التفاوض مع العدو: بين الواقع والافتراء

التفاوض مع العدو: بين الواقع والافتراء

يهاجم بعض المتعصبين وزير خارجية سورية الجديد “أسعد الشيباني” لأنه جلس مع مسؤول صهيوني في “فرنسا” لبحث ملفات سياسية، ويزعمون أن اللقاء المباشر “خيانة”!
لكن هل هذا الكلام له أساس من الشرع أو التاريخ أو التجارب الثورية؟ الجواب: لا.

أولا:
من القرآن والسنة:
١. موسى وهارون عليهما السلام أمرهما الله تعالى أن يذهبا إلى فرعون رأس الكفر ويكلّماه مباشرة ليرسل معهما بني إسرائيل: {فَأۡتِیَاهُ فَقُولَاۤ إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرۡسِلۡ مَعَنَا بَنِیۤ إِسۡرَ ٰ⁠ۤءِیلَ وَلَا تُعَذِّبۡهُمۡۖ} [طه/٤٧].
٢. النبي ﷺ فاوض المشركين مباشرة:
أ. في صلح الحديبية جلس مع “سهيل بن عمرو” وكتب البنود معه.
ب. فاوض يهود المدينة والقبائل رغم عداوتهم.
ج. جلس مع وفود المشركين قبل الهجرة يعرض عليهم نصرته.
فالمفاوضة المباشرة ليست حرامًا في ذاتها، بل وسيلة مشروعة لدفع المفسدة وجلب المصلحة.

ثانيا:
من التاريخ الإسلامي:
أ. عمر بن الخطاب فاوض نصارى القدس وأعطاهم العهدة العمرية.
ب. العثمانيون فاوضوا الروس والنمساويين مرارًا.
ولم يقل أحد إن هؤلاء باعوا دينهم ! وخانوا العهد !

ثالثا:
من حركات التحرر المعاصرة:
أ. فيتنام: قاتلت فرنسا وأمريكا، ومع ذلك جلست معهم سنوات تفاوض حتى خرجوا.


ب. الجزائر: “جبهة التحرير” جلست مع الفرنسيين في “إيفيان” ثم نالت الاستقلال.


ج. طالبان: بعد عشرين عامًا من الحرب مع أمريكا، جلست معهم مباشرة في الدوحة حتى انسحبوا.


فالتفاوض كان أداة من أدوات المقاومة والتحرير، لا خيانة.

رابعا:
من الواقع الحمساوي !:
أ. الشيخ “أحمد ياسين” جلس مع قادة صهاينة أثناء احتلالهم غزة لمفاوضتهم لترخيص “المجمّع الإسلامي”، وجلس مع الحاكم العسكري لغزة “أبو صبري”.

ب. “محمود الزهار” جلس مع رابين ! وبيريز ! وجها لوجه.

ج. “إسماعيل هنية” حين صار رئيسًا للحكومة قال علنًا: “وزرائي مستعدون للجلوس مع نظرائهم الإسرائيليين لتسيير الحياة والظروف المعيشية للشعب الفلسطيني”.

د. بل إن التنسيق الأمني والاقتصادي مع الاحتلال قائم يوميّا في غزة نفسها، من حيث المعابر والوفود والعمال والزوار والعلاج.
فإذا كان قادتهم ورموزهم قد جلسوا مع العدو وجهًا لوجه، فبأي منطق يحرمونه على غيرهم اليوم؟

خامسا:
اختراعهم مقولة “اللقاء غير المباشر أفضل” !
أ. نقول: المسألة ليست “مباشرًا أو غير مباشر”، بل: هل التفاوض على باطل أم على مصلحة للشعب والوطن؟
ب. وسطاؤكم في المفاوضات يفاوضون العدو مباشرة ! فهل أنكرتم عليهم أم إنكاركم على الضعفاء ممن لا يملكون تأثيرا ومالا ؟
[ مع أني لا أصدق أنها مفاوضات غير مباشرة، لكن تنزلا، ولعل الأيام تكشف كذبهم].
ج. ما الفرق بين التفاوض المباشر مع الصهاينة ومع الأمريكان؟ وقد علمنا بمطالبتكم توقيع الأمريكي على الاتفاقية مع العدو ومصافحته لكم، وبعض محلليكم اعتبر التفاوض المباشر معهم إنجازا تاريخيّا !
د. ومن هو العدو الذي لا يجوز التفاوض المباشر معه ؟ هم اليهود فحسب عندكم! وهذا تحكم، فإيران عدو محتل لأراضي بلدان سنية، وأنتم لستم تفاوضتم معهم فحسب بل هي علاقات حميمية تعزّون هلكاهم وتصفُونهم بالشهداء، وتحضرون مراسم تعيين رؤسائهم المجرمين، فهل تسمحون بنظرة السني في تلك البلدان لكم بمثل نظرتكم لهم؟

سادسا:
الخلاصة:
التفاوض المباشر مع العدو:
١. شرعي: فعله الأنبياء والصحابة.
٢. تاريخي: فعله قادة المسلمين عبر القرون.
٣. واقعي: فعله الثوار في كل مكان.
٤. عملي: فعله الإخوان أنفسهم وقادتهم.
إذن: الهجوم على الوزير اليوم ليس غيرة على الدين ولا على القضية، بل هو تعصب حزبي وتناقض صارخ، فالعبرة بالنتائج لا بالوسائل.

التفاوض خيانة إذا تنازل عن حق ثابت غير مضطر ولا مكره حقيقة، ويكون بطولة إذا كان وسيلة لتحرير الأرض وخدمة الشعب.

سابعا:
وطالما أن العدو عندكم هو العدو اليهودي فحسب! وأنه لا يصح الحديث والتفاوض معه مباشرة! وأنه لو كان جلوسا من أجل التطبيع والتنازل عن حق للإسلام والمسلمين فهو خيانة ونفاق! فثمة سؤالان في نهاية المقال:
١.السؤال الأول:

ما تقولون في فعل “أردوغان” -الذي يؤوي أكثر المنتقدين وخاصة أبناء “نزار ريان”- والذي قابل المجرم “شارون” وجها لوجه، وأقره على أن “القدس” عاصمة لإسرائيل وللأمة اليهودية! ثم ذهب يضع الزهور على قبر “هرتزل” مؤسس الحركة الصهيونية!.
فهل صرخ المتأيرنون والحزبيون يومها بالخيانة والتفريط؟! أم جعلوها “حكمة ودهاء وفقه موازنات”؟! إنهم لا يملكون مكيالًا واحدًا، بل مكاييل، فإذا فاوض خصمهم العربي كان خائنًا مطبعًا، وإذا فاوض زعيمهم كان بطلًا حكيمًا! وهذا هو عينُ التناقض والهوى.

٢. والسؤال الآخر:

ما تقولون في جماعتكم في “المغرب” يوم تولى رئاسة الوزراء فيها (الإخواني سعد الدين العثماني) -في ٢٢/ ١٢/ ٢٠٢٠ م- والتي ظهر في صورة قبيحة مع “كوشنر” (صهر ومستشار ترامب) عن يمينه وأمامه علم أمريكا، ثم مائير بن شابات (رئيس الأمن القومي الصهيوني) بقبعته اليهودية وأمامه علم الكيان الغاصب!؟
وكان ذلك اللقاء من أجل التطبيع مع الكيان المحتل، وكان التطبيع هدية مقابل اعتراف أمريكا بسيادة المغرب على الصحراء الغربية! فما أرخصه وأقبحه من سبب، و العثماني هذا له مقاطع يندد فيها بالمطبعين! وله مقال نشر في عام ١٩٩٦ م عنوانه (التطبيع إبادة حضارية)، وخذ من التنظير ما شئت، ومن التخوين لغيرهم ما شئت، حتى إذا صاروا في السلطة رموا كل ذلك وراء ظهورهم والتحقوا بالمركب الأمريكي واليهودي مقدمين مصالحهم على كل شيء، وقوله بعد أن انتهى حكمه إنه كان (قرار دولة) لا يجعله معذورا فالاستقالة كانت الحل لهذا الخزي، ولولا أنهم يَعرفون أنهم بلا مبادئ لا يمكن لهم أن يعرضوا عليهم الأمر من أصله.

كتبه:
إحسان العتيبي أبو طارق
٢٩ صفر ١٤٤٧ هـ، ٢٣/ ٨/ ٢٠٢٥

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

ابقَ على إتصال

2,282المشجعينمثل
28,156أتباعتابع
12,600المشتركينالاشتراك

مقالات ذات صلة