تعليقا على مقال الدكتور عبد الكريم بكار :
https://www.facebook.com/share/p/1J4iWp6M7Q/
بعد قراءة مقال الدكتور عبد الكريم بكار وفقه الله، وعرضه على ميزان الشرع ومقاصده، ثم على الواقع الملموس الذي نعيشه ونكتب عنه في سلسلة ومقالات #كارثة_الطوفان، يتبين لنا خلل كبير في هذا الطرح، ويمكن تلخيص التعليق العلمي والواقعي عليه في النقاط الآتية:
أولا:
المقال يعظم من شأن الانتصارات المعنوية؛ كاستطلاعات الرأي، ومظاهرات الجامعات الغربية، وقرارات الأمم المتحدة، ويجعلها ثَمَنًا مَقْبُولًا أو نتيجة استراتيجية تبرر الثمن الإنساني الفادح.
وهذا يتصادم مع أصل شرعي عظيم وهو عصمة وتعظيم دماء المسلمين. فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: “لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ” (أخرجه الترمذي والنسائي، وصححه الألباني).
فكيف بإبادة عشرات الآلاف وتدمير حاضنة سنية كاملة؟ إن القاعدة الشرعية تنص على أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، فكيف إذا كانت المفاسد قَطْعِيَّةً ومحتمة -قتل، دمار، تهجير-، والمصالح مَظْنُونَةً ومعنوية -تغير رأي عام، تعاطف؟!-.
ثانيا:
قول الكاتب: (نعم، خسرنا عشرات الآلاف… لكن أطفالا جددا ولدوا أيضا) هو تبرير عاطفي لا يستقيم شَرْعًا ولا عَقْلًا.
هل ولادة طفل تعوض فقدان أبيه وأمه وتدمير مستقبله ويتمه؟ الشريعة جاءت بحفظ النفوس الموجودة، ولا يجوز التفريط فيها والمقامرة بها بحجة أن الأرحام ستدفع بغيرهم -كما هرف أبو زهري أنهم سيعيدون إنتاجهم! كأنهم طوب-.
هذا تسويغ للكارثة بعواطف تغيب العقل والحكمة.
ثالثا:
الاحتفاء بتغير الرأي العام الأمريكي أو الأوروبي، أو بقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة، هو تعلق بوهم.
فماذا نفع غزة تعاطف الشعوب إذا كانت الحكومات الغربية ما زالت تمد العدو بالسلاح الذي يمزق أجساد الأطفال؟ إن التعويل على أن طَالِبًا جَامِعِيًّا غَرْبِيًّا سيصبح وَزِيرًا بعد عشرين سنة، هو استراتيجية بائسة تضحي بالجيل الحاضر كله من أجل سراب مستقبلي لا نملكه، ولا ضمانة لثباته أصلا.
رابعا:
الكاتب يتحدث عن أثر استراتيجي عميق على إسرائيل، ويتجاهل الأثر الاستراتيجي المدمر على غزة وفلسطين.
غزة اليوم دمرت بنيتها التحتية تَمَامًا، وهجر أهلها، واحتلت محاورها، وفتح الباب لتهويد ما تبقى.
التغير الاستراتيجي الحقيقي والمؤلم هو أن العدو استغل هذه الكارثة لتنفيذ مخططات التهجير والإبادة التي كان يحلم بها، وأعاد القضية خطوات شاسعة إلى الوراء.
خامسا:
الشرعية لا تكتسب بتقديم آلاف الضحايا قرابين لاستعطاف العالم وكسر حاجز الصمت.
النصر في ميزان الشرع يكون بحفظ الدين والنفس والعرض والمال، وإعداد القوة المستطاعة والمكافئة للعدو.
قال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} الأنفال/ ٦٠.
والإعداد يعني امتلاك أسباب المواجهة الحقيقية، لا أن يزج بالأمة العزلاء في معركة غير متكافئة تهلك الحرث والنسل.
وأخيرًا:
مقال الدكتور بكار يمثل محاولة لتسكين الآلام بالأوهام، وتصوير الكارثة المحققة على أنها نصر استراتيجي مؤجل.
وما كتبناه في #كارثة_الطوفان هو صرخة نذير للحفاظ على ما تبقى من دماء المسلمين، ودعوة للرجوع إلى ميزان الشرع والعقل، ورفض لترويج الهزائم والمآسي تحت مسميات براقة.
والله أعلم
✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي
٢ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ – ١٥ آب ٢٠٢٦ م

