ما صحة تفضيل أيام عشر ذي الحجة على أيام رمضان وليلة القدر؟

السؤال

يتكرر كل عام انتشار مقاطع تحث على العمل في العشر الأوائل من ذي الحجة، وفي بعضها تفضيل العشر تلك على رمضان! بل وعلى ليلة القدر! يخرجون الحديث في فضلها على أنه رواه البخاري، ورأيت لك تنبيهات على ذلك كله، فهل من جواب واحد عن تلك المسائل كلها؟

الجواب

الحمد لله
أولا:
الحديث المشتهر في فضل العشر الأوائل من ذي الحجة، لم يروه البخاري بتلك الصيغة المنتشرة، بل هو في السنن وفي مسند أحمد.
حديث السنن:
“ما من أيَّامٍ العملُ الصَّالحُ فيهنَّ أحبُّ إلى اللهِ من هذه الأيَّامِ العشرِ ، قالوا : يا رسولَ اللهِ ولا الجهادُ في سبيلِ اللهِ ؟ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : “ولا الجهادُ في سبيلِ اللهِ إلَّا رجل خرج بنفسِه ومالِه فلم يرجِعْ من ذلك بشيءٍ”.
حديث البخاري:
“ما العَمَلُ في أيَّامٍ أفضَلَ منها في هذه”، قالوا: ولا الجِهادُ؟ قال: “ولا الجِهادُ، إلَّا رَجُلٌ خَرَجَ يُخاطِرُ بنَفسِه ومالِه، فلَم يَرجِعْ بشَيءٍ”.وبوب عليه” فضل العمل في أيام التشريق”.
وهذا تبويب عَظِيمٌ يوسع دائرة الفضل لتشمل أيام التشريق أيضا، ويفتح بَابًا مُهِمًّا في فهم سعة فضل الله في هذه الأيام المباركات.

ثانيا:
المبالغة في تفضيل عشر ذي الحجة على رمضان بِشَكْلٍ مُطْلَقٍ هي مُجَازَفَةٌ عِلْمِيَّةٌ؛ فشهر رمضان خصه الله تعالى بركن مفروض وهو الصيام، والصيام في العشر لغير الحاج نَافِلَةٌ، ولا يمكن لِعَمَلٍ نَافِلَةٍ أن يفضل عَمَلًا مَفْرُوضًا.
كما أن تفضيل أيام العشر على ليلة القدر مصادم للنص القرآني القاطع: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} القدر/ ٣.
فشهر رمضان يبقى سيد الشهور بِلَا مُنَازِعٍ.
ثالثا:
الذي يُفهم من سياق الأحاديث النبوية بِجَلَاءٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم حين رغّب في العمل الصالح في هذه العشر، كان يقصد “العبادات القولية اللسانية” وتَحْدِيدًا ذكر الله تعالى، ولم ينص على الصيام أو الصدقة.
ويدل على ذلك رواية الإمام أحمد في مسنده حيث فسر النبي صلى الله عليه وسلم هذا العمل بقوله: “فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ”.
رابعا:
مِمَّا يؤكد أن المقصود هو “العمل القولي اللساني” أن الصحابة رضي الله عنهم لما سمعوا تفضيل هذا العمل، أرادوا الاستدراك واستعظام الأمر، فقارنوه بأشق العبادات البدنية قَاطِبَةً وهو الجهاد، فقالوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فقال صلى الله عليه وسلم: “وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ”.
فهم أدركوا أن النبي يفضل عملا يَسِيرًا كالذكر اللساني على الجهاد، فأقرهم النبي على ذلك مستثنيا حالة واحدة فقط من الجهاد.
ولمزيد من التفصيل والتأصيل حول هذه المسائل، أحيلكم إلى هذه المقاطع المرئية التي تم فيها تحرير القول بِشَكْلٍ كَافٍ وَوَافٍ:
المقطع الأول ( حول تخريج حديث فضل العشر الأوائل من ذي الحجة)

المقطع الثاني (حول المفاضلة بين العشر ورمضان):

المقطع الثالث (حول تخصيص العمل الصالح بالعبادات اللسانية):

والله أعلم

✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي
٢٧ / ١١ / ١٤٤٧ هـ – ١٤ / ٥ / ٢٠٢٦ م

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة