القول المحكم في إثبات صيام ست من شوال، والرد على من ضعف حديثه
السؤال
ما هو التحرير العلمي المحكم للرد على من طعن في صحة حديث صيام الست من شوال، وادعى تفرد بعض رواته وضعفهم، وتذرع بكراهة الإمامين مالك وأبي حنيفة لصيامها، وادعى أن عدم تخريج البخاري للحديث دليل ضعفه؟
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فإن الأحاديث الواردة في فضل صيام ستة أيام من شوال أحاديث صحيحة ثابتة، تلقتها الأمة بالقبول، وعمل بها المحققون من أهل العلم سلفا وخلفا.
– والطعن فيها بناء على شبهات واهية هو مجازفة علمية تخالف القواعد الحديثية والفقهية المستقرة.
وفي هذه المقالة العلمية، نفصل الردود على أبرز هذه الشبهات:
المبحث الأول: الموقف الحديثي من رواية سعد بن سعيد ودعوى تفرده:
ادعى بعض المعاصرين -كالدكتور بشار عواد- وقبله -ابن دحية- تضعيف الحديث بحجة تفرد “سعد بن سعيد الأنصاري” به.
وهذا ادعاء باطل يرده واقع الأسانيد:
١. الحديث لم ينفرد به سعد بن سعيد، بل تابعه عليه ثقات، فرواه معه: يحيى بن سعيد، وعبد ربه بن سعيد -وهما شقيقاه- وصفوان بن سليم.
٢. قال الإمام ابن عدي رحمه الله في “الكامل” : حديث سعد بن سعيد عن عمر بن ثابت، عن أبي أيوب: “من صام رمضان…” فهو مشهور، ومدار هذا الحديث عليه، قد حدث به عنه: يحيى بن سعيد أخوه، وشعبة، والثوري، وابن عيينة، وغيرهم من ثقات الناس.
٣. وقال الدارقطني في “العلل”: يرويه جماعة من الثقات الحفاظ عن سعد بن سعيد… منهم: ابن جريج، والثوري، وعمرو بن الحارث، وابن المبارك، وإسماعيل بن جعفر، وغيرهم.
٤. إخراج الإمام مسلم للحديث في صحيحه دليل على ترجح صحة الرواية لديه.
قال الحافظ العلائي: تصحيح مسلم رحمه الله للحديث مقدم على كل ما فيه مما يقتضي ضعفه؛ لاتفاق الأمة على صحته.
وقال الإمام ابن القيم في “تهذيب السنن”: سلمنا ضعفه، لكن مسلم إنما احتج بحديثه لأنه ظهر له أنه لم يخطئ فيه، بقرائن ومتابعات، ولشواهد دلته على ذلك… فكون الرجل يخطئ في شيء لا يمنع الاحتجاج به فيما ظهر أنه لم يخطئ فيه”.
٥. أما مسألة التعارض بين المرفوع والموقوف، فقد بيّن كتاب “الإجمال في الرد على من طعن في أحاديث صيام ست من شوال” للشيخ محمد بن زايد العتيبي، بلغة محققة متى يكون الوقف علة خفية، ومتى يكون مجرد تنوع في الرواية لا يضر المرفوع، مثبتا أن الرفع في هذا الحديث محفوظ وتلقته الأمة بالقبول.
المبحث الثاني: توجيه كراهة الإمام مالك رحمه الله:
يحتج الطاعنون بما جاء في” الموطأ” من قول الإمام مالك: ولم يبلغني ذلك عن أحد من السلف، وإن أهل العلم يكرهون ذلك، ويخافون بدعته، وأن يلحق برمضان ما ليس منه أهل الجهالة… .
والجواب عن ذلك من وجوه قاطعة:
١. الكراهة لسد الذريعة لا لضعف الحديث: قال مطرف بن عبد الله -ابن أخت الإمام مالك-: كان مالك يصومها في خاصة نفسه، وإنما كره صومها لئلا يلحق أهل الجهالة ذلك برمضان. فأما من رغب في ذلك لما جاء فيه فلم ينهه. وهذا النقل النفيس الثابت في “المفهم” للقرطبي هو الضربة القاضية لكل من يتذرع بفتوى مالك؛ فصيام مالك لها سرّا هو أعظم دليل عملي على ثبوت السنة عنده.
٢. قال الحافظ العلائي مبينا دقة فقه مالك: وأن مالكا في الموطأ لم ينكر إلا العمل بالحديث، ولم يتعرض إلى الحديث ولا إلى روايته.
٣. وقال الإمام ابن عبد البر في “الاستذكار”: وما أظن مالكا جهل الحديث… ولم يكره من ذلك إلا ما خافه على أهل الجهالة والجفاء إذا استمر ذلك، وخشي أن يعدوه من فرائض الصيام مضافا إلى رمضان.
٤. القاعدة في ترك السنن: قال النووي: وإذا ثبتت السنة لا تترك لترك بعض الناس، أو أكثرهم أو كلهم لها.
وقال الصنعاني: بعد ثبوت النص بذلك لا حكم لهذه التعليلات.
وقال العظيم آبادي: ولا يخفى أن الناس إذا تركوا العمل بسنة لم يكن تركهم دليلا ترد به السنّة.
المبحث الثالث: كراهة أبي حنيفة وتراجع أبي يوسف:
ألف العلامة ابن قُطْلُوبُغا رسالته “تحرير الأقوال في صوم الست من شوال” ليدفع ما اشتهر من كراهة أبي حنيفة وأبي يوسف، فأثبت أن الفتوى استقرت عند متأخري الحنفية على الاستحباب موافقة للسنة.
ومن الفوائد اللطيفة إشارته إلى أن الإمام أبا يوسف رحمه الله لما بلغه الحديث وصح عنده، رجع عن القول بالكراهة إلى الاستحباب، وهذا يدل على تجرد أئمة المذهب وتعظيمهم للدليل إذا صح.
المبحث الرابع: عدم اشتراط اشتهار فعل النبي صلى الله عليه وسلم لها:
النافلة لا يشترط لفعلها أن يُعلم بفعل النبي صلى الله عليه وسلم لها ظاهرا، بل يكفي الإرشاد القولي؛ كما في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: “إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدع العمل، وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس، فيفرض عليهم”.
المبحث الخامس: هل يلزم من ترك البخاري للحديث تضعيفه؟
إن التشكيك في حديث أبي أيوب الأنصاري بكون الإمام البخاري لم يخرجه في صحيحه هو استدلالٌ في غير محله؛ إذ لم يشترط الشيخان -البخاري ومسلم- استيعاب كل الأحاديث الصحيحة في كتابيهما، وهذا مقررٌ عند أهل الصنعة قاطبة من وجوهٍ نيرة:
- تصريح الإمامين بعدم الاستيعاب: فقد نقل السخاوي في “فتح المغيث” تصريحهما بذلك، فقال البخاري فيما رواه إبراهيم بن معقل عنه: «ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صح، وتركت من الصحيح خشية أن يطول الكتاب». وقال الإمام مسلم: «إنما أخرجت هذا الكتاب وقلت هو صحاح، ولم أقل إن ما لم أخرجه من الحديث فيه ضعيف».
- سعة حفظهما مقارنةً بما أودعاه في الصحيح: يُبين هذا الفرقُ الشاسع حقيقةَ المنهج؛ فقد ذكر الحافظ ابن حجر في “مقدمة الفتح” عن محمد بن حمدويه قال: سمعت البخاري يقول: «أحفظ مائة ألف حديث صحيح، وأحفظ مائتي ألف حديث غير صحيح». وإذا علمنا أن عدد أحاديث “صحيح البخاري” (بالمكرر) لا يتجاوز بضعة آلاف، تيقنا أن ثَمَّ عشرات الآلاف من الأحاديث الصحيحة عند البخاري لم يودعها كتابه خشية الإطالة لا لعلةٍ فيها.
- منهج الانتقاء لا الحصر: أكد الإمام مسلم هذا المعنى بقوله: «ليس كل شيء عندي صحيح وضعته هاهنا، إنما وضعت ههنا ما أجمعوا عليه». وهذا يدل على أن الحديث قد يكون صحيحاً عندهما، بل وقد يحتج به مسلم (كما فعل في حديث صيام الست)، ولكن قد يتركه البخاري لشرطٍ خاص في “اللقاء” أو “الانتقاء” لا يقدح في أصل صحة الحديث.
وبهذا يتبين: أن ترك الإمامين أو أحدهما لحديثٍ ما ليس حُكْمًا عليه بالضعف، بل هو عملٌ بقاعدة “الاختصار”،
المبحث السادس: أجر صوم الست من شوال مع صوم رمضان بأجر صوم السنة فرضا:
فإن من عظيم فضل الله تعالى على هذه الأمة أن جعل صيام الست من شوال بعد رمضان يعدل صيام دهر كامل، والأجر المترتب على ذلك هو أجر صيام الفرض لا صيام النفل، فقد جاء في الحديث الصحيح الذي أخرجه النسائي وابن ماجه وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “صِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ، وَصِيَامُ سِتَّةِ أَيَّامٍ بِشَهْرَيْنِ، فَذَلِكَ صِيَامُ السَّنَةِ“.
والله تبارك وتعالى يضاعف الحسنات، كما قال سبحانه: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} الأنعام/ ١٦٠، فشهر رمضان بثلاثمائة يوم، والستة أيام بستين يَوْمًا، فالمجموع ثلاثمائة وستون يَوْمًا، وهي أيام السنة المقمرة.
وقد نص طائفة من أهل العلم، كالحافظ ابن رجب رحمه الله في “لطائف المعارف” وغيره، على أن مضاعفة الأجر هنا تقع موقع الفرض؛ لأن من صام تَطَوُّعًا طوال العام إنما يحصل له أجر صيام النفل، أما من صام رمضان وأتبعه بست من شوال، فإن الله يكتب له أجر صيام سنة كاملة فَرْضًا، وهذا من أعظم الفضائل التي لا تدرك بمجرد صيام النفل المطلق.
الخاتمة:
استحب صيامها جمهور العلماء سلفا وخلفا.
قال عبد الله بن الإمام أحمد: سألت أبي عن هذه الأيام… قال: لا بأس بصيامها… لا يبالي فرق أو تابع.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وكان أحمد ينكر على من يكرهها كراهة أن يلحق برمضان ما ليس منه؛ لأن السنة وردت بفضلها والحض عليها.
وقال الترمذي: وقد استحب قوم صيام ستة أيام من شوال بهذا الحديث.
وقال ابن رجب: واستحب صيام ستة من شوال أكثر العلماء.
– فالحديث كالجبل الأشم، والسنّة محكمة ثابتة لا تضرها شذوذات الطاعنين.
والله أعلم
✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي
٨ شوال ١٤٤٧ هـ، ٢٧/ ٣/ ٢٠٢٦


