حوار مع عالم جليل في مسألة خروج المعتدة من وفاة زوجها للحج.

حوار مع عالم جليل في مسألة خروج المعتدة من وفاة زوجها للحج.

الحمد لله
بعث لي أخ فاضل سؤالا هذا نصه :

امرأة من تونس قدمت للحج ودفعت التكاليف، وصدر اسمها هذا العام لأداء حجة الإسلام، وقدر الله أن يتوفى زوجها قبل موعد سفرها بثلاثة أيام. فهل يجوز لها السفر للحج، خَاصَّةً أنها تخشى إن لم تذهب هذا العام ألا تحج أَبَدًا؟.
فأجبته المنع، تلخيصا لهذا التقرير:
المرأة التي يُتوفى عنها زوجها يجب عليها شَرْعًا أن تعتد في بيت الزوجية أربعة أشهر وعشرا، ولا يجوز لها السفر أو الخروج من بيتها في هذه المدة لا للحج ولا لغيره. وهذا مذهب جماهير العلماء من المذاهب الأربعة، الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة؛ لحديث فريعة بنت مالك رضي الله عنها حين توفي زوجها وسألت النبي صلى الله عليه وسلم أن ترجع إلى أهلها، فقال لها: “امْكُثِي فِي بَيْتِكِ الَّذِي جَاءَ فِيهِ نَعْيُ زَوْجِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ” رواه أبو داود والترمذي.
وبما أن الزوج توفي قبل موعد السفر وهي لا تزال في بلدها ولم تشرع في الطريق، فيجب عليها البقاء والمكوث في بيتها لقضاء العدة بِإِجْمَاعِ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ مِنَ الْعُلَمَاءِ، ولا يجوز لها الخروج للحج، بل إن تقديم حق العدة هنا مُقَدَّمٌ ومُتَعَيِّنٌ.
والحج فريضة مشروطة بالاستطاعة، ومن الاستطاعة للمرأة أن تكون خالية من الموانع الشرعية، وعدة الوفاة مانع شرعي.
فلو قدر الله ألا تحج بعد ذلك أَبَدًا، فهي معذورة أمام الله تعالى، وقد كُتب لها أجر حجة تامة بنيتها الصادقة، وتسقط عنها الإثم لعدم استطاعتها.
أما بخصوص التكاليف المالية -الخمسة آلاف دولارا- وحقها في القافلة؛ ففي الغالب الأعم، تسمح وزارات الأوقاف والجهات الرسمية في تونس وغيرها باسترداد المبالغ أو حفظ الدور للعام القادم في حالات الظروف القاهرة، كوفاة الزوج.
فعليها أن توكل أحد أقاربها لمراجعة الجهات المسؤولة وإبلاغهم بِحَالِهَا لترتيب تأجيل سفرها أو استرداد مالها.
انتهى
فرد علي بفتوى لأحد العلماء الأفاضل، وهذا نص ما قال:

هذه تعتبر ضرورة؛ لانها لن تستطيع أن تحج بسهولة، وربما طال الزمن حتى تجد فرصة للحج.
ثانيا: قد تكون تحملت مبالغ في سبيل الوصول إلى مكة المكرمة هذه السنة، وستفوت عليها أو ستخسر تلك المبالغ.
وعند الضرورات تباح المحظورات.
الان هذا ولو أنه سيؤدي إلى أن تترك العدة بضعة أيام ، لكن هي معذورة، وارى أنها تحج، والله أعلم.
انتهى قول الشيخ حفظه الله.
فرددته عليه بقولي :

حفظ الله الشيخ وبارك في علمه.
واجتهاده مبني على محاولة رفع الحرج والمشقة عن السائلة، ولكننا إذا عرضنا هذه المسألة على قواعد الأصول والنصوص المحكمة، نجد أن الراجح والأبرأ للذمة هو قول الجمهور بمنع المعتدة من السفر للحج.
ويُناقش اجتهاد الشيخ وتوجيهه من الوجوه الآتية:
أولا:
الضرورة في الفقه الإسلامي لها ضوابط صارمة، وهي ما يُخشى معه هلاك النفس أو تلفها أو وقوع ضرر فادح لا يُحتمل.
أما “تفويت فرصة الحج” لعذر شرعي فلا يرقى أبداً لدرجة “الضرورة” التي تبيح ترك أصل قطعي كالعدة.
الحج فريضة مشروطة بالاستطاعة، والعدة مانع شرعي يجعل المرأة “غير مستطيعة”، فلا تأثم بتأخيره، بل تؤجر على نيتها.
ثانيا:
العدة واجب “فوري” ومحكم، يبدأ فور وفاة الزوج ولا يقبل التأجيل أو الإسقاط.
بينما الحج واجب مشروط بانتفاء الموانع.
والقاعدة تقتضي تقديم الواجب الفوري على الواجب المشروط، ولا يجوز إبطال المحكم المؤكد لشيء محتمل.
ثالثا:
بناء الفتوى على احتمال خسارة المبالغ غير دقيق واقعيّا. في جميع الدول -بما فيها تونس-، تعد وفاة الزوج “ظرفًا قهريّا” تستطيع المرأة بموجب شهادة الوفاة استرداد مالها كاملا أو ترحيل مقعدها للعام القادم من قِبَل وزارات الأوقاف ولجان الحج، فانتفت حجة الخسارة المالية.
رابعا:
لقد ثبت أن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهما كانا يردان النساء المعتدات من طُرُق الحج ليقضين العدة في بيوتهن، ولم يلتفتا لما أنفقته المرأة من زاد وما تكبدته من عناء السفر -والسفر قديما كان أشق وأعظم تكلفة بكثير من عصرنا-، ومع ذلك كان تعظيم النص النبوي مقدما على أي مصلحة دنيوية أو عاطفية.
فالقول بمنعها هو الأقوى دليلا، والأحوط دينا، والموافق لفعل الصحابة.
والمسلمة الممتثلة تؤجر على بقائها في بيتها طاعة لله، ولا يضيع أجر نيتها في الحج بإذن الله.
والله أعلم

✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي
٢٣ ذو القعدة ١٤٤٧ هـ / ١٠ مايو ٢٠٢٦ م

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

ابقَ على إتصال

2,282المشجعينمثل
28,156أتباعتابع
13,400المشتركينالاشتراك

مقالات ذات صلة