أرجو أن توضح ما إذا كان القرآن مخلوقًا أم لا؟

السؤال

أرجو أن توضح ما إذا كان القرآن مخلوقًا أم لا؟ أنا أظن أن القرآن ليس مخلوقا, لكني أرغب في الحصول على إجابة تفصيلية حول ذلك.

الجواب

الحمد لله

إن أردنا أن نثبت شيئًا من دين الله أو أن ننفيه في العقيدة فيجب علينا أن نتحرى عقيدة أهل السنة والجماعة وعقيدة الصحابة الكرام والتابعين الأولين ومن سار على نهجهم من أهل السنة بعيدًا عن هرطقات أهل البدع وضلالاتهم.

فالمسألة التي نحن بصددها وهي مسألة ” أن القرآن مخلوق “، وأنه ليس كلام الله تعالى، قول مبتدع لم يأت به كتاب الله ولا سنة النبي صلى الله عليه وسلم ولا علمه أحد من الصحابة والتابعين فضلًا أن يكونوا قد دعوا إليه، إنما هو قول زمرة أهل البدع من الجهمية وغيرهم.

أما القرآن والسنة فإنهما يثبتان أن القرآن من كلام الله تعالى، وكذلك الصحابة الكرام والعلماء من السلف الذين اتبعوا الحق ولم يتنكبوا البدعة وأول من قال بخلق القرآن هو الجهم بن صفوان عليه لعنة الله.

* قال الإمام اللالكائي:

قال ابن شوذب: تركَ الصلاةَ – يعني: جهما – أربعين يومًا على وجه الشك.

” اعتقاد أهل السنة ” ( 3 / 379 ).

* وقال يزيد بن هارون:

القرآن كلام الله، لعن الله جهمًا ومن يقول بقوله، كان كافرًا جاحدًا، تركَ الصلاةَ أربعين يومًا، زعم يرتاد دينًا، وأنه شك في الإسلام، قال يزيد: قتله سلم بن أحوز بأصبهان على هذا القول. ” المرجع السابق “.

* قال أحمد بن عبد الله الشعرانى:

سمعت سعيد بن رحمة صاحب إسحاق الفزاري: يقول إنما خرج جهم عليه لعنة الله سنة ثلاثين ومائة فقال القرآن مخلوق فلما بلغ العلماء تعاظمهم فأجمعوا على أنه تكلم بالكفر، وحمل الناس ذلك عنهم. ” المرجع السابق ” ( 3 / 380 ).

ومن أهم أدلة القوم على أن القرآن مخلوق:

أ. قول الله تعالى: { إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون } [ الزخرف / 3 ].

ولكن الإمام أحمد رضي الله عنه أظهر الحجة على بطلان قولهم فقال:

الفرق بين الخلق والجعل فمما يسأل عنه الجهمي يقال له: تجد في كتاب الله أنه يخبر عن القرآن أنه مخلوق فلا يجد، فيقال له: فتجده في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إن القرآن مخلوق فلا يجد، فيقال له: فمن أين قلت؟ فسيقول من قول الله: { إنا جعلناه قرآنا عربيا } [ الزخرف / 3 ]، وزعم أن ” جعل ” بمعنى ” خلق “، فكل مجعول هو مخلوق فادعى كلمة من الكلام المتشابه يحتج بها من أراد أن يلحد في تنزيله ويبتغي الفتنة في تأويلها.

* وذلك أن ” جعل ” في القرآن من المخلوقين على وجهين:

على معنى التسمية وهي معنى فعل من أفعالهم وقوله: { الذين جعلوا القرآن عضين } [ الحجر/ 91 ]، قالوا: هو شعر وأنباء الأولين وأضغاث أحلام فهذا على معنى التسمية، قال: { وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا } [ الزخرف /  15 ] يعنى أنهم سموهم إناثا.

ثم ذكر ” جعل ” على غير معنى التسمية فقال: { يجعلون أصابعهم في آذانهم } [ البقرة /   19 ]، فهذا على معنى فعل من أفعالهم، وقال: { حتى إذا جعله نارًا} هذا على معنى ” فعل ” فهذا ” جعل ” المخلوقين.

ثم ” جعل ” مِن أمر الله على معنى: خلق، و” جعل ” على معنى غير خلق، لا يكون إلا خلق ولا يقوم إلا مقام خلق خلقا لا يزول عنه المعنى وإذا قال الله  ” جعل ” على غير معنى ” خلق ” لا يكون خلق، ولا يقوم مقام خلق، ولا يزول عنه.

فمما قال الله ” جعل ” على معنى ” خلق “: قوله: { الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور } [ الأنعام / 1 ]، يعنى: وخلق الظلمات والنور، وقال: { وجعل لكم السمع والأبصار } [ النحل / 78 ]، يقول: وخلق لكم السمع والأبصار، وقال: { وجعلنا الليل والنهار آيتين } [ الإسراء / 12 ] ويقول: وخلقنا الليل والنهار آيتين، وقال: { وجعل الشمس سراجا } [ نوح / 16 ]، وقال: { هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها } [ الأعراف / 189 ] يقول: خلق منها زوجها يقول: وخلق من آدم حواء، وقال: { وجعل لها رواسي } [ النحل / 61 ] يقول: وخلق لها رواسي، ومثله في القرآن كثير.

فهذا وما كان مثله لا يكون إلا على معنى خلق.

ثم ذكر ” جعل ” على غير معنى ” خلق “: قوله: { ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة } [ المائدة / 103 ] لا يعنى ما خلق الله من بحيرة ولا سائبة، وقال الله لإبراهيم: { إني جاعلك للناس إماما } [ البقرة / 124 ] لا يعنى إني خالق للناس إماما؛ لأن خلْق إبراهيم كان متقدمًا، وقال إبراهيم: { رب اجعل هذا البلد آمنا } [ إبراهيم / 35 ]، وقال إبراهيم:{ رب اجعلني مقيم الصلاة } [ إبراهيم / 40 ] لا يعنى اخلقني مقيم الصلاة، وقال { يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة} [ آل عمران /  176 ]، وقال لأم موسى: { إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين } [القصص / 7 ] لا يعنى وخالقوه من المرسلين؛ لأن الله وعد أم موسى أن يرده إليها ثم يجعله من بعد ذلك رسولًا، وقال: { ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم  } [ الأنفال / 37 ]، وقال:   { ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين} [ القصص / 5 ]، وقال: { فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا } [ الأعراف / 143 ] لا يعنى وخلقه دكا، ومثله في القرآن كثير.

فهذا وما كان على مثاله لا يكون على معنى ” خلق ” فإذا قال الله ” جعل ” على معنى ” خلق ” وقال ” جعل ” على غير معنى ” خلق ” فبأي حجة قال الجهمي  ” جعل ” على معنى ” خلق “؟ فإن ردَّ الجهمي ” الجعل ” إلى المعنى الذي وصفه الله فيه وإلا كان من الذين يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون فلما قال الله: { إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون } [ الزخرف / 3 ] وقال { لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين } [ الشعراء / 194، 195 ]، وقال { فإنما يسرناه بلسانك } [ مريم / 97 ]، فلما جعل الله القرآن عربيا ويسره بلسان نبيه صلى الله عليه وسلم: كان ذلك فعلا من أفعال الله تبارك وتعالى جعل القرآن به عربيا يعني هذا بيان لمن أراد الله هداه مبينا وليس كما زعموا معناه أنزلناه بلسان العرب وقيل بيناه.

” الرد على الزنادقة والجهمية ” ( ص 22 – 25 ).

ب. ومما استدلوا به قول الله تعالى: { الله خالق كل شيء } [ الرعد / 16 ]. فقالوا: القرآن شيء ، فهو مخلوق؛ لأنه شيء.

* قال الإمام ابن أبي العز الحنفي يرد عليهم:

وأما استدلالهم بقوله تعالى { الله خالق كل شيء } [ الرعد / 16 ] والقران شيء فيكون داخلا في عموم ” كل ” فيكون مخلوقًا: أعجب العجب، وذلك أن أفعال العباد كلها عندهم غير مخلوقة لله تعالى وإنما يخلقها العباد جميعها لا يخلقها الله فأخرجوها من عموم ” كل “، وأدخلوا كلام الله في عمومها مع أنه صفة من صفاته به تكون الأشياء المخلوقة إذ بأمره تكون المخلوقات، قال تعالى { والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر } [ الأعراف / 53 ]، ففرَّق بين الخلق والأمر فلو كان الأمر مخلوقًا للزم أن يكون مخلوقاً بأمر آخر والآخر بآخر إلى ما لا نهاية له فيلزم التسلسل وهو باطل.

وطرد باطلهم أن تكون جميع صفاته تعالى مخلوقة كالعلم والقدرة وغيرهما وذلك صريح الكفر فإن علمه شيء وقدرته شيء وحياته شيء فيدخل ذلك في عموم  ” كل ” فيكون مخلوقًا بعد أن لم يكن تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا ….

وعموم ” كل ” في كلِّ موضع بحسبه، ويعرف ذلك بالقرائن ألا ترى إلى قوله تعالى: {تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم } [ الأحقاف /25 ]، ومساكنهم: شيء، ولم تدخل في عموم  كل شيء دمرته الريح، وذلك بأن المراد: تدمر كل شيء يقبل التدمير بالريح عادة ما يستحق التدمير.

وكذلك قوله تعالى حكاية عن بلقيس: { وأوتيت من كل شيء } [ النمل / 23 ] المراد: من كل شيء يحتاج إليه الملوك، وهذا القيد يفهم من قرائن الكلام، إذ مراد الهدهد أنها ملكة كاملة في أمر الملك غير محتاجة إلى ما يكمل به أمر ملكها، ولهذا نظائر كثيرة.

والمراد من قوله تعالى { خالق كل شيء } [ الرعد / 16 ]: أي: كل شيء مخلوق وكل موجود سوى الله فهو مخلوق فدخل في هذا العموم: أفعال العباد حتمًا، ولم يدخل في العموم الخالق تعالى، وصفاته ليست غيره لأنه سبحانه وتعالى هو الموصوف بصفات الكمال وصفاته ملازمة لذاته المقدسة لا يتصور انفصال صفاته عنه كما تقدم الإشارة إلى هذا المعنى عند قوله ( ما زال قديما بصفاته قبل خلقه )، بل نفس ما استدلوا به يدل عليه.

فإذا كان قوله تعالى: { الله خالق كل شيء }: مخلوقًا: لا يصح أن يكون دليلًا.

” شرح العقيدة الطحاوية ” ( ص 171 – 174 ).

وهذا الذي عليه القائلون بخلق القرآن لم يشاركهم فيه أحد من علماء السنة وإنما معتقد أهل السنة أنه كلام الله تعالى وإليك بعض أقوالهم:

* قال عبد الله بن أحمد بن حبل:

قول العلماء في القرآن ومن حفظ لنا عنه أنه قال كلام الله ليس بمخلوق :

سمعت أبي وسأله عبد الله بن عمر المعروف بمشكدانة عن القرآن فقال: كلام الله عز وجل وليس بمخلوق.

سمعت أبي رحمه الله مرة أخرى سئل عن القرآن فقال: كلام الله عز وجل ليس بمخلوق ولا تخاصموا ولا تجالسوا من يخاصم.

حدثني أبو جعفر بن إشكاب قال سمعت أبي وهو الحسين بن إبراهيم بن إشكاب مالا أحصي يقول: القرآن كلام الله عز وجل غير مخلوق ومن قال مخلوق فهو كافر.

حدثنا أبو الحسن بن العطار قال سمعت عاصم بن علي بن عاصم يقول: القرآن كلام الله عز وجل وأراه قال ليس بمخلوق.

قال أبو الحسن وسمعت هارون الفروي يقول: القرآن كلام الله وليس بمخلوق حد ثني أبو الحسن بن العطار قال سمعت عبد الوهاب بن الحكم الوراق يقول: القرآن كلام الله عز وجل وليس بمخلوق. ” السنة ” لعبد الله بن أحمد ( 1 / 132- 133 ).

وأخيرًا نختم بما قاله إمام أهل السنة والجماعة أحمد بن حنبل رحمه الله قال:

وإن القرآن كلام الله تعالى منذ بدا بلا كيفية قولا أنزله على نبيه وحيا وصدقه المؤمنون على ذلك حقا أيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة وليس بمخلوق ككلام البرية، فمن سمعه وزعم أنه كلام البشر: فقد كفر، وقد ذمه الله تعالى وعابه وأوعده عذابه حيث قال { سأصليه سقر } فلما أوعد الله سقر لمن قال إن هذا إلا قول البشر: علمنا أن هذا قول خالق البشر، ولا يشبهه قول البشر، ومن وصف الله تعالى بمعنى من معاني البشر: فقد كفر، فمن أبصر هذا اعتبر وعن مثل قول الكفار ازدجر.  ” الورع ” لأحمد بن حنبل ( 1 / 199 ).

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة