دفع الالتباس (2) أ.د. سلمان بن نصر الدايه

20 صفر 1447هجرية
14 أغسطس 2025 ميلادية
كتبه
عميد كلية الشريعة والقانون بالجامعة الإسلامية بغزة- سابقا
✍️ أ.د. سلمان بن نصر الدايه

[تنبيه: جميع الحواشي في نهاية المقال]

دفع الالتباس (2)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، ومن والاه، أما بعد:
أفاد بعض الأفاضل أن انتقاد ساسة وقادة المقاومة في غزة أثناء جهادهم لعدوهم خيانة ونفاق.
أقول وبالله التوفيق: هذه جرأة منفكة عن مراقبة الله؛ فإن المؤمن قوي الإيمان من يراقب الله في أقواله وأعماله، مستحضرا قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1] أي: مطلع على العباد في حال حركاتهم وسكونهم، وسرهم وعلنهم، وجميع أحوالهم، مراقبا لهم فيها مما يوجب مراقبته، وشدة الحياء منه، بلزوم تقواه(1).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس: 61] يخبر تعالى عن عموم مشاهدته، واطلاعه على جميع أحوال العباد في حركاتهم، وسكونهم، وفي ضمن هذا الدعوة لمراقبته على الدوام؛ فقال: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ﴾ أي: حال من أحوالك الدينية والدنيوية ﴿وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ﴾ أي: وما تتلو من القرآن الذي أوحاه الله إليك ﴿وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ﴾ صغير أو كبير ﴿إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ أي: وقت شروعكم فيه، واستمراركم على العمل به، فراقبوا الله في أعمالكم، وأدوها على وجه النصيحة، والاجتهاد فيها، وإياكم وما يكره الله تعالى؛ فإنه مطلع عليكم، عليم بظواهركم وباطنكم ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ﴾ أي: ما يغيب عن علمه وسمعه وبصره ومشاهدته ﴿مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ أي: قد أحاط به علمه، وجرى به قلمه(2).

وقوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18] أي: ما يتكلم من كلام يخرج من فيه، وما يعمل من عمل إلا عنده ملك حافظ يكتب قوله وعمله، معد مهيأ لذلك، حاضر عنده لا يفارقه(3).
وقوله تعالى: ﴿‌وَلَا ‌تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36]، أي: ولا تتبع ما ليس لك به علم؛ بل تثبت في كل ما تقوله وتفعله، فلا تظن ذلك يذهب لا لك ولا عليك، ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ فحقيق بالعبد الذي يعرف أنه مسئول عما قاله وفعله، وعما استعمل به جوارحه التي خلقها الله لعبادته أن يعد للسؤال جوابا، وذلك لا يكون إلا باستعمالها بعبودية الله وإخلاص الدين له، وكفها عما يكرهه الله تعالى(4).
وقول النبي صلى الله عليه وسلم في جزء حديثه: (… وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ ‌مِنْ ‌سَخَطِ ‌اللَّهِ، لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ)(5)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (… وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ الْمَشَّاءُونَ بِالنَّمِيمَةِ، الْمُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْأَحِبَّةِ، ‌الْمُلْتَمِسُونَ لِلْبُرَآءِ ‌الْعَيْبَ)، وفي رواية: (الْعَنَتَ)(6).

بعد هذا التذكير أقول: هل يبعد أن يعلن بعض العلماء والساسة والمفكرين تخطئة حادثة السابع من أكتوبر، وتخطئة إصرار الساسة وقادة المقاومة على مواصلة جهادهم رغم الحصار المطبق، والعزلة الدولية، ومحدودية النكاية في الحربي، وفداحة تدمير الحربي لثلاثة أرباع قطاع غزة، وتقتيله عشرات الألوف من الغزيين، وتمثيله بعدد أكبر منهم، وأسره لآلافهم، ومجاعة أفقدتهم صوابهم؛ هل يبعد أن يعلنوا تخطئتهم ببواعث صالحة بعيدة عن الخيانة والنفاق، إلا أن تكون أيها الأخ الكريم محدثا، فحدثت أنهم جميعا خونة ومنافقون؟!
وأما عن قوله: لا يوجد في التاريخ من يعترض على القادة أثناء لقاء عدوهم؛ فهذا نفي تعوزه الدقة؛ فإن عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنكرا على خالد بن الوليد رضي الله عنه اجتهاده فيمن ظنهم مشركين حربيين وكانوا مسلمين وذلك في سرية بني جذيمة؛ «قال ابن إسحاق: وقد كان جحدم قال لهم حين وضعوا السلاح ورأى ما يصنع خالد ببني جذيمة: يا بني جذيمة، ضاع الضرب، قد كنت حذرتكم ما وقعتم فيه. قد كان بين خالد وبين عبد الرحمن بن عوف، فيما بلغني، كلام في ذلك، فقال له عبد الرحمن ابن عوف: عملت بأمر الجاهلية في الإسلام. فقال: إنما ثأرت بأبيك. فقال عبد الرحمن: كذبت، ‌قد ‌قتلت ‌قاتل ‌أبي، ولكنك ثأرت بعمك الفاكه بن المغيرة، حتى كان بينهما شر. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (مَهْلًا يَا خَالِدُ، دَعْ عَنْكَ أَصْحَابِي، فَوَ اللهِ لَوْ كَانَ لَكَ أُحُدٌ ذَهَبًا ثُمَّ أَنْفَقْتُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا أَدْرَكَتْ غَدْوَةَ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِي وَلَا رَوْحَتَهُ)»(7).

وعن الزهري، عن سالم، عن أبيه رضي الله عنهما، قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، فدعاهم إلى الإسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا، فجعل خالد يقتل منهم ويأسر، ودفع إلى كل رجل منا أسيره، حتى إذا كان يوم أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره، فقلت: والله ‌لا ‌أقتل ‌أسيري، ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره، حتى قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم فذكرناه، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يده فقال: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ مَرَّتَيْنِ)( 8 ).
وثبت عن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه أنه عزل خالد بن الوليد رضي الله عنه، … وجعل الأمر كله إلى أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه، …، وإنما عزله لرجحان مصلحة ظهرت له في أبي عبيدة، فلما بلغ كتاب عمر إلى أبي عبيدة.. أخفاه وتركه مصلحة بالناس على حالته، فعلم خالد بذلك، فعتب على أبي عبيدة حيث لم يعلمه بالعزل، وقال: والله؛ لو تولى علي عبد.. لسمعت وأطعت(9).
وعزل عمر رضي الله عنه العلاء بن الحضرمي رضي الله عنه لما ركب بالأجناد البحر، رغم تأييده بالكرامة؛ حيث يبس البحر من تحت أقدامهم يومئذ، ونجوا جميعا؛ لانزعاجه أن يقتحم القائد بجنده الأخطار مرجحا سلامتهم على أمل دوام تأييده بكرامة؛ قال ابن كثير رحمه الله: “ولما بلغ عمر ما صنع العلاء بن الحضرمي؛ اشتد غضبه عليه، وبعث إليه فعزله وتوعده، وأمره بأثقل الأشياء عليه، وأبغض الوجوه إليه”(10).
فإن قلت: هذا إمام المسلمين، فله حق في إثبات من شاء وعزل من شاء، وبدء الحرب وإنهائها، وتضييقها وتوسيعها، وليس للعالم أن يعترض على سياسة قائد جنده.
أقول: هذا حق ما لم يكن القائد طائشا هجاما، وثمة قراءة أخرى للأثرين؛ أن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه لما عظم الخطر من قائد الجند على مصلحة الأجناد؛ بادر إلى عزله، وإن العالم إذا رأى مفسدة عظيمة قد أتت على جل بلده؛ لضعف في الشوكة، وعدم في الإمداد، وخلل في فهم الجهاد، وتخلف ظاهر لمقصده؛ لا يسوغ له أن يسكت، سيما مع ضآلة النكاية في الحربي، وفداحة نكاية الحربي في أهل القطاع حتى فتن الكثير منهم في دينهم وأخلاقهم؛ فكانت من بعضهم الردة، وقتل النفس، والسرقة، والغصب، والأثرة، والزنا، والربا، والاحتكار، وأمراض النفس والعضو.

ولله در الشافعي رحمه الله قال: «ولا ينبغي أن يولي الإمام الغزو إلا ‌ثقة ‌في ‌دينه، شجاعا في بدنه، حسن الأناة، عاقلا للحرب بصيرا بها غير عجل، ولا نزق.. ولا يحمل المسلمين على مهلكة بحال، ولا يأمرهم بنقب حصن يخاف أن يشدخوا(11) تحته، ولا دخول مطمورة(12) يخاف أن يقتلوا، ولا يدفعوا عن أنفسهم فيها، ولا غير ذلك من أسباب المهالك، فإن فعل ذلك الإمام؛ فقد أساء ويستغفر الله تعالى.. ولا يأمر القليل منهم بانتياب الكثير حيث لا غوث لهم.. وإذا حملهم على ما ليس له حملهم عليه؛ فلهم أن لا يفعلوه -أي: ألا يطيعوه-»(13).
فهذا توجيه للأجناد عبر الأجيال أن القائد يتعين عليه توخي الأصلح لرعيته في مناحي حياتهم، ولو بدا للرعية تعسفه أو زيغه وضلاله، أو تهوره واندفاعه، أو عجزوا عن امتثال أمره؛ لم تلزمهم طاعته.
وفي الختام أسأل الأخ الكريم: إذا علمت أن غزة محاصرة من جهاتها الأربع، وأنها كتلة من البشر والبنيان، وأنها تستورد كل شيء من عدوها، وأنها جاهدت عدوها الحربي قريب عقدين من الزمن، وفي كل مرة يمنى أهل قطاع غزة بقتل وتدمير وتهجير، دون أن يتحقق لهم هدف من أهداف جهادهم، ولم يزالوا في حصار من حين أسر الجندي شاليط إلى أيامنا هذه؛ فعلى ماذا يعول الساسة والقادة والعلماء أمثالك؟! وما الذي تنتظرون؟!
على أن قتالنا لعدونا كفاحا متعذر؛ لضآلة ما عندنا من الشوكة وعظم ما عنده، وأن المجاهد لا يمكنه أن ينال من عدوه إلا على حين غرة مع الاستتار والتخفي، ثم ينتهي إلى نفقه المتخذ تحت البيوت وبعض المشافي والمؤسسات؛ ليكون جل أهل القطاع ترسا للقادة والأجناد، وقد اعتمدوا هذا سبيلا لجهادهم على توقع أن الحربي تمنعه أخلاقه من أن يضرب البيوت المأهولة بالناس، وعندئذ يأمن الناس والأجناد، وفي الحروب الأخيرة أراهم عدوهم خلاف ما يتوقعون؛ فهل الرأي عندكم وعند السادة العلماء الإصرار على هذه الطريقة التي أتت على ثلاثة أرباع القطاع، وتوشك أن تأتي على ربعه الآخر؟ إن هذا والله لشيء عجاب!!
والله أسأل الهدى والرشاد، والفرج العاجل لأهلي في القطاع، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على محمد.

(1) السعدي/تفسيره(ص163).
(2) السعدي/تفسيره(ص367).
(3) مجد مكي/تفسير المعين(ص519).
(4) السعدي/تفسيره(ص457).
(5) أخرجه: البخاري/ صحيحه(٦١١٣)(5/ ٢٣٧٧).
(6) حسن، أخرجه: الطبراني/المعجم الصغير(835)(2/ 89).
(7) ابن هشام/السيرة النبوية(2/ 431).
(8) أخرجه: البخاري/صحيحه(4339)(5/ 160).
(9) الطيب بامخرمة/ قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر(1/ ٢٧٦).
(10) انظر: ابن كثير/البداية والنهاية(7/97).
(11) الشدخ: كسر الشيء الأجوف، ومعناه هنا: يخاف أن ينهدم عليهم الحصن، أو تسقط عليهم بعض حجارته فتكسر عظامهم تحته.
(12) المطمورة: الحفيرة تحت الأرض، وهي بلغتنا المعاصرة: الخندق أو النفق.
(13) الشافعي/الأم(4/ 178).
https://www.facebook.com/share/p/1AwXEvxW7F/

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

ابقَ على إتصال

2,282المشجعينمثل
28,156أتباعتابع
12,600المشتركينالاشتراك

مقالات ذات صلة