أصول السياسة الشرعية وضوابطها الفقهية
السؤال
السياسة الشرعية، ما مرجعيتها وهل لها قواعد أم كلها اجتهادات شخصية حسب محبة فاعلها؟ هل فيها تجرد؟ وما هي الضوابط؟
الجواب
هذا سؤال في غاية الأهمية، ومزالق الأقدام فيه كثيرة لمن لم يضبطه بضوابط الشرع الحنيف.
السياسة الشرعية ليست مَيْدَانًا للأهواء والتشهيات، ولا تُبنى على العواطف ومحبة الأشخاص أو بغضهم، بل هي باب عظيم من أبواب الفقه الإسلامي، ومبناها على تحقيق المصالح ودرء المفاسد.
وفيما يأتي تفصيل القول في مرجعيتها وقواعدها وضوابطها:
أولا: مرجعية السياسة الشرعية مرجعية السياسة الشرعية هي الكتاب والسنة، وما تفرع عنهما من إجماع وقياس، إضافة إلى المقاصد العامة للشريعة الإسلامية.
قال ابن القيم رحمه الله:
“ولا نقول: إن السياسة العادلة مخالفةٌ للشريعة الكاملة، بل هي جزء من أجزائها، وباب من أبوابها، وتسميتها سياسةً أمرٌ اصطلاحي، وإلا فإذا كانت عدلاً، فهي من الشرع”.
فهي ليست عِلْمًا مُسْتَقِلًّا عن الشريعة، بل هي تطبيق دقيق لأحكامها في واقع الناس المتغير.
ثانيا: هل لها قواعد أم هي اجتهادات شخصية؟
السياسة الشرعية تحكمها قواعد أصولية وفقهية رصينة، وليست اجتهادات مبنية على هوى المتحدث أو حبه لجهة معينة.
من أمهات قواعدها:
– “تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة”: فلا يجوز للحاكم أو المسؤول أن يتصرف بناء على منفعته الشخصية.
– “درء المفاسد مقدم على جلب المصالح”: عند التعارض.
– “يُتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام”.
– “ارتكاب أخف الضررين لدفع أعظمهما”.
فهذه القواعد تضبط الاجتهاد وتمنعه من الانفلات، والاجتهاد في السياسة الشرعية محصور في دائرة ما لا نص فيه، أو في تنزيل النص على الواقع.
ثالثا: وأما بخصوص مسألة التجرد، فالتجرد شرط أساسي في السياسة الشرعية.
والمسلم مطالب بالعدل والإنصاف حتى مع المخالفين والأعداء، قال تعالى: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} المائدة/ ٨.
فتقويم المواقف والأحداث يجب أن يكون بِمِيزَانِ الشرع، لا بِمِيزَانِ التحزب أو التعصب للأشخاص والجماعات.
الحق يُعرف بدليله، والرجال يُعرفون بالحق، وليس العكس. رابعا: للخوض في السياسة الشرعية ضوابط دقيقة، من أهمها:
١. ألا تخالف نَصًّا شَرْعِيًّا قَاطِعًا، فلا سياسة في مورد النص الثابت الدلالة والثبوت.
وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةٍ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ“، وهذا أصل عظيم في ضبط التصرفات السياسية.
٢. معرفة فقه الواقع، فلا يكفي في السياسة الشرعية معرفة الحكم الشرعي، بل لابد من الإحاطة الدقيقة بالواقع المراد تنزيل الحكم عليه؛ لئلا يؤدي تطبيق الحكم إلى مفسدة أعظم.
٣. النظر في عواقب الأمور ومآلاتها، فقد يكون الفعل جَائِزًا في أصله، لكن يُمْنَعُ مَآلًا لما يترتب عليه من مفاسد.
٤. أن تصدر من أهل الحل والعقد والعلماء الراسخين، فالسياسة الشرعية والقضايا الكبرى للأمة ليست مَشَاعًا لكل متحدث، ولا لرواد مواقع التواصل، بل مردها لأهل العلم والبصيرة؛ لقوله تعالى: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} النساء/ ٨٣.
والله أعلم

✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي
٢٧ شوال ١٤٤٧ هـ – ١٥ أبريل ٢٠٢٦ م


