زوجها لا ينفق عليها ولا على أطفالها، فكيف تنفصل عنه؟

السؤال

أعيش في إنجلترا، وعندي طفلتين تذهب الصغرى منهما لمدرسة لذوي الحاجات الخاصة.  والد الطفلتين يعمل في الخارج.  إنه لا يعطيني مالا، وعندما أسافر لزيارته فأنا أقوم بدفع قيمة تذاكر سفري وسفر الطفلتين أيضا.  إنه لا يعطيني مالا للمصروفات، ولذلك فقد أجبرت على العمل.  لقد طلبت منه حتى مهري لكنه رفض أن يعطيني مهري بشكل قاطع.  وفي آخر مرة ذهبت فيها لزيارته، اتهمني بأني أتسبب في صرف ماله عندما أكون معه.  لقد وقع العديد من المشاجرات مع عائلته في الماضي، وقد وصل به (أو بهم) الأمر لدرجة أنه (أو أنهم) كان (أو كانوا) يضربني (أو يضربونني).  أنا لا يُسمح لي بالبقاء في بيت والديه بينما تعيش زوجات اخوته في بيت والدي أزواجهن.  إنه يذهب أيضا للزيارة دون أن يبالي بمشاعري.  وفي مثل هذه الحالات، حيث لا يقوم الزوج بأي من مسؤولياته تجاه زوجته وأبنائه، وليكن ذلك في صورة توفير المال والمسكن، أو متابعة تعليم الأطفال والاهتمام بذلك، أو الاهتمام بصحتهم، فهل يجوز لي أن أبطل الزواج، أم يجب على طلب الخلع؟  أرجو أن تجيب على سؤالي فالوضع أصبح يزيد من كآبتي كما أني لا أعرف أين أقف مع شخص مثله.  ونقطة أخرى، فهو لا يتصل بي هاتفيا ولا يبعث لي برسائل.  أرجو أن تساعدني.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

يجب على الزوج أن يتقي الله تعالى في زوجته وأن يفعل ما أوجب الله عليه، ومما أوجب الله عليه المعاشرة بالمعروف، ومنه: النفقة عليها وعلى أولاده.

قال ابن قدامة:

نفقة الزوجة واجبة بالكتاب والسنة والإجماع:

أما الكتاب فقول الله تعالى: { لينفق ذو سعة من سعته ومن قُدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها }، ومعنى: { قدر عليه } أي: ضيق عليه، ومنه قوله سبحانه: {يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر }، أي: يوسع لمن يشاء، ويضيق على من يشاء …

وأما السنة: فما روى جابر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس، فقال: ” اتقوا الله في النساء، فإنهن عوان عندكم، أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف “، رواه مسلم، وأبو داود، ورواه الترمذي، بإسناده عن عمرو بن الأحوص، وقال: { ألا إن لكم على نسائكم حقا، ولنسائكم عليكم حقا; فأما حقكم على نسائكم، فلا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن }، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وجاءت هند إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي، فقال: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف، متفق عليه.

وفيه دلالة على وجوب النفقة لها على زوجها، وأن ذلك مقدر بكفايتها، وأن نفقة ولده عليه دونها مقدر بكفايتهم، وأن ذلك بالمعروف، وأن لها أن تأخذ ذلك بنفسها من غير علمه إذا لم يعطها إياه.

وأما الإجماع: فاتفق أهل العلم على وجوب نفقات الزوجات على أزواجهن، إذا كانوا بالغين، إلا الناشز منهن، ذكره ابن المنذر، وغيره. ” المغني ” ( 8 / 157 ).

وقد أباح الشرع للمرأة أن تأخذ من مال زوجها دون علمه إن كان قد قصَّر في النفقة عليها وعلى أولاده.

عن عائشة أن هند بنت عتبة قالت: يا رسول الله إنَّ أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم، فقال: خذي ما يكفيك وولدَك بالمعروف. رواه البخاري ( 5049 ) ومسلم ( 1714 ).

ثانيًا:

وأوجب الشرع على الزوج دفع المهر لزوجته كاملًا غير منقوص، وحرَّم عليه أخذ شيءٍ منه إلا بطيب نفسٍ منها.

قال الشافعي:

وقال عز وجل { وآتوا النساء صدقاتهن نحلة } فبين الله عز وجل في كتابه أن مال المرأة ممنوع من زوجها الواجب الحق عليها إلا بطيب نفسها وأباحه بطيب نفسها لأنها مالكة لمالها، ممنوع بملكها، مباح بطيب نفسها كما قضى الله عز وجل في كتابه، وهذا بين أن كل من كان مالكا فماله ممنوع به محرم إلا بطيب نفسه بإباحته، فيكون مباحا بإباحة مالكه له، لا فرق بين المرأة والرجل، وبين أن سلطان المرأة على مالها، كسلطان الرجل على ماله إذا بلغت المحيض وجمعت الرشد. ” الأم ” ( 2 / 269 ).

ثالثًا:

وإذا كان هذا الزوج – أو غيره من الأزواج – يرغب بامرأته زوجةً له فإن عليه أن يسرحها بإحسان, ولا يحل له أن يخترع أسبابًا وحكايات فيها اتهامات، أو يسيء معاشرة امرأته، وهو كاره لها، وقد جعل الله له سبيلًا وهو الطلاق، وهذا من الأوامر التي أمر بها الأزواج، قال تعالى { فإمساكٌ بمعروف أو تسريح بإحسان }.

ولا يحل للزوج أن يعلق امرأته فلا هي زوجة له، ولا هي مطلقة، وقد نهى الله تعالى عن ذلك فقال: { فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة } [ النساء / 129 ].

قال القرطبي:

قوله تعالى { فتذروها كالمعلقة } أي: لا هي مطلقة ولا ذات زوج، قاله الحسن، وهذا تشبيه بالشيء المعلَّق من شيءٍ؛ لأنه لا على الأرض استقر ولا على ما علق عليه انحمل. ” تفسير القرطبي ” ( 5 / 407 ).

رابعًا:

ولا يحل للزوج أن يعلق امرأته فلا هي زوجة له، ولا هي مطلقة، وقد نهى الله تعالى عن ذلك فقال { فلا  تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة } [ النساء / 129 ].

قال القرطبي:

قوله تعالى { فتذروها كالمعلقة } أي: لا هي مطلقة ولا ذات زوج، قاله الحسن، وهذا تشبيه بالشيء المعلَّق من شيءٍ؛ لأنه لا على الأرض استقر ولا على ما علق عليه انحمل. ” تفسير القرطبي ” ( 5 / 407 ).

خامسًا:

ولا يحل للزوج أن يضيِّق على الزوجة لتخالع نفسها وتفتديها، ولا ينجيه ذلك عند الله عز وجل، لأن حق   المرأة لا يضيع إذا تنازلت مكرهة فخالعت نفسها.

وهذا ما لم تأتِ الزوجة بفاحشة الزنا، أو أن رفضت طاعته بالمعروف، فترفض أن تخالع، فهنا يجوز له أن يضيِّق عليها.

قال الله تعالى { ولا تعضلوهن  لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة }

فهي وإن كانت مخالعة لتفتدي نفسها منه بعد أن كرهها فضيِّق عليها : فإنه لا يذهب حقها.

والحال: أن البغض إن كان من الزوجة: فتخالع وتفتدي نفسها، ولا يحل لها أن تجبره على الطلاق، فتجمع بين أخذ حقها وكرهها المقام عند زوجها.

وإذا كان البغض من الزوج: فلا يحل له أن يضيِّق عليها، لتفتدي نفسها فتخالع، فيجمع بين أخذ مهرها وكرهه لها.

قال ابن كثير:

وقوله { ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن } أي: تضاروهن في العشرة لتترك ما أصدقتَها أو بعضَه أو حقًّا مِن حقِّها عليك، أو شيئًا من ذلك على وجه القهر لها والاضطهاد وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله { ولا تعضلوهن } يقول: ولا تقهروهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن يعني: الرجل تكون له المرأة وهو كاره لصحبتها ولها عليه مهر فيضرها لتفتدي، وكذا قال الضحاك وقتادة وغير واحدٍ واختاره ابن جرير. ” تفسير ابن كثير ” ( 1 / 466 ).

سادسًا:

فإذا أرادت الزوجة أن تخالع زوجها فلتفعل، ولتؤد إليه مهرها، وطالما أنه لم يدفعه لها فلتحلله منه، وإلا فإن الأصل أن ترفع عليه قضية طلاق ليطلقها وليدفع لها مهرها كاملًا.

وإذا استطاعت الزوجة أن تصبر على أذى زوجها فلتفعل، ولتستعن بربها بدعائه والتضرع إليه، ونسأل الله أن يفرج كربها ويُذهب حزنَها.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة