الحور العين نساء، لا رجال.

السؤال

ما الرد العلمي المؤصل على من يدعي في مقطع متداول أن “الحور العين” في الجنة تشمل الرجال والنساء، بناء على أن الكلمة لغويًا جمع لـ “أحور” و”حوراء”؟

 

الجواب

الحمد لله

الادعاء بأن “الحور العين” تشمل الرجال والنساء اعْتِمَادًا على القاعدة الصرفية فقط هو قول باطل، وتكلف ظاهر، ومخالفة صريحة لنصوص الوحيين وللفطرة السوية. والرد عليه من وجوه:

الوجه الأول:

من جهة اللغة والسياق القرآني، نقول: صحيح أن كلمة “حور” على وزن “فُعْل” تصلح لغة أن تكون جَمْعًا لـ “أحور” للمذكر و”حوراء” للمؤنث، وكذلك “عين” جمع لـ “أعين” و”عيناء”.

لكن اللغة العربية لا تعتمد على الوزن الصرفي المجرد بمعزل عن السياق، والقرآن الكريم قطع الشك باليقين باستعمال الضمائر والصفات المؤنثة حَصْرًا عند الحديث عن الحور العين، ومن ذلك:

١. قوله تعالى: {كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ} (الرحمن/ ٥٨)، فاستخدم الله جل وعلا ضمير الإناث “هن”.

٢. قوله تعالى: {فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ} (الرحمن/ ٥٦)، و”قاصرات” صفة جمع مؤنث.

٣. قوله تعالى: {حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ} (الرحمن/ ٧٢).

٤. قوله تعالى: {إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً} (الواقعة/ ٣٥).

٥. قوله تعالى: {وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا} (النبأ/ ٣٣)، والكاعب هي المرأة التي برز ثديها، وهذا وصف يمتنع قَطْعًا إطلاقه على الرجال.

الوجه الثاني:

من جهة السنة النبوية، نقول: إن الأحاديث النبوية جاءت صريحة في وصف الحور العين بأنهن نساء، ومن ذلك قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اطَّلَعَتْ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ لَأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا، وَلَمَلَأَتْهُ رِيحًا، وَلَنَصِيفُهَا عَلَى رَأْسِهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا” رواه البخاري، فصرح بأنها امرأة ولها خمار.

الوجه الثالث:

من جهة المروءة والفطرة السوية، نقول: إن من المروءة التي فطر الله عليها البشر، والعرب خَاصَّةً، صيانة المرأة وحفظ حيائها عن التطلع إلى مفاتن الرجال، وغيرة الرجل على محارمه.

ولذا تجد في الشريعة التفريق الدقيق بين ترغيب الرجل بالمرأة، وترغيب المرأة بالرجل؛ فقد رغب الشارع الرجل في جمال المرأة كما في قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ” متفق عليه، بينما حين وجه الخطاب لأولياء المرأة حثهم على النظر في دين الرجل وخلقه، فقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ” رواه الترمذي وغيره بإسناد صحيح، ولم يذكر الجمال الظاهر أو الفحولة صيانة للمرأة وحِفْظًا لحيائها. فكيف يعقل بعد هذا التأصيل الشريف أن يخاطب القرآن الكريم النساء العفيفات بترغيبهن برجال ذوي أعين حور وحسن ظاهر كما في ادعاء هذا المتحدث!

الوجه الرابع:

الإجماع ومخالفة المفسرين، نقول: لم يقل أحد من المفسرين أو علماء اللغة المعتبرين على مدار التاريخ الإسلامي إن الحور العين تشمل الرجال.

وما يطرحه المتحدث هو ابتداع ومخالفة لإجماع الأمة وفهم السلف الصالح.

الوجه الخامس:

نعيم المؤمنات، نقول: إن المرأة المؤمنة لها في الجنة من النعيم ما تقر به عينها، وتكون مع زوجها في الدنيا إن كان من أهل الجنة، وتكون سيدة الحور، ويكسوها الله جَمَالًا وبَهَاءً يفوق الحور العين.

وما يشتهيه المؤمن أو المؤمنة في الجنة متحقق بفضل الله.

مع التنبيه المهم على أن أماني أهل الجنة وشهواتهم مُطَهَّرَةٌ ومنزهة عن كل نقص أو تعدٍّ؛ فلا يشتهي المؤمن ما ليس له كمنزلة غيره، ولا تشتهي المرأة زوج غيرها، لأن الله طهر قلوبهم ونزع منها الغل والحسد، كما قال تعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ} الأعراف/ ٤٣، ورضَّاهم بما قسم لهم من النعيم المقيم حتى لا يرى أحدهم أن أَحَدًا أنعم منه.

وعليه:

فهذا الادعاء ساقط عِلْمِيًّا ولُغَوِيًّا وشَرْعِيًّا وفِطْرِيًّا، ولا يجوز نشره إلا على سبيل التحذير منه.

والله أعلم

✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي

٠٩ / ٠١ / ١٤٤٨، ٢٤ / ٠٦ / ٢٠٢٦

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة