بلاغة القران
”في يوم ۱۳ يونيو سنة ۱۹۳۲ قابلني الأديب المصري الأستاذ” كامل كيلاني” فحدثني حديثاً عجيباً كان أشار إليه قبيل ذلك بمدة قبيل تقديم هذه السورة إلى الطبع، وهذا الحديث راجع إلى البلاغة التي ظهرت في آية : ﴿ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَاتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ [ ق/ ٣٠] ، فهاك حديثه:
قال: كنت مع الأستاذ «فنكل» وهو من أفاضل(!) المستشرقين الأمريكيين، وكانت بيني وبينه صلات أدبية وثيقة، وكان يأخذ برأيي في ذكر المشاكل التي تقابله في الأدب لما يعتقده فيَّ من الصراحة، ففي ذات يوم همس في أذني متهيباً، فقال: خبرني عن رأيك بصراحتك المعروفة أممن يعتقدون بإعجاز القرآن أنت أم لعلك تجاري جمهور المسلمين الذين يتلقنون ذلك كابراً عن كابر؟ وابتسم ابتسامة كل معانيها لا تخفى على أحد، وهو يحسب أنه قد ألقى سهماً لا سبيل إلى دفعه، فابتسمتُ له كما ابتسم لي وقلت: لكي نحكم على بلاغة أسلوب بعينه يجب أن نحاول أن نكتب مثله أو نقلده، فلنحاول ليظهر لنا أنحن قادرون أم عاجزون عن محاكاته وتقليده، فلنجرب أن نعبِّر عن سعة جهنم، فماذا نحن قائلون؟ فأمسك بالقلم وأمسكت به، فكتبنا نحو عشرين جملة متخيرة الأسلوب نعبر بها عن هذا المعنى أذكر منها :
(۱) إن جهنم واسعة جدّا .
(۲) إن جهنم لأوسع مما تظنون .
(۳) إن سعة جهنم لا يتصورها عقل إنسان .
(٤) إن جهنم لتسع الدنيا كلها .
(٥) إن الجن والإنس إذا دخلوا جهنم لتسعهم ولا تضيق بهم .
(٦) كل وصف في سعة جهنم لا يصل إلى تقريب شيء من حقيقتها .
(۷) إن سعة جهنم لتصغر أمامها سعة السماوات والأرض .
(۸) كل ما خطر ببالك في سعة جهنم فإنها لأرحب منه وأوسع .
(۹) سترون من سعة جهنم ما لم تكونوا لتحلموا به أو تتصوّروه .
(۱۰) مهما حاولت أن تتخيل سعة جهنم فأنت مقصر ولن تصل إلى شيء من حقيقتها .
(۱۱) إن البلاغة المعجزة لتقصر وتعجز أشد العجز عن وصف سعة جهنم .
(۱۲) إن سعة جهنم قد تخطت أحلام الحالمين وتصوّر المتصوِّرين .
(۱۳) متى أمسكت بالقلم وتصدّيت لوصف سعة جهنم أحسست بقصورك وعجزك.
(١٤) إن سعة جهنم لا يصفها وصف، ولا يتخيلها وهم، ولا تدور بحسبان.
(١٥) كل وصف لسعة جهنم إنما هو فضول وهذيان.
إلى آخر هذه الجمل التي لا أذكر منها إلا ما ذكرت لتقادم العهد وطول الزمان، فقلت له مبتسماً ابتسامة الظافر الواثق: الآن تتجلى لك بلاغة القرآن وإعجازه بعد أن حاولنا جهدنا أن نحاكيه في هذا المعنى، فقال: هل أدّى القرآن هذا المعنى بأبلغ مما أدّيناه، فقلت: لقد كنا أطفالاً في تأديته، فقال مدهوشاً: وماذا قال؟ قلت له: قال {يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَاتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ} [ ق/ ٣٠] ، فصفّق أو كاد، وفتح فاه كالأبله أمام هذه البلاغة المعجزة، وقال لي: صدقتَ نعم صدقتَ، وأنا أقرّر لك ذلك مغتبطاً من كل قلبي، (هذا لفظه) .
فقلت له: ليس عجيباً أن تذعن للحق وأنت أديب خبير بقيمة الأساليب.
وهذا المستشرق يجيد الإنجليزية؛ لأنها لغة بلاده في أمريكا، والألمانية؛ لأنها اللغة التي درَس بها الأدب، والعبرية؛ لأنها لغة الأمومة، والعربية؛ لأنها اللغة التي وقف حياته على درس أدبها، فهو رجل متخصص للأدب، وقد جعل حياته وقفاً عليه”.
انتهى الحديث.
هذا حديث الأستاذ” كامل كيلاني” ذلك الشاب الذي ظهر ببلادنا المصرية في هذه السنين، وله كتب منشورة، نهج فيها منهجا حديثا.
” تفسير طنطاوي جواهري” (٢٣/ ١١١، ١١٢).
قال إحسان:
ومع التسليم والتعظيم لبلاغة الآية الكريمة إلا أن ما فيها من التخويف يخلع القلوب، وهذا هو الغرض من بلاغتها أصلا، حتى تعمل معانيها في قلب المؤمن السامع والتالي لها.
قال الشيخ العثيمين -رحمه الله-:
والمقصود من قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ﴾، هو تحذير الناس؛ لأن كل واحد منا لا يدري أيكون من حطب جهنم، أو يكون ممن نَجَّى منها، نسأل الله أن ينجينا وإياكم منها. انتهى.


