حكم الكتابة في هامش المصحف بما يحتاجه الطالب من ملاحظات ومعاني كلمات
السؤال
هل يجوز الكتابة على متن القرآن الكريم؟ أي: هل يجوز التحشية والتعليق وكتابة الملاحظات في المصحف؟ لأنني قد رأيت بعض الأخوات يفعلن ذلك فلم أشعر بالارتياح لذلك لا سيّما وأن بعض الأقلام يُستخدم في تصنيع أحبارها بعض المستحضرات الكحولية، فما توجيهكم؟.
الجواب
الحمد لله
اختلف العلماء في حكم كتابة شيء غير آيات القرآن في المصحف، سواء مع الآيات، تفسيرًا لها، أو على هامش المصحف، كذكر أسباب النزول، بل وصل المنع عند المتقدمين إلى المنع من وضع علامات تقسيم القرآن إلى أجزاء، وأحزاب، بل ووصل أمر المنع إلى المنع من التنقيط، وكتابة علامات تشكيل الحروف، كالضمة، والفتحة.
وكل ذلك يدل على عظيم اهتمام السلف الصالح، والأئمة العلماء، بكتاب الله تعالى، والمنع من اختلاط شيء بغيره، وإبقاء شأن حروفه كما كتبها الصحابة الأجلاء رضي الله عنهم.
لكن لا يُنكر أنه وُجدت مصالح عظيمة في أكثر ما منعه أولئك الأجلاء، فما رأوا فيه مصلحة عظيمة أجازوه – كالتنقيط والتشكيل -، وما رأوا فيه ضررًا أبقوا المنع فيه – ككتابة التفسير مع الآيات -، وهذا فقه جليل، يدل على أن تعظيم القرآن غير مرتبط بعواطف مجردة عن النظر البعيد إلى المصلحة، وكل ذلك يؤدي إلى الحفاظ على كتاب الله من أن يتطرق إليه التحريف والخطأ في النطق.
وفي ” حاشية ابن عابدين ” ( 6 / 386 ):
ما روي عن ابن مسعود ” جرِّدوا القرآن “: كان في زمنهم، وكم من شيء يختلف باختلاف الزمان، والمكان، كما بسطه الزيلعي، وغيره. انتهى.
ويمكننا ضبط مسألة الكتابة في المصحف بتقسيمين مجملين:
الأول: أن تكون الكتابة لرموز، وعلامات.
وهذا الأمر لا ينبغي التشدد في منعه، بل ينظر فيه إلى المصالح المتحققة منه، فإن وجدت: أُقرت، وإلا منعت، ولا يُشك في وجود مصالح كثيرة من وجود علامات تقسيم القرآن لأجزاء وأحزاب؛ تسهيلًا لحفظه، ومراجعته، وكذا من وجود مصالح من وضع رمز يدل على أن هذه الآية فيها سجود تلاوة.
وإنما كان الأصل هو التساهل بالنقط، والعلامات: لأنه ليس لها صورة الحروف، التي توهم ما ليس قرآناُ أنه قرآن.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
المصاحف التي كتبها الصحابة لم يشكلوا حروفًا، ولم ينقطوها؛ فإنهم كانوا عربًا لا يلحنون، ثم بعد ذلك في أواخر عصر الصحابة لمَّا نشأ اللحن صاروا ينقطون المصاحف، ويشكلونها، وذلك جائز عند أكثر العلماء، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وكرهه بعضهم، والصحيح: أنه لا يكره؛ لأن الحاجة داعية إلى ذلك، ولا نزاع بين العلماء أن حكم الشكل، والنقط حكم الحروف المكتوبة؛ فإن النقط تميِّز بين الحروف، والشكل يبين الإعراب؛ لأنه كلام من تمام الكلام. ” مجموع الفتاوى ” ( 12 / 576 ).
وقال السيوطي – رحمه الله -:
وأما النقط فيجوز؛ لأنه ليس له صورة فيتوهم لأجلها ما ليس بقرآن قرآنًا، وإنما هي دلالات على هيئة المقروء، فلا يضر إثباتها لمن يحتاج إليها. ” الإتقان في علوم القرآن ” ( 2 / 455 ).
ويدخل في هذه العلامات والرموز الجائزة: تنقيط كلمات القرآن، ووضع علامات التشكيل، وهذه إن لم تكن له مصلحة عظمى: فهي ضرورة توجبها الحاجة الماسة، وهي داخلة في حفظ القرآن الذي تكفل الله تعالى بحفظه، ويسَّر أسباب ذلك، وهذا من الأسباب.
قال السيوطي – رحمه الله -:
قال النووي: نقط المصحف، وشكلُه: مستحب؛ لأنه صيانة له من اللحن، والتحريف. ” الإتقان في علوم القرآن ” ( 2 / 456 ).
ويدخل في الجواز: تلوين كلمات الآيات وفق أحكام التجويد، بشرط العناية الفائقة في الأمر.
ولا يدخل في الجواز ما يوضع من خطوط تشويهية تحت الآيات، ولا يدخل – كذلك – تعليم بعض الكلمات أو الآيات باللون الفسفوري؛ لما فيه من تشويه وعبث بأوراق المصحف، من غير ضرورة، ولا حاجة، ولا مصلحة معتبرة.
والثاني: أن تكون لكلمات من جنس كلمات القرآن.
وهذا الثاني ينقسم إلى قسمين:
أ. أن تكون الكتابة داخل إطار الآيات، ومعها.
وهذه مما ينبغي التشدد فيها، المنع منها، ولئن تشدد فيها السلف أول أمر تدوين المصحف: فلا تزال المصلحة من المنع قائمة.
قال السيوطي – رحمه الله -:
وقال الجرجاني – من أصحابنا – في ” الشافي “: مِن المذموم كتابة تفسير كلمات القرآن بين أسطره. ” الإتقان في علوم القرآن ” ( 2 / 456 ).
ب. أن تكون خارج إطار الآيات، وفي هامش المصحف.
وهذه مما منع منها بعض العلماء المعاصرين، ومنهم علماء اللجنة الدائمة، حيث قالوا:
الأصل الذي جرى عليه عمل الأمة: هو تجريد كتاب الله تعالى من أي إضافة إليه، ويبقى تداول المصحف برسمه المتداول بين المسلمين، دون إضافة أو نقص.
لهذا ننصحك بترك ما ذكر من التحشية على المصحف، وبوسعك أن تكتب ما تحتاج إليه في أوراق خاصة تشير إلى اسم السورة ورقم الآية، فتجمع بين المحافظة على كتاب الله تعالى، وبين تقييد ما يفيدك ويعينك على فهمه.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” المجموعة الثانية ( 3 / 53 ، 54 ).
لكننا نرى أنه ليس ثمة مفسدة من كتابة ما يفيد من معاني الكلمات، وشروح الآيات، وذِكر أسباب النزول، والقراءا، وكتابة التأملات، وكتابة المتشابه من الكلمات، والآيات، إذا كان ذلك على هامش المصحف.
وتنوع طرق الطباعة: يجعل الخلط بين القرآن والكتابة في هامشه بعيدًا جدًّا، فالآيات القرآنية لها خطها الخاص، ولها تشكيلها، وحولها إطارها الذي يفصلها عن الكتابة حوله، والذي عادة ما يميَّز بخطٍّ وحجمٍ مختلفيْن عن خط وحجم حروف المصحف.
وقد طُبع في هامش المصحف كثير من التفاسير، كتفسير البيضاوي، والجلالين، وزبدة التفسير، وتفسير السعدي – وقد قدَّم له الشيخ العثيمين رحمه الله -، وغيرها كثير، كما طبع في هامشه أسباب النزول، ومعاني الكلمات، والقراءات، وكل ذلك بكتابة، وإشراف، وعناية، وإقرار، علماء أجلاء، وقد نفع الله بما كتبوه كثيرًا، ولم يختلط ما كتبوه بالمصحف على أحدٍ.
وعليه: فالذي نطمئن إلى القول به: هو جواز مثل تلك الكتابات العلمية النافعة في هامش المصحف، بشرط جعلها خارج إطار الآيات، وتمييزها بخط طباعي خاص.
وأما كتابة ملاحظات للمعلِّم أو للطالب في هامش المصحف – لا في داخله إلا أن تكون إشارت ورموزًا -: فنرى أن تكون بقلم رصاص، وتُمحى بعد الانتهاء من الحاجة إليها، ولا نرى كتابة شيء بقلم حبر خشية من تعرض المصحف للتشويه بالشطب وسوء الخط، وليس المنع من أجل وجود مستحضرات كحولية دخلت في صناعة أحبار تلك الأقلام، بل مما تسببه تلك الأقلام من تشويهات للمصحف، وخاصة أن تلك الكتابات لا يسهل محوها كما هو الحال في كتابة قلم الرصاص، وهذا يختلف عن الحروف المطبوعة بإتقان في هامش المصحف؛ فإنه قد سبق منا جوازها، وإنما كلامنا هنا على ما يخطه المعلِّم أو الطالب.
سئل الشيخ عبد الله بن جبرين – رحمه الله -:
يقوم بعض مدرسي القرآن الكريم بوضع ملاحظات بالقلم الرصاص على مصحفهم، أو مصاحف الطلاب لتنبيههم إلى أخطائهم بوضع خط تحت مواضع الغنة ونحوها من أحكام التلاوة، وذلك بعد الفراغ من التلاوة، فهل يجوز كتابة شيء من هذا القبيل على المصحف؟ أفتونا مأجورين.
فأجاب:
أرى أنه لا بأس بوضع هذه الملاحظات لما ذكر من الأسباب، سواء وضعت بالهامش أو الحاشية أو وضعت بين الأسطر، إذا كانت تلك الملاحظات رموزا أو إشارات تشبه ما في المصاحف من حروف علامات الوقف وعلامات قراءة التحويد، مثل الإخفاء والإظهار والإقلاب، فمتى كانت هذه الملاحظات بأحرف صغيرة وبأقلام الرصاص بحيث يتمكن من محوها بعد انتهاء الغرض منها فلا بأس بوضعها لهذا السبب، وإنما ورد النهي أن يكتب في المصاحف ما ليس منها إذا خيف التباس ذلك على القارئ، وتوهمه أن تلك الكتابة من القرآن أو من بيان معاني القرآن، أما إذا لم يخف من الالتباس: فلا نرى بأسًا بوضعها لهذا الغرض بقدر الحاجة، والله أعلم.
” فتاوى علماء البلد الحرام ” ( ص 395 ).
والله أعلم.


