بيان الشرع في رد افتراءات العصرانيين على الثوابت الفقهية
السؤال
ما التعليق العلمي المؤصل على التغريدة المرفقة في الصورة، والتي يزعم صاحبها أن تطبيق الشريعة يتطلب التخلص مما أسماه “مصائب فقهية” كالرجم وقتل المرتد وفقه أهل الذمة، بحجة أنها تناقض بديهيات قرآنية؟
الجواب
الحمد لله
هذا الكلام المذكور في التغريدة! يحمل طوامّ عقديّةً ومنهجيّةً خطيرةً، ويمثل امتدادًا لمدرسة العصرانيين التي تقدم العقل القاصر على النقل الصحيح، ويمكن تفصيل الرد العلمي عليه في النقاط الآتية:
١. الطعن في السنة النبوية بدعوى معارضتها للقرآن؛ حيث إن القائل يسمي أحكامًا ثابتةً بالسنة الصحيحة المتواترة والإجماع “مصائب فقهية”! وهذا هدم لأصل أصيل من أصول الإسلام، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: “أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ” -رواه أبو داود وأحمد بإسناد صحيح-، والله عز وجل يقول: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} الحشر/ ٧.
٢. حد الرجم للمحصن ثابت بالسنة المتواترة القولية والفعلية، وبإجماع الصحابة رضي الله عنهم والأمة من بعدهم.
فقد رجم النبي صلى الله عليه وسلم ماعزًا والغامدية، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه محذرًا من هذا الصنف من الناس: “إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَقِّ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ، فَكَانَ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ آيَةُ الرَّجْمِ، فَقَرَأْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا، رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ، فَأَخْشَى إِنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: وَاللَّهِ مَا نَجِدُ آيَةَ الرَّجْمِ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّه” -رواه البخاري ومسلم-.
٣. حد الردة ثابت كذلك بنصوص صحيحة صريحة لا تقبل التأويل، كقوله صلى الله عليه وسلم:”مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ“-رواه البخاري-.
وقد أجمع الصحابة على قتال المرتدين، فهل يعقل أن يسمي مسلم فعل النبي صلى الله عليه وسلم وفعل أبي بكر والصحابة “مصيبة فقهية”؟!
٤. الزعم بأن فقه أهل الذمة من المصائب هو طعن صريح في أحكام الشريعة التي جاء بها القرآن وفصلتها السنة. فدفع الجزية والصغار منصوص عليه في القرآن: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} التوبة/ ٢٩. فهل أصبحت آيات القرآن مصائب يناقض بعضها بعضًا؟!
٥. هذا الخطاب ينطلق من الانهزامية أمام الثقافة الغربية المعاصرة، فيعمد أصحابه إلى تمييع أحكام الشريعة لتوافق أهواء الغرب، ولو أدى ذلك إلى رد النصوص الصحيحة واتهام السلف الصالح وعلماء الأمة بتشريع المصائب.
٦. وصف أحكام الشريعة الثابتة كحد الرجم وحد الردة وأحكام أهل الذمة بأنها مصائب، وإنكارها بحجة مخالفتها للقرآن؛ هو بلا شك قول كفري، وردة عن الإسلام؛ لأنه يتضمن تكذيبًا لنصوص صحيحة صريحة متواترة، وردًّا لإجماع الأمة، وطعنًا في الشريعة ومشرعها.
ومثل هؤلاء العصرانيين غالبًا ما تتلبس عليهم الشبهات، ويدخلون من باب التأويل الفاسد للنصوص، فيظنون أنهم ينزهون الشريعة وهم يهدمونها.
ولذلك، لا يحكم بردة القائل المعين في مثل هذه الحالات إلا بعد الاستتابة والمناقشة من قبل أهل العلم الراسخين والقضاة الشرعيين لكشف شبهته وإقامة الحجة عليه، فإن أصر بعد بيان الحق الواضح حكم بردته.
والله أعلم

✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي
١٩ صفر ١٤٤٨ هـ – ٠٣ أغسطس ٢٠٢٦ م


