن بشر وحكيم بن جبَلة – أو لم تثبت مشاركته في قتل عثمان – كعمرو بن الحمِق وعبد الرحمن بن عُديس، والخبر عنهما أنهما مشاركان في قتل عثمان جاء من طريق ” الواقدي ” المتروك -.
ولمن أراد مزيدا من التفاصيل فليرجع لكتاب ابن العربي ” العواصم من القواصم “، وكتاب ابن غبان الصبحي ” فتنة مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه “، وكتاب ” حقبة من التاريخ ” للشيخ عثمان الخميس.
والله أعلم.


