الاستقامة ولزوم السنة مقدمان على غزارة العلم وكثرة العبادة والمواقف السياسية.
الاستقامة ولزوم السنة مقدمان على غزارة العلم وكثرة العبادة والمواقف السياسية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
١. فإن الشريعة الإسلامية قعدت قاعدة عظيمة، وأصلت لأمر بالغ الأهمية، ألا وهو عدم الاغترار بكثرة العبادة أو غزارة العلم والمصنفات، ما لم يكن صاحبها عَالِمًا مُهْتَدِيًا، ومُسْتَقِيمًا على هدى الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
فهذه المظاهر، وإن كانت مَحْمُودَةً في ذاتها، إلا أنها ليست مِعْيَارًا قَطْعِيًّا للحكم على صحة المنهج وسلامة المعتقد.
٢. لقد حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من الاغترار بظاهر العبادة إذا خلت من الفهم الصحيح والاتباع، وظهر ذلك جَلِيًّا في وصفه للخوارج؛ حيث قال: “يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ إِلَى صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَهُ إِلَى صِيَامِهِمْ” متفق عليه.
ومع هذه العبادات ففي كفرهم قولان مشهوران للسلف، ويرجح الشيخ ابن باز رحمه الله كفرهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في “مجموع الفتاوى” (٢٨/ ٥١٨):
فإن الأمة متفقون على ذم الخوارج وتضليلهم، وإنما تنازعوا في تكفيرهم على قولين مشهورين في مذهب مالك وأحمد، وفي مذهب الشافعي أيضا نزاع في كفرهم.
انتهى
وفي حديث آخر في وصف غيرهم تصف اجتهادهم العظيم في قيام الليل: “يَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ” رواه ابن ماجه وصححه الألباني.
ومع قيامهم وعبادتهم قال عنهم النبي صلى الله عليه وسلم “يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا”.
فهؤلاء وأولئك، مع كثرة صيامهم وقيامهم، لم تشفع لهم عبادتهم حين فارقوا السنة وخرجوا عن الجادة.
٣. وفي القرآن الكريم، نجد أبلغ الرسائل في التحذير من العالم الذي لا يعمل بعلمه ولا يهتدي به، فقد شبه الله تعالى من آتاه آياته فانسلخ منها بالكلب، في إشارة إلى عالم عند بني إسرائيل، قال تعالى: {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ} الأعراف/ ١٧٦.
وكذلك ضرب الله مَثَلًا قَاسِيًا للذين يحملون العلم ولا يفقهونه ولا يتبعون هديه، فشبههم بالحمار الذي يحمل الكتب ولا ينتفع بما فيها، قال سبحانه: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} الجمعة/ ٥.
٤. وهذا التأصيل القرآني والنبوي يرد بقوة على ما نشهده في زماننا من شبهات؛ حيث يجعل العامة! كثرة التأليف، أو وجود مصنفات ضخمة في التفسير وشرح الحديث، أو الاجتهاد في الصيام والقيام، مَانِعًا من موانع الجرح والتعديل، أو دِرْعًا يحول دون الحكم على المخالف ببدعته وتجاوزاته! فمتى كان مجرد التصنيف مِقْيَاسًا للهداية؟
إنما المقياس الحق هو لزوم الأمر، قال تعالى: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ} هود/ ١١٢، وقال جل شأنه في بيان معيار الهداية: {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا} البقرة/ ١٣٧.
٥. ولنا في تاريخ الرواة وعلوم الحديث عبرة بالغة؛ فأئمة الجرح والتعديل لم تمنعهم فصاحة الرجل أو كثرة رواياته من قول الحق فيه، ومن ذلك:
أ. عمران بن حطان، كان فَصِيحًا بَلِيغًا، وشَاعِرًا مُفَوَّهًا، وهو من رواة صحيح البخاري، ومع ذلك لم يمنع هذا أئمة السنة من الحكم عليه بالبدعة لكونه من الخوارج.
ب. عبد الله بن لهيعة، كان قاضي مصر، وصاحب مصنفات وروايات كثيرة، ومع كثرة علمه وجلالة قدره، لم يمنع ذلك علماء الحديث من تضعيفه في الرواية لاختلاطه بعد احتراق كتبه.
ج. كبار القراء، فنجد في تراجم بعض كبار قراء القرآن الكريم، ممن هم أئمة في القراءات، من ضُعِّف في رواية الحديث، فلم تشفع لهم إمامتهم في القرآن لتجاوز المعايير العلمية الدقيقة في نقد الرواة.
٦. وثمة مَزْلَق خَطِير زلت فيه أقدام كثير من الخائضين في الشأن العام اليوم، حيث جُعلت المواقف السياسية أو العاطفية تجاه مآسي المسلمين مِعْيَارًا وحيدًا لتقييم الأشخاص وتزكيتهم، ومَانِعًا من الحكم عليهم بالبدعة والضلالة، وهذا يمثل خَلَلًا عَظِيمًا في ميزان الولاء والبراء الشرعي.
إن الشريعة الإسلامية جعلت سلامة المعتقد ولزوم السنة هما الميزان الأكبر. وكما أن كثرة العلم والتأليف والعبادة لا تشفع لمن حاد عن الجادة، فكذلك “المواقف السياسية” مهما بدت نَاصِعَةً أو مُنَاصِرَةً لقضايا الأمة، فإنها لا تسوغ الانحراف العقائدي.
ومن الأمثلة الجلية والمؤسفة على هذا الخلل في زماننا:
الاغترار بمواقف بعض الرموز كمفتي دولة يعلن خارجيته بوضوح، فمهما كان موقفه سَلِيمًا ومُنَاصِرًا لأهلنا في غزة، إلا أن ذلك لا يمحو انحرافه العقائدي، ولا يشفع له طعنه المستمر في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبرؤه منهم.
فكيف يُغض الطرف عن هدم أصول الدين والطعن في نقلة الوحي من أجل موقف سياسي؟ وقد شدد النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك فقال: “لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ، وَلَا نَصِيفَهُ” متفق عليه.
فالمواقف السياسية الإيجابية تجاه مآسي المسلمين محمودة في ذاتها، ولكنها لا ترفع عن صاحبها وصف البدعة أو الحكم بالردة، ولا تمنحه صَكًّا للبراءة متى ما كان مُخَالِفًا لأصول السنة والجماعة، ولا يجوز أَبَدًا أن تكون ذَرِيعَةً لتلميع المبتدعة وتسويغ باطلهم وتمريره على عوام المسلمين.
٧. فالعبرة ليست بكون المرء عَالِمًا فحسب، بل بكونه عَالِمًا مُهْتَدِيًا مُسْتَقِيمًا. ولا ينبغي أن تُتخذ كثرة المؤلفات، أو العبادة، أو المناصب العلمية، أو الموقف الإيجابي من مآسي المسلمين، حجة لدفع الحقائق وتزكية من حاد عن الجادة.
نسأل الله أن يرزقنا الاستقامة على دينه.
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- في كتابه “كشف الشبهات”:
(وقد يكون لأعداء التوحيد علوم كثيرة وكتب وحجج).
وشرحها الشيخ صالح آل الشيخ -حفظه الله-:
هل هذه الكتب الكثيرة التي له والفقهيات والتراجم والتفسير وما أشبه ذلك، يجعله ليس عدوا للتوحيد إذا صنف في عداوة التوحيد، وصنف في تحسين الشرك، ودعا الناس إلى ذلك؟ لا، فإنه يكون عدوا للتوحيد ناصرا للشرك ولا كرامة، ولو كان أثر السجود في جبهته، ولو كان عنده من المؤلفات أكثر مما عند المكثرين -كالسيوطي وغيره-، فهذا ليس بعبرة، وكلامه بالتالي ليس بعبرة؛ لأنه ليس من علماء التوحيد فعلومه ضارة وليست نافعة.
قال بعد ذلك رحمه الله (إذا عرفت ذلك ) يعني ما تقدم من أنّ أعداء الرسل قد يكون لهم علوم وكتب يصنفونها وحجج يُدلون بها قد يكون يحتجون بالكتاب، قد يكون يحتجون بالسنة وأشباه ذلك، وبأقوال المحققين من أهل العلم مثل ما ينقلون عن أحمد ببعض الأشياء، ينقلون عن شيخ الإسلام، ينقلون عن ابن القيم، ينقلون عن ابن حجر، ينقلون وينقلون، وهذا كله من العلوم الضارة ليست من العلوم النافعة.
انتهى
٨. وخِتَامًا، ومما يجب التنبيه عليه في هذا المقام، أن الحكم على هؤلاء المذكورين -من أصحاب العبادة والتصنيف والمواقف السياسية- بالبدعة أو الانحراف، ليس بَابًا مَشَاعًا لكل أحد، بل لا يحكم عليهم إلا من اتصف بصفتين أساسيتين:
الأولى: العِلْمُ المُحَقَّقُ المُؤَصَّلُ، والفهم الدقيق لشرع الله تعالى.
الثانية: الإِنْصَافُ والعدل، وعدم اتباع الهوى في الحكم.
وعليه؛ فلا يُفْتَحُ هذا المجال للطلبة الصغار، ولا للدعاة المبتدئين، ولا لمن لا يفهم ولا يحصر ولا يستقرئ أقوال المخالفين.
فمقام الجرح والحكم على الأشخاص مَقَامٌ عَظِيمٌ يفتقر إلى رسوخ في العلم وتقوى في القلب.
والله أعلم.

✍️ كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي.
٢٠ صفر ١٤٤٨ هـ / ٤ أغسطس ٢٠٢٦ م

