السؤال

ما حكم إلقاء الموعظة عند القبر بعد الدفن؟ وهل يسوغ اتخاذها عادة راتبة بالنظر إلى غفلة الناس وحاجتهم الماسة، مع وضع ضوابط محددة لها؟

الجواب

الحمد لله

إن الأصل في الدعوة إلى الله تعالى وتذكير الناس هو العموم والإطلاق في الزمان والمكان، تَصْدِيقًا لقوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} النحل/ ١٢٥.

فالداعية الموفق هو الذي يغتنم تجمعات الناس في المحافل، والأسواق، ومجالس العزاء، والمقابر؛ ليقوم بوظيفة الأنبياء في النصح والتذكير.

وقد اختلف أهل العلم قَدِيمًا في الموعظة عند القبر، فمنعها بعضهم إذا اتخذت عادة راتبة؛ خَشْيَةَ أن تشابه خطبة الجمعة، أو أن تصرف المشيعين عن السنة الواردة في الانشغال بالدعاء للميت.

ولكن، بالنظر إلى فقه الزمان والمرحلة، وما يغلب على الناس اليوم من الغفلة والجهل بحقيقة القبر وما بعده؛ وبحصول مخالفات شرعية في الدفن وما بعده؛ ولأن القلوب تكون في المقابر منكسرة والنفوس مهيأة للاستجابة؛ فلا حرج شَرْعًا في إلقاء الموعظة بعد الانتهاء من الدفن، بل قد تتأكد الحاجة إليها، قِيَاسًا على إطالة خطبة الجمعة في زماننا لقلة ارتياد الناس لمجالس العلم.

وحتى يتحقق هذا المقصد الدعوي العظيم دَفْعًا للجهل وإِحْيَاءً للقلوب، دون الإخلال بالسنة النبوية، فإنه ينبغي تقييد هذه الموعظة بضوابط دقيقة، وهي:

١. القصر والتركيز، بحيث تكون الموعظة وجيزة لا تتجاوز دقائق معدودة، تنفذ إلى القلوب دون إطالة تثقل على المشيعين.

٢. مراعاة الظروف، فلا يكون في الوقوف للاستماع مشقة ظاهرة، كأن يكون الوقت حَارًّا، أو في ظل بَرْدٍ شَدِيدٍ، أو مَطَرٍ.

٣. مناسبة الحال، فيكون موضوع الموعظة مُرَكَّزًا على التذكير بحقيقة الموت، ومآل الإنسان، والدار الآخرة، والتحذير من البدع والمحدثات الشائعة في الجنائز والعزاءات.

٤. تخصيص الدعاء للميت، وهذا مَلْحَظٌ في غاية الأهمية؛ فالقبر ليس مَظِنَّةً للدعاء العَامِّ للأمة وللمسلمين والمسلمات كما يُفعل في خطب الجمعة والمجالس الشرعية، بل هو مقام خاص للدعاء للميت المعين بالتثبيت والمغفرة، امْتِثَالًا لتوجيه النبي صلى الله عليه وسلم: “اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ، وَسَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ، فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ”.

فمتى رُوعيت هذه الضوابط، كانت الموعظة مَشْرُوعَةً ومُحَقِّقَةً لمقاصد الشريعة في الدعوة إلى الله تعالى.

والله أعلم

 

 

✍️ كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي.

٨ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ – ٢٣ يونيو ٢٠٢٦ م

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة