هل يجوز التلفظ بكلمة الكفر حفاظًا على النفس؟ وأيهما أولى الصبر أم التلفظ بها؟

السؤال

قال لي أحد الأصدقاء إن الكذب من أجل حفظ النفس فرض، وأن ذلك ذُكر في القرآن، ولعله استدل بقصة عمّار بن ياسر وقوله تعالى ( إلا من اُكره وقلبه مطمئن بالإيمان ) بينما الذي أعرفه أنا أنه لا يجوز للشخص أن يقول إنه غير مسلم مهما كان الأمر، بل يجب أن يعتز بإسلامه تحت أي ظرف كان.

السؤال هو: لو أن شخصًا وقع في ظرف يجبره على أن يقول إنه غير مسلم وإلا مات، فما العمل؟ هل يقول إنه غير مسلم وينجو من الموت أم العكس؟.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

ما قاله لك صديقك من جواز التلفظ بالكفر حماية لنفس المتكلم بها من الضرر أو الأذى الذي لا يُحتمل: صحيح، وقد ثبت ذلك في القرآن، وروي في السنَّة ما يؤيده، ولم يختلف العلماء فيه.

أما القرآن:

فقد قال تعالى ( مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) النحل/ 106.

قال الطبري – رحمه الله -:

عن ابن عباس قال: فأخبر الله سبحانه أنه من كفر من بعد إيمانه: فعليه غضب من الله وله عذاب عظيم، فأما من أكره فتكلم به لسانه وخالفه قلبه بالإيمان لينجو بذلك من عدوّه: فلا حرج عليه؛ لأن الله سبحانه إنما يأخذ العباد بما عقدت عليه قلوبهم. ” تفسير الطبري ” ( 17 / 305 ).

وأما السنَّة:

فعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، قَالَ: أَخَذَ الْمُشْرِكُونَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ يُعَذِّبُوهُ فَقَارَبُوهُ فِي بَعْضِ مَا أَرَادُوا بِهِ، فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم، فَقَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم: ( كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ؟ ) قَالَ رَضِيَ الله عَنْهُ: مُطْمَئِنًّا بِالإِيمَانِ، قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم: ( فَإِنْ عَادُوا فَعُد ).

البيهقي في ” السنن الكبرى ” ( 8 / 208 ) والحاكم في ” المستدرك ” ( 2 / 389).

وإسناده ضعيف، وروي من طرق كثيرة متعددة، يدل على أن للقصة أصلًا.

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وهذه المراسيل تقوى بعضها ببعض.

” فتح الباري ” ( 12 / 312 ).

وأما الإجماع:

أ. فقد قال ابن كثير – رحمه الله -:

ولهذا اتفق العلماء على أنه يجوز أن يُوَالى المكرَه على الكفر إبقاءً لمهجته.

” تفسير ابن كثير ” ( 4 / 606 ).

ب. وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 22 / 182 ):

واتفق الفقهاء على أن من أكره على الكفر فأتى بكلمة الكفر: لم يصر كافرًا.

انتهى.

ثانيًا:

والمكرَه على قول الكفر يجب أن يكون إكراهه ملجئًا له لقول كلمة الكفر، والعذر إنما هو للمكرَه إكراهاً تامًّا ملجئًا.

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 22 / 182 ):

والإكراه نوعان: نوع يوجب الإلجاء والاضطرار طبعًا، كالإكراه بالقتل أو القطع أو الضرب الذي يخاف فيه تلف النفس أو العضو، قلَّ الضرب أو كثر.

وهذا النوع يسمَّى ” إكراهًا تامًّا “.

ونوع لا يوجب الإلجاء والاضطرار، وهو الحبس أو القيد أو الضرب الذي لا يخاف منه التلف، وهذا النوع من الإكراه يسمَّى ” إكراها ناقصًا “. انتهى.

وقد ذكر العلماء شروطًا للإكراه التام الملجئ لقول كلمة الكفر، وهي:

أ. أن يكون التهديد بما يسبب إتلافًا كالقتل والقطع، أو أذى لا يُحتمله المسلم كالحبس ، والضرب.

ب. أن يكون المكرِه قادرًا على تحقيق ما هدَّد به.

ج. أن يكون المكرَه عاجزًا عن الدفاع عن نفسه، ولو بالهرب أو بالاستغاثة بغيره .

د. أن يغلب على ظن المكرَه وقوع ما هدَّد به المكرِه.

ثالثًا:

وهل يجوز للمكرَه أن يصبر ويحتمل الضرر والأذى ولو قُتل في سبيل ذلك؟ نعم يجوز له ذلك، وقد فعله بلال بن رباح رضي الله عنه وغيره.

قال ابن كثير – رحمه الله -:

ويجوز له أن يستقتل، كما كان بلال رضي الله عنه يأبى عليهم ذلك وهم يفعلون به الأفاعيل، حتى إنهم ليضعون الصخرة العظيمة على صدره في شدَّة الحر، ويأمرونه أن يشرك بالله فيأبى عليهم وهو يقول: ” أحَد، أحَد “، ويقول: والله لو أعلم كلمة هي أغيظ لكم منها لقلته، رضي الله عنه وأرضاه.

” تفسير ابن كثير ” ( 4 / 606 ).

رابعًا:

وأيهما أفضل: الصبر والتحمل ولو أدى إلى الموت، أم الترخص برخصة الشرع وإظهار الكفر باللسان؟.

الأقرب أن يُقال: الأفضل هو الصبر والتحمل، وخاصة لمن كان من أهل العلم أو الفضل أو القدوة للناس، وهو قول الجمهور.

قال ابن كثير – رحمه الله -:

والأفضل والأولى: أن يثبت المسلم على دينه، ولو أفضى إلى قتله.

” تفسير ابن كثير ” ( 4 / 606 ).

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 35 / 18 ):

ويتفق الحنفية والمالكية والحنابلة وهو الأصح عند الشافعية: على أن الصبر والثبات على الإيمان مع الإكراه ولو كان بالقتل: أفضل من الإقدام على الكفر، حتى لو قتل كان مأجورًا؛ لما ورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهَا فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ من دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ ) – رواه البخاري -.

ومقابل الأصح عند الشافعية أوجه:

أحدها: الأفضل الإتيان بكلمة الكفر صيانة لنفسه.

والثاني: إن كان من العلماء المقتدى بهم: فالأفضل الثبوت.

والثالث: إن كان يتوقع منه الإنكاء – أي: في العدو – والقيام بأحكام الشرع: فالأفضل أن ينطق بها لمصلحة بقائه، وإلا فالأفضل الثبوت. انتهى.

خامسًا:

قال الأخ السائل ” الذي أعرفه أنا أنه لا يجوز للشخص أن يقول إنه غير مسلم مهما كان الأمر، بل يجب أن يعتز بإسلامه تحت أي ظرف كان “.

فهل ثبت في السنَّة ما يخالف ما سبق من الرخصة في قول كلمة الكفر للمكرَه مما يوافق كلام الأخ السائل؟.

نعم، ثبت شيء من هذا لكن العبرة بفهمه على قواعد أهل العلم في الجمع بين النصوص.

عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( أَنْ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا وَإِنْ قُطِّعْتَ وَحُرِّقْتَ وَلَا تَتْرُكْ صَلَاةً مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّدًا فَمَنْ تَرَكَهَا مُتَعَمِّدًا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ وَلَا تَشْرَبْ الْخَمْرَ فَإِنَّهَا مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ ). رواه ابن ماجه ( 4034 ) وحسَّنه الألباني في ” صحيح ابن ماجه “.

فهذا الحديث ليس فيه المنع من الأخذ بالرخصة، بل فيه بيان الأفضل عند الإكراه، وقد سبق أن قول الجمهور أن الأفضل: الصبر والتحمل، وأما الرخصة فثابتة في كتاب الله تعالى.

قال أبو الحسن المباركفوري – رحمه الله -:

وهذا يدل على أنه ينبغي اختبار الموت والقتل دون إظهار الشرك، وهو وصية بالأفضل والعزيمة، فإنه يجوز التلفظ بكلمة الكفر والشرك عند الإكراه ؛ لقوله تعالى: ( إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ) النحل/ 106.

” مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ” ( 2 / 283 ).

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة