هل يتزوجها مع علمه بعدم مقدرتها على الإنجاب؟

السؤال

سؤالي يتعلق بالزواج بامرأة مع علمي أنها لا تنجب، أبلغ من العمر 37 عاما, وأنا مُطلق, وقد تقدمت طالبا الزواج من امرأة مطلقة. لقد كانت موجودة أمامي عندما طلبت أن أتزوج بها وقالت لي بأن زوجها السابق جعلها تجري عملية حتى لا تنجب أبدا لقد أخبرتني بذلك علمًا منها أنه من المرجح أن أكون أرغب في الولد, وحتى أبحث عن غيرها إن كان أمر الأطفال يهمني. وقد قبلت بحقيقة أنها قد لا تنجب أبدا, مع أننا – أنا وهي – نريد أن نحاول إجراء عملية أخرى راجين من الله أن يرزقنا بالأطفال.

وسؤالي هو: هل يعد علمي بأمر عدم مقدرتها على الأنجاب, هل يعد ذلك سببا جيدا, أمام الله, لألغي نيتي في الزواج بها؟ اؤمن بأنه إن أراد الله لنا أن ننجب, فإنه سييسر ذلك. لكني أسأل ما إذا كان ذلك سببا جيدا لإلغاء اعتزامي على الزواج بها، لا لشيء إلا لأن والدي يريد أن يرى أحفاده مني, مع أن لديه العديد من الأحفاد من إخوتي وأخواتي.

أنا لا أريد أن أغضب والدي؛ لكني تقدمت طالبا الزواج من هذه المرأة التي يهمني أمرها, وأنا لا أريد أن أجرحها هي الأخرى. لقد انتظرت, صليت لله منذ زمن قبل أن أقدم على طلب الزواج منها. لقد سمح والداها بالزواج, لكني في ورطة بسبب رغبة والدي, وأنا أنتظر أمر الله.

لقد تعرفت عليها قبل عامين بينما كنت أصلح سيارتها, وفي أثناء السنتين الماضيين, سألت عنها من يعرفها. وحسب ما ذكره كل من يعرفونها, فإنها امرأة فاضلة وتهتم بأمور غيرها.

سألت الله, وأنا أصلي باستمرار طالبا من الله أن يساعدني في مشكلتي. وأنا أرجو أن تتمكن أنت من إرشادي إلى الوجهة الصحيحة التي تظن أن الله يرضى عنها.

الجواب

الحمد لله

إن مطلب التناسل والتكاثر مطلب عزيز في الإسلام بل إن الطباع البشرية الفطرية والعقل السليم يحكمان بضرورة التناسل، حتى إن الناس من أهل الجاهلية قديماً كانوا يفتخرون بكثرة الولد قال الله تعالى ممتنًا بأعطياته للوليد بن المغيرة:{ ذرني ومن خلقت وحيدًا. وجعلت له مالاً ممدوداً وبنين شهودًا. ومهدت له تمهيدًا } [ المدثر / 11 – 14 ]، فجعل الله تعالى البنين من المنن التي منَّ بها على الوليد.

وورد في القرآن عن الرجل صاحب الجنتين الذي قال الله تعالى على لسانه:{ وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالاً وأعز نفراً } [ الكهف / 34 ].

وكان الأنبياء يحبون البنين حتى إن الله كان يعطيهم الولد وهم شيوخ كبار، قال تعالى على لسان زكريا:{ وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرًا فهب لي من لدنك وليًا. يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيًا }[ مريم / 5-6 ].

وبشر الله تعالى إبراهيم بالولد وهو شيخ كبير وزوجه عجوز قال الله تعالى:{ وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب . قالت يا ويلتا أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخًا إن هذا لشيء عجيب } [ هود / 71 – 72]، فكانت هبة الولد نعمة من الله تعالى توجب الشكر والحمد، قال الله تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام:{ الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء } [ إبراهيم / 39 ].

– وأما نبينا محمد فهو صاحب الراية ومحقق الغاية.

عن أنس بن مالك قال: ” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تزوجوا الودود الولود إني مكاثر الأنبياء يوم القيامة “.  رواه أحمد ( 12202 ).

* قال الهيثمي:

رواه أحمد والطبراني في الأوسط وإسناده حسن.  ” مجمع الزوائد ” ( 4 / 258 ).

* وقال ابن حجر:

الأحاديث الواردة في ذلك كثيرة فأما حديث ” فإني مكاثر بكم ” فصح من حديث أنس بلفظ ” تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم يوم القيامة “. ” فتح الباري ” ( 9 / 111 ).

وعن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” ما من الأنبياء نبي إلا وقد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحاه الله عز وجل إلي وأرجو أن أكون أكثرهم تبعا يوم القيامة “. رواه البخاري ( 4598 ) ومسلم ( 217 ).

وعن حفصة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ”  لا يدع أحدكم طلب الولد فان الرجل إذا مات وليس له ولد انقطع اسمه “.  رواه الطبراني ( 23 / 210 ).

* قال الهيثمي:

رواه الطبراني وإسناده حسن. ” مجمع الزوائد ” ( 4 / 258 ).

عن عبد الرحمن بن سالم بن عتبة بن عويم بن ساعدة الأنصاري عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” عليكم بالأبكار فإنهن أعذب أفواها وأنتق أرحاما وأسخن أقبالاً وأرضى باليسير من العمل “. رواه ابن ماجه ( 1851 ). والحديث: صححه الشيخ الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 624 ).

* قال القرطبي:

وخرج ابن ماجه عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” النكاح من سنتي فمن لم يعمل بسنتي فليس منى ” و” تزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم ” و” من كان ذا طول فلينكح  ومن لم يجد فعليه بالصوم فإنه له وجاء “، وفي هذا رد على بعض جهال المتصوفة حيث قال: الذي يطلب الولد أحمق! وما عرف أنه هو الغبي الأخرق قال الله تعالى مخبرًا عن إبراهيم الخليل { واجعل لي لسان صدق في الآخرين } وقال { والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين } وقد ترجم البخاري عند هذا ” باب طلب الولد “، وقال صلى الله عليه وسلم لأبي طلحة حين مات ابنه ” أعرستم الليلة؟ ” قال رجل من الأنصار: فرأيت تسعة أولاد كلهم قد قرءوا القرآن، وترجم أيضا ” باب الدعاء بكثرة الولد مع البركة ” وساق حديث أنس بن مالك قال : قالت أم سليم: يا رسول الله خادمك أنس ادع الله له، فقال: ” اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما أعطيته”، وقال صلى الله عليه وسلم: ” اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين واخلفه في عقبه في الغابرين ” خرجه البخاري ومسلم، وقال صلى الله عليه وسلم: ” تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم الأمم ” أخرجه أبو داود، والأخبار في هذا المعنى كثيرة تحث على طلب الولد وتندب إليه لما يرجوه الإنسان من نفعه في حياته وبعد موته قال صلى الله عليه وسلم: ” إذا مات أحدكم انقطع عمله إلا من ثلاث، فذكر: أو ولد صالح يدعو له “، ولو لم يكن إلا هذا الحديث لكان فيه كفاية.  ” تفسير القرطبي ” ( 4 / 72 – 73 ).

* وقال رحمه الله تعالى: 

وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يقول إني لأتزوج المرأة ومالي فيها من حاجة وأطؤها وما أشتهيها قيل له: وما يحملك على ذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: حبي أن يخرج الله مني من يكاثر به النبي صلى الله عليه وسلم النبيين يوم القيامة وإني سمعته يقول بالأبكار ” فإنهن أعذب أفواها وأحسن أخلاقا وأنتق أرحاما ” و” إني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة ” يعني بقوله ” أرحاما “: أقبَل للولد. ” تفسير القرطبي ” ( 9 / 328 ).

فهذا هو أحد المطالب التي أراد الأنبياء أن يحققوها من التناكح، فما ينبغي لأحد أن يخالف سنة الأنبياء ويرغب عن سنتهم.

ولكن إن أردت أن تتزوجها على أن تتزوج غيرها وتكون إحدى نسائك اللواتي ترجو منهن الولد فلا بأس بهذا، إن علمت من نفسك أنك قادر فيما بعد – بإذن الله تعالى – أن تكون من المعددين للنساء.

ثم إنك قد تتزوجها دون أن يكون لك منها الولد تم لا تلبث أن تتوق نفسك بأن يكون لك الولد فتوقع الظلم على المرأة وتضيق عليها أمر دنياها، ثم ما تلبث أن تطلقها.

فرفضك لها الآن وصدمتك لها خير لك من أن تصدمها بعد أن يضيع شبابها ويفنى عمرها ولا تجد من يؤويها فتكون الصدمة لها أكبر.

ثم إنك ذكرت بأن أباك يريد منك أن تتزوج ممن يرجى منها الولد وأنه يغضب منك إن لم تطعه، ولا شك أن رأي أبيك رأي موافق للشرع وهو غير ملزم لك في هذا، كما أن زواجك من المرأة التي ذكرت غير لازم.

فكانت المسألة منك تطوعًا وحبًا للخير، فأرى أن طاعة أبيك مع طلب الولد لك من زوجة ودود ولود خير لك من مراعاة شعور امرأة ليس عليك إثم إن تركت زواجها.

ولكنك قلت: إنها قد تجري عملية يعود لها ما ذهب منها من المقدرة على إنجاب الولد، فإن تيسر هذا فقد يكون خير الحلول وأحسنها، وإن لم يتيسر فاتبع ما أرشدناك.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة