حكم قراءة الفاتحة على الميت بين السنة والبدعة
السؤال
هل هذا الكلام في المنشور صحيح ؟
أفدنا جزاك الله كل خير.
أدلة جواز قراءة الفاتحة على الميت وأقوال الفقهاء الأعلام”
1- عن عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- يقول: «إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ فَلَا تَحْبِسُوهُ، وأَسْرِعُوا بِهِ إِلَى قَبْرِهِ، وَليُقْرَأْ عِنْدَ رَأْسِهِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَعِنْدَ رِجْلَيْهِ بِخَاتِمَةِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي قَبْرِهِ».-
.- أخرجه الطبراني ( 12/444) ( 13613) والديلمي في ” الفردوس”: (1115) واللفظ له، والبيهقي في شعب الإيمان، وإسناده حسن كما قال الحافظ ابن حجر في الفتح، وفي رواية: «بِفَاتِحَةِ الْبَقَرَةِ»، بدلا من «فَاتِحَةِ الْكِتَابِ».
2 – بوَّب الإمام البخاري في صحيحه بقوله:
” باب قِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ عَلَى (الْجِنَازَةِ)” وهذا أعمُّ من أن يكون في صلاة الجنازة أو خارجها، فمن الأحاديث ما يدل على أنها تُقرأ في صلاة الجنازة، ومنها ما يدل على أنها تُقرأ عند الدفن أو بعده كحديث ابن عمر السابق عند الطبراني وغيره
،ومنها ما يدل بإطلاقه على كلا الأمرين،
3 – حديث أم عفيف النهدية
رضي الله عنها- قالت: «بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- حِينَ بَايَعَ النِّسَاءَ؛ فَأَخَذَ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا تُحَدِّثْنَ الرَّجُلَ إِلَّا محْرمًا، وأَمَرَنَا أَنْ نَقْرَأَ على (مَيِّتِنَا) بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ». رواه الطبراني في المعجم الكبير.
4 – حديث أم شريك -رضي الله عنها- قالت: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- أَنْ نَقْرَأَ عَلَى (الْجِنَازَةِ) بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ». رواه ابن ماجه.
5 – حدثنا محمد بن كثير: أخبرنا سفيان، عن سعد بن إبراهيم، عن طلحة بن عبدالله بن عوف قال: صليتُ خلف ابن عباسٍ رضي الله عنهما على جنازةٍ فقرأ بفاتحة الكتاب، قال: لتعلموا أنها سنة.
وإسناده صحيح
رواه البخاري والنسائي والترمذي وابن خزيمة والحاكم من عدة روايات
وقد أجمع المحدثون على أنَّ قول الصحابي: “سنة” حديثٌ مُسندٌ.
لذا فمالمانع من إنتفاع الميت خارج صلاة الجنازة وهو في الحالتين ميت وللأحاديث الصحيحة الواردة .
6- نعم الفاتحة من القرآن والفقهاء أجازوا القراءة على الميت
– جاء في الفتاوى الهندية في المذهب الحنفي :
وإذا كانت قبور المسلمين مختلطة بقبور الكفار يقول السلام على من اتبع الهدى ثم يقرأ سورة الفاتحة . وآية الكرسي ثم يقرأ سورة إذا زلزلت وألهاكم التكاثر كذا في الغرائب
الفتاوى الهندية – ط. دار الفكر (5/ 350).
7- مختصر تذكرة القرطبي لعبد الوهاب الشعراني في باب ما جاء في قراءة القرآن عند القبر ما نصه: ((كان الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى يقول: إذا دخلتم المقابر فاقرأوا فاتحة حتى حدثه بعض الثقاة (( أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أوصى إن دفن أن يُقرأ عند رأسه فاتحة الكتاب وخاتمة سورة البقرة))،
8 – قال: وقال ابن قدامة في الشرح الكبير: ولا تكره القراءة على القبر في أصح الروايتين؛ هذا هو المشهور عن أحمد.
ولذلك فإن أمر البعض بقراءة الفاتحة أو غيرها من القرآن، وإهداء ثوابها لميت مسلم، لا حرج فيه إن شاء الله تعالى.
انتهى
الجواب
الحمد لله
هذا المنشور يخلط خَلْطًا عَجِيبًا بين مشروعية قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة)، وهو أمر ثابت صحيح، وبين قراءتها على الميت بعد موته أو عند قبره، وهو أمر لم يصح فيه دليل.
وقد اعتمد الكاتب على أحاديث ضعيفة جِدًّا، ونصوص نزلها في غير محلها، وإليك تفصيل ذلك وتحقيقه:
أَوَّلًا:
حديث ابن عمر المرفوع والأثر الموقوف عليه:
أما الحديث المرفوع المذكور في النقطة الأولى: “إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ فَلَا تَحْبِسُوهُ، وأَسْرِعُوا بِهِ إِلَى قَبْرِهِ، وَليُقْرَأْ عِنْدَ رَأْسِهِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَعِنْدَ رِجْلَيْهِ بِخَاتِمَةِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي قَبْرِهِ“: فهو حديث ضعيف جِدًّا، ولا يصح رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ لضعف راويين فيه هما: يحيى بن عبد الله البابلتي، وأيوب بن نهيك، وقد ضعفه الهيثمي والألباني وغيرهما.
وأما الأثر الموقوف على ابن عمر رضي الله عنهما، فهو ضعيف أيضا؛ لأن مداره على عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج، وهو رجل مجهول، ومن حسن الأثر فإنما هو اعتمادا على توثيق ابن حبان له، وهو معروف بتساهله وتوثيقه للمجاهيل.
وقد تعددت روايات حديث هذا المجهول:
ففي بعض الآثار: “بفاتحة البقرة وخاتمتها“.
وفي بعضها “بفاتحة الكتاب وأول البقرة وخاتمتها“.
وفي بعضها “بفاتحة الكتاب” منفردةً.
وفي بعضها “بفاتحة البقرة“.
ومن حيث الصناعة الحديثية: فإن مدار الأثر بمختلف ألفاظه يرجع إلى راوٍ واحد مجهول الحال، وهو عبد الرحمن بن العلاء، وقد اختلف عليه الرواة في المتن تنوعًا وزيادةً، كما اختلفوا في رفعه ووقفه.
وهذا الاختلاف يعده النقاد من صور “الاضطراب” الذي يزيد من ضعف الرواية.
والصحيح الثابت عن ابن عمر في هذا الباب هو ما رواه الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أدخل الميت القبر قال: “بِسْمِ اللَّهِ وَبِاللَّهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ“.
ثَانِيًا:
الخلط بين صلاة الجنازة والقراءة عند القبر:
النقاط الثانية والثالثة والرابعة والخامسة في المنشور، كحديث أم شريك، وحديث أم عفيف، وفعل ابن عباس رضي الله عنهم، وتبويب البخاري، كلها محمولة على قراءة الفاتحة داخل صلاة الجنازة، وصلاة الجنازة تسمى شَرْعًا: الصلاة على الميت أو الجنازة.
فقول ابن عباس رضي الله عنهما كما في المنشور نفسه: صليت خلف ابن عباس على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب، وقال: “لِتَعْلَمُوا أَنَّهَا سُنَّةٌ“، هو نص صريح في أن القراءة كانت في تكبيرات صلاة الجنازة، وليس عند القبر.
ومع ذلك حديث أم عفيف وأم شريك ضعيفان جدّا لا يصحان:
= حديث أم عفيف النهدية رضي الله عنها:
أخرجه الطبراني في “المعجم الكبير” من طريق محمد بن الحسن بن زبالة، حدثنا عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد، عن أبيه، عن جده، عن أم عفيف النهدية أنها قالت: “بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ بَايَعَ النِّسَاءَ فَأَخَذَ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا تُحَدِّثْنَ الرَّجُلَ إِلَّا مَحْرَمًا، وَأَمَرَنَا أَنْ نَقْرَأَ عَلَى مَيِّتِنَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ“.
وهذا إسناد ضعيف جدًّا وتالف، فيه عدة علل، من أهمها:
١. محمد بن الحسن بن زبالة: متروك الحديث، وكذبه بعض الأئمة كأبي داود.
٢. عبد المهيمن بن عباس: ضعيف جدًّا، تركه يحيى بن معين والنسائي وغيرهما.
= حديث أم شريك رضي الله عنها:
أخرجه ابن ماجه في سننه من طريق إبراهيم بن المهاجر، عن إبراهيم النخعي، عن أم شريك قالت: “أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَقْرَأَ عَلَى الْجِنَازَةِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ“.
وهذا إسناد ضعيف لانقطاعه؛ فإن إبراهيم بن يزيد النخعي لم يدرك أم شريك رضي الله عنها ولم يسمع منها، وقد نص على انقطاعه وضعفه أئمة الحديث.
وأما قول الكاتب: فما المانع من انتفاع الميت خارج صلاة الجنازة وهو في الحالتين ميت؟ : فهذا قياس فاسد في العبادات؛ لأن العبادات توقيفية مبناها على الاتباع لا على الابتداع والاستحسان العقلي.
ثَالِثًا:
أقوال الفقهاء وما نسب لعمر بن الخطاب:
ما ورد في النقطة السابعة عن وصية عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقراءة الفاتحة والبقرة، هو وهم وخلط من الكاتب أو ممن نقل عنه، فالأثر المروي -على ضعفه كما تقدم- إنما هو عن ابنه عبد الله بن عمر، وليس عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وأما الاستدلال بأقوال بعض الفقهاء في المذهبين الحنفي والحنبلي، فالمسألة الفقهية في قراءة القرآن عند القبر فيها خلاف مشهور، ولكن لا حجة في تخصيص سورة الفاتحة أو البقرة بأحاديث لا تصح.
والسنة الثابتة عند الفراغ من الدفن هي الدعاء للميت بالرحمة والتثبيت، كما صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقف على القبر ويقول: “اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ، وَسَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ، فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ“.
وختاما:
المنشور غير صحيح في استدلالاته، ويبني أَحْكَامًا على أحاديث ضعيفة، ويحرف دلالة الأحاديث الصحيحة عن موضعها.
والله أعلم

✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي
١٥ محرم ١٤٤٨ هـ – ٣٠ حزيران ٢٠٢٦ م


