تشغيب على فتوى “رقص المعصية ورقص التعبد” .

 

تشغيب على فتوى “رقص المعصية ورقص التعبد” .

السؤال:

شغب بعضهم على فتواكم في “رقص التعبد ورقص المعصية”، حيث زعم أن إجراء المقارنة بين معصية الشباب في المسجد وبدعة رقص الصوفية هو من التمييع وتبريد غضبة الناس، وقاس ذلك على خذلان المظلومين وتبرير جرائم الصهاينة، وتساءل عن سبب طرح هذه المقارنات وقت الحادثة وليس في بحث مستقل.

فما هو الرد العلمي على هذا؟

 

الجواب:

الحمد لله

فإن هذا التعليق الذي ذكرته يمثل نَمُوذَجًا للخطاب العاطفي الذي يتزيا بلباس الغيرة، ولكنه يفتقر إلى التأصيل العلمي الدقيق، ويقع في مغالطات منهجية مكشوفة لمن رزقه الله فَهْمًا في دين الله.

وتفنيد ما جاء فيه من شبهات يتضح في الأوجه الآتية:

أولا:

لم يكن مقالنا تَبْرِيرًا ولا تَهْوِينًا لجريمة الشباب، بل نصصنا صَرَاحَةً على أنه “منكر عظيم وجرم كبير واستنكار الناس له صحيح”.

ولكن من وظيفة العالم وطالب العلم تصحيح “موازين الغضب” عند العامة. فالعامة يغضبون للمعصية الظاهرة التي تستفز عاداتهم وفطرتهم، وهذا محمود، ولكنهم يغفلون عن الغضب للبدعة التي هي أشد خطرا على الدين. وتنبيه الناس إلى أن هناك مُنْكَرًا أَعْظَمَ يقع في نفس المكان -المسجد- ويُسكت عنه، هو من صميم النصح للأمة، وليس تَمْيِيعًا، بل هو ارتقاء بوعي المسلم ليكون غضبه مَوْزُونًا بميزان الشريعة لا بمجرد العاطفة.

ثانيا:

لجوء الكاتب إلى استدعاء جرائم الصهاينة، والتلبيس بأن المقارنة كمن يلوم الضحية في فلسطين، هو من أبشع أنواع “القياس مع الفارق”، وهو استجداء رَخِيصٌ للعواطف.

نحن لا نقارن بين ظالم ومظلوم، ولا بين جلاد وضحية لنقف مع الجلاد! بل نقارن بين جنايتين وقعتا على حق الله وحرمة مسجده؛ إحداهما جناية عصيان وطيش، والأخرى جناية ابتداع وتشريع في الدين.

فكيف يستقيم هذا القياس الفاسد في عقل رجل بَصِيرٍ؟!

ثالثا:

أما قوله: لماذا لا تطرح هذه المقارنات إلا بعد وقوع الحادثة؟ ولماذا لا يفرد الكلام في البدع ببحث مستقل؟: فهذا يدل على جهل بهدي النبي صلى الله عليه وسلم في التعليم؛ فالأحداث والنوازل هي أفضل الأوقات لتقرير القواعد الكبرى، لأن النفوس تكون متطلعة ومنتبهة.

والنبي صلى الله عليه وسلم استثمر رؤية الناس لامرأة تبحث عن ولدها في السبي ليعلمهم سَعَةَ رحمة الله قَائِلًا: “اللَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا”، ولم يقل أحد: لماذا لم يفرد رحمة الله بدرس مستقل قبل الحادثة! بل إن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز شَرْعًا.

وأيضا:

قد لا تتوفر فرصة مثلى مثل هذه للحديث عن تلك البدع المنكرة المتكررة! في المساجد، فالذكي هو من يستثمر هذا الحدث لذلك الحديث، ومن عدم التوفيق تفويته.

وهذا الحدث طار الناس به يوما وطوته الوزارة المعنية، وصار من التاريخ، وقد يأتي زمان نرى هؤلاء الشباب من رواد المساجد.

والعلماء لم يسكتوا عن محاربة البدع قَبْلًا، ومصنفاتهم تملأ الآفاق، ولكن العوام لا يلتفتون إلا عند وقوع “التريند” أو الحدث المستفز، فكان لِزَامًا تذكيرهم في هذه اللحظة بالذات.

وأيضا:

من أوضح الأدلة على تهافت الكلام والمكابرة للواقع: إيهام القراء أننا نستدعي ملفات البدع فَجْأَةً لتخفيف المنكر، وهذا كَذِبٌ صَرِيحٌ وتَدْلِيسٌ مَفْضُوحٌ؛ لأن إرفاقنا لمقطع الفيديو الذي يوثق رقص الصوفية في المسجد مع تعليق العلامة الألباني رحمه الله، هو إِثْبَاتٌ عَمَلِيٌّ ومُوَثَّقٌ لجهودنا في بيان هذه البدعة بِعَيْنِهَا وتفنيدها بكلام كبار العلماء.

وصاحب الهوى يَغْفُلُ أو يَتَغَافَلُ عن أن إنكارنا للبدع هو مَنْهَجٌ أَصِيلٌ ودَعْوَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ، وليس مُجَرَّدَ رَدَّةِ فِعْلٍ طَارِئَةٍ.

رابعا:

يقلل المعترض من شأن قاعدة “البدعة أشد من المعصية” معتبرا إياها قاعدة نظرية مجردة لا محل لها هنا! وهذا هو العمى عن مقاصد الشريعة، فالمعصية -كرقص الشباب- تهدم سُلُوكًا ينتهي بتوبة أصحابه أو استنكار المجتمع له فَوْرًا، أما البدعة -كرقص التعبد- فتهدم دِينًا، وتُشرع عِبَادَةً فَاسِدَةً، وتُورث للأجيال على أنها قُرْبَةٌ إلى الله.

وسكوت الناس عن رقص المتصوفة في المساجد لعقود، ثم ثورتهم على رقص الشباب، يدل على خَلَلٍ في ميزان الولاء والبراء وتعظيم السنة، وجب تقويمه بِحَزْمٍ.

والله أعلم

 

✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي

٢٩ / ١١ / ١٤٤٧ هـ – ١٦ / ٥ / ٢٠٢٦ م

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

ابقَ على إتصال

2,282المشجعينمثل
28,156أتباعتابع
13,500المشتركينالاشتراك

مقالات ذات صلة