قاعدة “العبادات المتعدية النفع أفضل من القاصرة” ليست على إطلاقها!

السؤال

في المقارنة بين النفع المتعدي والقاصر، هل ثبت الكلام الآتي عن ابن تيمية؟ وما معناه؟:
“النفع المتعدي ليس أفضل مطلقا، بل ينبغي للإنسان أن يكون له ساعات يناجي فيها ربه، ويخلو فيها بنفسه ويحاسبها…”؟

الجواب

الحمد لله
نعم، هذه المقولة ثَابِتَةٌ وَصَحِيحَةٌ عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهي من درر كلامه ونفائس توجيهاته.
وقد أوردها في كتابه الماتع “شرح العمدة” في “كتاب الصيام” عند حديثه عن أحكام الاعتكاف، حيث كان يفاضل بين العبادة اللازمة التي يقتصر نفعها على العبد كالاعتكاف والصلاة، وبين العبادة المتعدية التي يتعدى نفعها للآخرين كتدريس العلم ونفع الناس.
وهذه المقولة تمثل قَاعِدَةً عَظِيمَةً لأهل الدعوة والمصلحين ومن انشغلوا بقضاء حوائج الناس، وتتضح معانيها الجليلة في الآتي:
أولا:
القاعدة المشهورة عند الفقهاء أن “النفع المتعدي أفضل من القاصر”، ولكن شيخ الإسلام نبه هنا إلى أن هذه القاعدة ليست على إطلاقها في كل الأوقات والأحوال.
فلو أخذناها على إطلاقها لترك الداعية قيام الليل، وتلاوة القرآن، ومحاسبة النفس بحجة انشغاله الدائم بمخالطة الناس ونفعهم، وهذا مسلك خطير يورث قسوة في القلب وجَفَافًا في الروح.
ثانيا:
العبادات اللازمة، كالخلوة بالله، والدعاء، والمناجاة، والذكر، هي “الوقود الروحي” الذي يمد الداعية والمصلح بالإخلاص، والطمأنينة، والصبر على أذى الناس.
فمن ضيع حظه من الخلوة بربه، ضعف أثره وفقد نوره وبركته في مخالطته للناس.
والخلوة بالله هي زاد الطريق للمصلحين.
ثالثا:
لقد كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم هو الأكمل تَمَامًا؛ فكان نهاره حَافِلًا بالنفع المتعدي من تعليم ودعوة وجهاد وقضاء لحوائج المسلمين، ولكن ليله كان عَامِرًا بالخلوة والمناجاة والبكاء بين يدي الله حتى تتورم قدماه الشريفتان.
والله أعلم

✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي
٢٦ / ١١ / ١٤٤٧ هـ – ١٣ / ٥ / ٢٠٢٦ م

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة