هل جاء في الشرع ترك التزوج خشية الفقر؟ وشبهتان في مسألة ” تحديد النسل “
السؤال
أوّلًا: أنا أعلم أنكم تفتون بعدم جواز تحديد النسل، لكن جاء ببالي استفسار وهو: لماذا لا نقول بجواز تحديد النسل والاقتصار على إنجاب ولدين أو ثلاثة خشية الفقر على أنه كعدم التزوج بزوجة ثانية خشية الفقر وكلاهما رزقهما على الله؟.
وفي هذا الحال – أي: عدم التزوج بزوجة ثانية خشية الفقر – جائز وأما الاكتفاء بولدين أو ثلاثة غير جائز؟.
ثانيًا: لماذا لا نقول بجوازه استدلالًا بالقاعدة الفقهية المستنبطة من الكتاب والسنة أن الوسائل لها أحكام المقاصد؟ فمعلوم أن الأصل في الزواج الندب لمن لم يخف على نفسه العنت وهذا عند جماهير أهل العلم خلافًا للظاهرية كابن حزم – رحمه الله -، فلماذا لا نقول بالجواز لأن الأصل في الزواج الندب فيكون التحديد من باب أولى لأن التابع له حكم المتبوع والوسائل لها أحكام المقاصد؟.
أريد إجابة علمية كما تعودنا منكم، وجزاكم الله خيرًا.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
عدم التزوج بثانية خشية الفقر ليس له أصل صحيح في الشرع، وليس ثمة ما يدل عليه من نصوص الوحي، بل لو قيل بالعكس لما بعُد عن الصواب، وهو أن الزواج ذاته – حتى لو كان من ثانية أو ثالثة أو رابعة – سبيل من سبل الرزق، لا الفقر، وهو أحد وجوه تفسير قوله تعالى ( وَأَنْكِحُوا الأيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) النور/ 32.
قال ابن عباس رضي الله عنهما:
رغَّبهم الله في التزويج، وأمر به الأحرار والعبيد، ووعدهم عليه الغنى.
رواه ابن جرير في ” تفسيره ” ( 17 / 275 ).
وقال ابن كثير – رحمه الله -:
وقد زوَّج النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الرجل الذي لم يجد عليه إلا إزاره ولم يقدر على خاتم من حديد, ومع هذا فزوَّجه بتلك المرأة، وجعل صداقها عليه أن يعلّمها ما معه من القرآن.
والمعهود من كرم الله تعالى ولطفه: أن يرزقه ما فيه كفاية لها وله. ” تفسير ابن كثير ” ( 3 / 349 ).
وقال ابن العربي المالكي – رحمه الله -:
في هذه الآية دليل على تزويج الفقير، ولا يقولنَّ كيف أتزوج وليس لي مال؟ فإن رزقه ورزق عياله على الله، وقد زوَّج النبي صلى الله عليه وسلم الموهوبة من بعض أصحابه وليس له إلا إزار واحد. ” أحكام القرآن ” ( 6 / 84 ).
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:
وقوله: ( إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ ) أي: الأزواج والمتزوجين ( يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ) فلا يمنعكم ما تتوهمون من أنه إذا تزوج افتقر بسبب كثرة العائلة ونحوه، وفيه حث على التزوج، ووعد للمتزوج بالغنى بعد الفقر.
( وَاللَّهُ وَاسِعٌ ) كثير الخير عظيم الفضل ( عَلِيمٌ ) بمن يستحق فضله الديني والدنيوي، أو أحدهما ممن لا يستحق، فيعطي كلا ما علمه واقتضاه حكمه.
” تفسير السعدي ” ( ص 567 ).
وقال الشيخ عبد الكريم الخضير – حفظه الله -:
هذه الآية دليل على تزويج الفقير، لكن ظاهر الآية أنه وعد من الله جل وعلا لمن تزوج، ولا يختص هذا بالزواج الأول أو الثاني أو الثالث، المقصود: أن من تزوج هو موعود بالغنى، والزواج سبب من أسباب الغنى، قد يعارضه مانع فلا يترتب أثره عليه. ” تفسير سورة النور ” ( ص 6 ) – ترقيم الشاملة -.
فإن قال قائل:
فعلى هذا ما معنى قوله تعالى ( وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ) النور/ 33، فإن ظاهرها أن ذات التزوج لا يكون جالبًا للرزق وإلا لما أُمر بالاستعفاف بل بالزواج؟! وكذا قوله صلى الله عليه وسلم ( يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ ) – رواه البخاري ( 4779 ) ومسلم ( 1400 ) -؟.
وكيف نجمع بين هذا وبين قول النبي صلى الله عليه وسلم ( ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُمْ الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُكَاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الْأَدَاءَ وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ ) – رواه الترمذي ( 1655 ) وقال: حديث حسن، وحسَّنه الألباني في ” صحيح الترمذي” -.
فالجواب:
أن الآية ليست حصرًا في الفقير الذي لا يجد المال، بل هي أعم من ذلك، ومن المعلوم أنه ليس كل قادرٍ بماله وبدنه فهو يجد زوجة ملائمة له، كما أن بعض الناس يمتنع والده أو سيده عن تزويجه – إما لفقره أو لطغيانه – وهو لا يستطيع التزوج دون موافقتهما ومساعدتهما، فهي أعم مِن حصرها بالذي لا يجد المال للتزوج، وهؤلاء – ومعهم الفقير الذي لا يجد قدرة على إنشاء زواج – أمرهم الله تعالى بالاستعفاف حتى يغنيهم من فضله إما بمال أو بزوجة ملائمة.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:
وقوله ( الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا ) أي: لا يقدرون نكاحًا، إما لفقرهم أو فقر أوليائهم وأسيادهم، أو امتناعهم من تزويجهم وليس لهم من قدرة على إجبارهم على ذلك.
وهذا التقدير أحسن من تقدير من قدَّر ” لا يجدون مهر نكاح “.
” تفسير السعدي ” ( ص 567 ).
وأما حديث ( يَا مَعْشَر الشَّبَابِ … ) – ومعه الآية السابقة بأحد معانيها وهو الذي لا يجد الزواج لفقره – فهو غير معارض لحديث ( ثَلاَثَةٌ حَقٌّ على الله عَوْنُهُم … )، وبيان ذلك: أن الفقير في الحديث الأول هو الذي لا يملك ما يَبدأ به الزواج، وأما الحديث الثاني فهو في الفقير الذي ملك ما بدأ به زواجه ووُعد بالإعانة أثناءه، فالحديث الأول موافق لقوله تعالى ( وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ) النور/ 33، والحديث الثاني موافق لقوله تعالى ( إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ) النور/ 32.
قال الشيخ محمد علي السايس – حفظه الله -:
فالشافعية يجعلون هذه – يعني: قوله تعالى ( وَلْيَسْتَعْفِفِ … ) مخصِّصة للآية السابقة – يعني: قوله تعالى ( إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ … ) – ويقولون: الفقراء قسمان: قسم يملك أهبة النكاح، وقسم لا يملكها، فالفقراء العاجزون عن أسباب النكاح الذين لا يملكون أهبته قد ندبهم اللّه بهذه الآية إلى ترك النكاح وأرشدهم إلى ما هو أولى بهم وأصلح لحالهم: من الاستعفاف، وصون النفس، إلى وجدان الغِنى، وحينئذ يتزوجون، فتعيّن أن يكون الفقراء الذين ندب اللّه إلى إنكاحهم بقوله ( إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ) هم الذين يملكون أهبة النكاح، ولا شكّ أنّ الفقير الذي يملك أهبة النكاح يندب له أن يتزوج. ” تفسير آيات الأحكام ” ( ص 597 ، 598 ).
وخلاصة ما سبق:
- أنه لا ينبغي لأولياء المرأة الامتناع من تزويج الفقير لفقره، وقد وعد الله تعالى المتزوجين بهنَّ أن يُغنيهم من فضله.
- وليس لأولياء الشباب والرجال أن يمتنعوا من تزويجهم بحجة فقرهم، والوعد السابق بالغِنى يشملهم.
فالخطاب في الأمرين السابقين للأولياء – وليس لذات المتزوِّجين – وهو معنى قوله تعالى ( وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) النور/ 32.
قال الشوكاني – رحمه الله -:
( إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ) أي: لا تمتنعوا من تزويج الأحرار بسبب فقر الرجل والمرأة أو أحدهما؛ فإنهم إن يكونوا فقراء يغنهم الله سبحانه ويتفضل عليهم بذلك. ” فتح القدير ” ( 4 / 41 ).
- ليس ثمة نص خوطب به الزوج الفقير الذي لا يجد ما يبدأ به زواجه أن يتزوج.
قال ابن القيم – رحمه الله -:
قوله ( وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ) في حق الأحرار أمرهم الله تعالى أن يستعفوا حتى يغنيهم الله من فضله فإنهم إن تزوجوا مع الفقر التزموا حقوقا لم يقدروا عليها وليس لهم من يقوم بها عنهم…. .
فالآية الأولى – يعني: ( وَلْيَسْتَعْفِف ) -: في حكم تزوجهم لأنفسهم، والثانية – يعني: ( وَأَنْكِحُوا ) -: في حكم تزويجهم لغيرهم. ” روضة المحبين ” ( ص 317 ).
بل قد أُمر الراغب بالزواج من الفقراء الذين لا يجدون ما يبدؤون به زواجهم بالاستعفاف، كما في قوله تعالى ( وَلْيَسْتَعْفِف ).
ومما يعين على الاستعفاف: غض البصر – ( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ) -، والصوم – ( فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِع فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ ) -.
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله -:
هذا الاستعفاف المأمور به في هذه الآية الكريمة: هو المذكور في قوله ( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ) النور/ 30، وقوله تعالى ( وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً ) الإسراء/ 32، ونحو ذلك من الآيات. ” أضواء البيان ” ( 5 / 532 ).
- والفقير الذي يجد ما يبدأ به زواجه وُعد بالإعانة إن كان يقصد بزواجه العفاف، كما في حديث ( ثَلاثَةٌ حقٌّ على الله عَوْنُهُم … ) والإعانة تشمل الإعانة المادية ليستمر زواجه، والإعانة على طاعة الله التي قصدها بزواجه – كما سيأتي النقل عن الشيخ الشنقيطي -.
قال الشوكاني – رحمه الله -:
إن هذا الأمر بالاستعفاف للعاجز عن تحصيل مبادئ النكاح، ولا ينافي ذلك وقوع الغنى له من بعد أن ينكح؛ فإنه قد صدق عليه أنه لم يجد نكاحًا إذا كان غير واجد لأسبابه التي يتحصل بها وأعظمها المال. ” فتح القدير ” ( 4 / 42 ).
وننبه إلى أن الشوكاني رحمه الله مال إلى أن الغنى الذي وعد الله تعالى به الذين يُزوَّجون من الفقراء في قوله تعالى ( يُغْنِهم الله من فَضْلِهِ ) مقيَّد بمشيئة الله تعالى، ولا نرى ذلك صحيحًا، وليس الوعد بالغنى للفقير الذي لا يجد نكاحًا؛ إذ لو كان كذلك لما أُمر بالاستعفاف بل لأُمر بالتزوج، وثمة فرق بين الوعد من الله تعالى في قوله ( إِن يَكونوا فُقَرَاء يُغْنِهم الله من فَضْلِهِ ) في حق المُزوَّجين من الفقراء، وبين قوله ( وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حتَّى يُغْنِيَهم الله من فَضْلِهِ )؛ إذ ليس في الآية وعد بالغنى، بل أمر بالصبر والاستعفاف حتى يحصل لهم الغنى.
وأما الوعد بالغنى في الحديث فهو لمن ملك القدرة على بداية الزواج، فالتقى هذا الحديث مع قوله تعالى ( يُغْنِهِم ) والتقى حديث ( يا معشر الشباب ) مع قوله تعالى ( وَلْيَسْتَعْفِفْ ).
والنقل الأخير عن الشوكاني – والذي ذكره احتمالًا واستثناءً – هو الصواب، وأن الوعد بالغنى ليس مخاطبًا به الفقير الذي لا يجد نكاحًا ابتداءً.
ثانًيًا:
التزوج بثانية وثالثة ورابعة يعني كثرة الولد – بإذن الله -، وهذا سبيل آخر من سبل الرزق، فصار الزواج والإنجاب من سبل الرزق، وقد رغَّب الشارع فيهما – وأوجب الزواج في بعض الأحيان – فليس ثمة مجال للقول بمنع التزوج خشية الفقر، بل إن الزواج والأولاد يرفعان الفقر – بإذن الله – لمن نوى بتزوجه إعفاف نفسه، ونوى بإنجابه تنفيذ وصية نبيه صلى الله عليه وسلم.
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله -:
وقد قدمنا أنه جل وعلا وعد بالغنى عند التزويج وعند الطلاق.
أما التزويج: ففي قوله هنا: ( إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ).
وأما الطلاق: ففي قوله تعالى: ( وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلّاً مِنْ سَعَتِهِ ) النساء/ 130.
والظاهر: أن المتزوج الذي وعده الله بالغنى هو الذي يريد بتزويجه الإعانة على طاعة الله بغض البصر، وحفظ الفرج، كما بيَّنه النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ( يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ) الحديث، وإذا كان قصده بالتزويج طاعة الله بغض البصر وحفظ الفرج: فالوعد بالغنى إنما هو على طاعة الله بذلك. ” أضواء البيان ” ( 5 / 531 ).
وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:
فيختار المرأة التي عُرفت قريباتها بكثرة الولادة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم أمر بذلك فقال: ( تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة )؛ ولأن كثرة الأمَّة عِزٌّ لها، وإياك وقول الماديين الذين يقولون: إن كثرة الأمة يوجب الفقر، والبطالة، والعطالة، بل الكثرة عِزٌّ امتن الله به على بني إسرائيل، حيث قال: ( وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا ) الإسراء/ 6، وذَكَّر شعيبٌ عليه الصلاة والسلام قومَه بها حيث قال: ( وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ ) الأعراف/ 86، فكثرة الأمة عِزٌّ، لا سيما إذا كانت أرضهم قابلة للحراثة، والزراعة، والصناعة، بحيث يكون فيها مواد خام للصناعة وغير ذلك، وليس – والله – كثرة الأمة سببًا للفقر والبطالة أبدًا.
لكن مع الأسف أن بعض الناس – الآن – يختار المرأة التي يمكن أن تكون عقيمًا، فهي أحب من الولود، ويحاولون أن لا تلد نساؤهم إلا بعد ثلاث أو أربع سنوات من الزواج وما أشبه ذلك، وهذا خطأ؛ لأنه خلاف مراد النبي صلّى الله عليه وسلّم، ويقولون أحيانًا: إن تربيتهم تشق، فنقول: إذا أحسنتم الظن بالله: أعانكم الله.
ويقولون أحيانًا: إن المال الذي عندنا قليل، نقول لهم: ( وَمَا مِنْ دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا ) هود/ 6، وأحيانًا يرى الإنسان الرزق ينفتح إذا ولد له، وقد حدثني من أثق به – وهو رجل يبيع ويشتري – يقول: إني منذ تزوجت فتح الله عليَّ باب رزق، ولما ولد ولدي فلان انفتح باب رزق آخر، وهذا معلوم؛ لأن الله يقول ( وَمَا مِنْ دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا ) هود/ 6، ويقول: ( وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ مِنْ إِمْلاَقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ) الأنعام/ 151، وقال: ( وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاَقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ) الإسراء/ 31، وقال: ( إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ) النور/ 32.
فالحاصل: أن هذه العلة – وهي كون الأولاد سببًا للفقر – خطأ.
” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 12 / 16 ، 17 ).
وبه يتبين أن ما قاله الأخ السائل من أن التزوج بثانية لا يجوز خشية الفقر: لا أصل له في الشرع، إنما الذي ثبت في الشرع النهي عن التزوج بثانية وثالثة ورابعة لمن لا يستطيع العدل بين نسائه في النفقة والمسكن والمبيت، وأما من ملك القدرة: فإنه يرغَّب بالتزوج من أخرى، قال تعالى ( فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ ) النساء/ 3، ومعنى ” ألاَّ تعولوا ” أي: ألاَّ تجوروا، ولم يقل الله تعالى ” فإن خفتم الفقر ” أو ” إن خفتم كثرة الولد “، بل قد جاء في الحديث الصحيح أن الله تعالى تكفَّل بإعانة الناكح الذي يريد العفاف – كما سبق -، والشرع المطهر رغَّب كل زوج بإنجاب الأولاد، بل بالإكثار منه، ولو من زوجة واحدة، فسقط بذلك القول بتحديد النسل بناء على الشبهة الأولى.
ثالثًا:
– وأما قياس تحديد النسل على حكم التزوج على اعتبار أن الأصل فيه الندب: فقياس باطل:
أ. فالزواج ليس حكما واحدًا لا الندب ولا الإباحة، بل إنه تجري فيه الأحكام الخمسة، فقد يكون واجبًا وقد يكون حرامًا، ومن يتأمل حال الفتن والشهوات في زماننا هذا لا يتردد في القول بوجوب تزوج الشباب القادرين؛ حفاظًا على أنفسهم، وخشية من الوقوع في الفاحشة.
فكيف يمكن قياس إباحة تحديد النسل على زواج واجب – مثلًا -؟!.
ب. ثم إن الزواج مِن هدي النبي صلى الله عليه وسلم وسنّته، كما في قوله صلى الله عليه وسلم ردًّا على مَن أراد ترك النكاح وقال: ( أَمَّا أَنَا فَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي ) كما رواه البخاري ( 4776 ) ومسلم ( 1401 ).
فهل هذا هو حال وحكم تحديد النسل؟!.
ج. ثم إن الشريعة المطهرة قد رغَّبت في التكاثر والتناسل، وهو ما لا يكون إلا من زواج واتخاذ إماء، ونهت عن التبتل والانقطاع عن التزوج، كما في حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ بِالْبَاءَةِ وَيَنْهَى عَنْ التَّبَتُّلِ نَهْيًا شَدِيدًا وَيَقُولُ: ( تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ إِنِّي مُكَاثِرٌ الْأَنْبِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) رواه أحمد (12202 ) وصححه الهيثمي في ” مجمع الزوائد ” ( 4 / 474 ).
فكيف سيلتقي هذا مع قطع النسل بعدم التزوج؟!.
قال أبو حامد الغزالي – رحمه الله -:
وفي التوصل إلى الولد قربة من أربعة أوجه هي الأصل في الترغيب فيه عند الأمن من غوائل الشهوة حتى لم يحب أحدهم أن يلقى الله عزبًا:
الأول: موافقة محبة الله بالسعي في تحصيل الولد لإبقاء جنس الإنسان.
والثاني: طلب محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تكثير من به مباهاة.
والثالث: طلب التبرك بدعاء الولد الصالح بعده.
والرابع: طلب الشفاعة بموت الولد الصغير إذا مات قبله.
” إحياء علوم الدين ” ( 2 / 24 ).
د. ثم إن النظرة للزواج على أن مقصودها الإنجاب فقط نظرة قاصرة؛ إذ ثمة مصالح كثيرة تكون التزوج غير كثرة الولد، فكيف يُجعل من ليس متزوجًا كمن هو متزوج وله ولدان – مثلًا -؟!.
قال أبو حامد الغزالي – رحمه الله -:
النكاح مُعين على الدِّين، ومهين للشياطين، وحصن دون عدو الله حصين، وسبب للتكثير الذي به مباهاة سيد المرسلين لسائر النبيين.
” إحياء علوم الدين ” ( 2 / 21 ).
وقال – أيضًا -:
وفيه فوائد خمسة: الولد، وكسر الشهوة، وتدبير المنزل، وكثرة العشيرة، ومجاهدة النفس بالقيام بهن. ” إحياء علوم الدين ” ( 2 / 24 ).
– وانظر طائفة من أقوال العلماء واللجان العلمية والمجامع الفقهية في تحريم تحديد النسل في مظانها.
والله أعلم.


