زوَّجها خالها بحضور أخيها فهل يصح العقد؟ وما أحوال صحة تزويج الخال؟
السؤال
تزوجت من ثلاث سنوات، ووالد زوجتي وجدها متوفيان، ولها أخ بالغ، ولكن حين العقد لم يكن معه بطاقة هوية فزوجني خالها بحضور أخيها، فهل هذا العقد يصح؟.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
أولياء المرأة الذين يصح تزويجهم لها هم عصبتها، وهم كلُّ ذكر قريب لها من جهة أبيها بلا توسط أنثى، ويزوجها الأقرب فالأقرب، وأقربهم الأب.
وعليه: فالخال ليس وليّاً للمرأة في النكاح فلا يصح تزويجه لها.
* قال علماء اللجنة الدائمة: زوج الأم ليس وليّاً لربيبته في النكاح، وكذلك الخال، وإنما أولياء المرأة في النكاح: عصبتها، الأقرب فالأقرب، فأولهم الأب، ثم الجد، ثم الابن، ثم الأخ الشقيق، ثم الأب … إلخ. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 18 / 174 ).
ثانيًا:
ويصح تزويج الخال ابنة أخته – شرعًا أو في المحكمة – في حالات:
- أن يكون موكّلًا من قبَل الأب، أو الولي صاحب الحق في التزويج.
* قال علماء اللجنة الدائمة: من يحق له أن يعقد للمرأة إذا تنازل عن الولاية لمن هو أدنى منه، أو أوصى من هو أهل للولاية بأن يعقد لموليته: جاز عقده، وصح النكاح؛ لأنه حق له تنازل عنه لمن وكله، فقام مقامه. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 18 / 174، 175 ).
- أن يكون قد تمَّت الموافقة من قبَل الولي شرعًا وكان الخال وليّاً في المحكمة أو عند إجراء كتابة العقد؛ لأن كتابة العقد وتوثيقه ليست شرطًا في صحة النكاح، والنكاح المعقود شرعًا قبله هو الذي تُبنى عليه الأحكام.
* قال علماء اللجنة الدائمة:
أما كتابة الورقة: فليست شرطاً في صحة النكاح، وإنما هي للاستيثاق وحفظ حق كلٍّ منهما لدى الآخر، والرجوع إليها عند الحاجة.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 18 / 170 ).
- أن يَكون وليًّا عند عدم وجود أحد من العصبات، وهو قول لبعض العلماء، والجمهور على تقديم القاضي المسلم عليه.
- أن يكون إنكاح الخال مع سكوت ولي المرأة سكوت رضا، فيكون سكوته ها هنا سكوت إيجاب، فيصح معه العقد.
* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 22 / 237، 238 ):
لا شك أن السكوت السلبي لا يكون دليلًا على الرضا أو عدمه، ولذلك تقضي القاعدة الفقهية على أنه: ” لا يُسند لساكت قول ، ولكن السكوت في معرض الحاجة بيان ” وذلك إذا صاحبتْه قرائن وظروف بحيث خلعت عليه ثوب الدلالة على الرضا.
وقد اتفق الفقهاء على أن سكوت البِكر دليل على الرضا؛ للحديث الصحيح الوارد، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا تنكح البكر حتى تستأذن ) قالوا: يا رسول الله: وكيف إذنها؟ قال: ( أن تسكت )، وفي رواية أخرى ( الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر يستأذنها أبوها في نفسها، وإذنها صماتها ). انتهى.
والخلاصة:
أن تزويج خال زوجتك لك في المحكمة يكون صحيحًا في حال:
- أن يكون والد زوجتك أو جدها قد زوَّجاك شرعًا قبل وفاتهما.
- أن يكون أخوها زوَّجك شرعًا قبل الذهاب المحكمة.
- أن يكون سكوت الأخ سكوت رضا وموافقة على الزواج.
وما عدا ذلك فإن عقد النكاح باطل، وتترتب عليه أحكام، وهما بين أمرين: إما أن يرغبا ببعضهما أزواجًا، أو لا يرغبان – أو أحدهما -.
أ. إن رغبا ببعضهما أزواجًا: فيترتب على ذلك:
- تجديد عقد النكاح، بأن يتولى الأخ البالغ تزويجه، فيكون من الأخ الإيجاب، ويكون من الزوج القبول، ويسمى مهر جديد.
- لا عدَّة عليها – حصل دخول أم لم يحصل -؛ لأن الماء ماؤه.
- تستحق المهر كاملًا – في حال حصول دخول – إن كان مسمّى وإلا استحقت مهر مثيلاتها.
- إن لم يحصل دخول: فليس لها مهر.
- لا تستحق الزوجة المهر بالخلوة، ولا يصح قياس النكاح الفاسد بالصحيح في ترتب المهر بالخلوة.
- لا حاجة لتجديد العقد في المحكمة بل يبقى على ما هو عليه، والتجديد المقصود هنا هو: إقامة مجلس نكاح بإيجاب من الولي وقبول من الزوج ووجود الشهود وتسمية مهر جديد، وهو ما ننصح به؛ على الراجح من الأقوال، وخروجًا من الخلاف بين العلماء.
ب. وإن لم يرغبا – أو أحدهما – بتجديد النكاح: فيترتب على ذلك:
- أن يطلقها؛ خروجًا من الخلاف بين العلماء والذي قال بعضهم بأن العقد مفسوخ لا يحتاج لطلاق، وخشية من أن يتزوجها من يرى جواز النكاح من غير ولي.
- إن كان حصل دخول: فتنفصل الزوجة عن زوجها بطلاق لتعتد بحيضة واحدة.
- تستحق المهر كاملًا – في حال حصول دخول – إن كان مسمّى وإلا استحقت مهر مثيلاتها.
- إن لم يحصل دخول: فليس ثمة عدة عليها، ولا مهر لها.
- لا تستحق المهر بالخلوة، وقد سبق بيان ذلك.
* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:
وقوله: ” وإذا افترقا في الفاسد ” أي: في النكاح الفاسد.
– ” قبل الدخول والخلوة ” أي: قبل تقرر المهر. ” فلا مهر “.
مثال ذلك: رجل تزوج امرأة بدون ولي، ثم قيل له: إن هذا النكاح ليس بصحيح، فطلقها قبل الدخول والخلوة، فلا شيء لها؛ لأن العقد الفاسد وجوده كعدمه لا أثر له.
وهل يلزم بالطلاق؟ نعم يلزم؛ مراعاةً للخلاف؛ لأن بعض العلماء يرى أن النكاح بلا ولي صحيح، فقد يأتي رجل ليتزوجها وهو يرى صحة النكاح بلا ولي، فيقول: هذه إلى الآن في ذمة الزوج الأول، ولذلك يجبر الزوج على الطلاق، فإن أبى: فإن القاضي يطلق عليه، أو يفسخ.
– قوله: ” وبعد أحدهما ” أي: الدخول أو الخلو .
– قوله: ” يجب المسمى ” أي: المعين، أما بعد الدخول فقد يقال: إن كلام المؤلف صحيح فيجب المسمى، وبعض العلماء يقول: إنه لا يجب المسمى وإنما يجب مهر المثل ؛ لأن العقد فاسد، وما ترتب عليه فاسد، فهذه امرأة وطئت بشبهة فلها مهر المثل، والمذهب: أنه يجب لها المسمى؛ لأنهما اتفقا على استحلال هذا الفرج بهذا العوض المسمى فيجب، ولكن بعد الخلوة لماذا يجب لها المسمى؟ قالوا في التعليل: إلحاقاً للعقد الفاسد بالصحيح، ولكن هذا القياس غير صحيح؛ لأن من شرط القياس تساوي الأصل والفرع، فكيف نلحق الفاسد بالصحيح؟! ولذلك اختار ” الموفق ” – أي: ابن قدامة – وجماعة من الأصحاب: أنه لا يجب لها شيء بالخلوة؛ لأن هذا عقد فاسد، لا أثر له، وهو كما لو خلا بامرأة لم يعقد عليها، وهذا القول هو الصحيح: أن الخلوة في العقد الفاسد لا توجب شيئًا؛ لأنه لا يمكن إلحاق الفاسد بالصحيح.
” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 12 / 310، 311 ).
والله أعلم.


