سوء استعمال قول ابن القيم “التمسك بالسنة يكفر الكبائر” .

السؤال

ينتشر بكثرة نقل عن ابن القيم رحمه الله يقول فيه: “فساق أهل السنة أولياء الله… والتمسك بالسنة يكفر الكبائر، كما أن مخالفة السنة تحبط الحسنات…”، ويستدل به كثيرون -وفيهم من ينتسب إلى العلم- على أن العقيدة الصحيحة تغني عن التوبة من الكبائر، وأن الفسق مع سلامة الاعتقاد لا يضر. فما التحقيق العلمي في هذا النقل؟

الجواب

هذا النقل صحيح النسبة إلى ابن القيم رحمه الله، لكن الاستدلال به على هذا المعنى قلب لمراد المؤلف إلى ضده تمامًا، وبيان ذلك من أوجه:

الوجه الأول: تحديد الموضع بدقة:

النص ثابت في “إعلام الموقعين عن رب العالمين” لابن القيم (جـ٤/٢٩١ ط. عطاءات العلم، وجـ٥/٢٩٥ بتحقيق مشهور آل سلمان).

وهذا التحديد مهم لأن النص يتداول أحيانًا بلا عزو دقيق، أو ينسب خطأً للإمام أحمد وحده، مع أن ابن القيم أورده في سياقه الخاص به.

الوجه الثاني: السياق الذي يقلب المعنى:

هذا المقطع ورد في فصل يتحدث فيه ابن القيم عن حيَل أهل الباطل في استدراج الناس.

يقول قبيل هذا النص مباشرة: إن دعاة البدعة يحاولون أوّلًا جذب الشخص إلى بدعتهم بتزيين الزهد والعبادة له، “فإن أعجزتهم هذه الحيلة، ومن الله على العبد بتحكيم السنة ومعرفتها والتمييز بينها وبين البدعة، ألقوه في الكبائر، وزينوا له فعلها بكل طريق، وقالوا له: أنت على السنة، وفساق أهل السنة أولياء الله…” إلى آخر العبارات المشهورة.

فهذه العبارات إذن محكية على لسان من يريد إغواء صاحب السنة الصحيح، وليست تقريرًا عقديًّا مستقلًّا من ابن القيم يستدل به.

الوجه الثالث: تصريح ابن القيم نفسه بحكم هذا الكلام

والدليل القاطع الذي لا يحتمل تأويلًا:

فابن القيم يعقب على هذه العبارات بعينها بقوله مباشرة بعد ذكرها: “وأمثال هذا من الحق الذي يجعلونه وصلةً لهم، وحيلةً إلى الاستهانة بالكبائر، وأخذه الأمن لنفسه”.

فهو رحمه الله يصرح بلسانه أن هذا الكلام أصله حق -لهذا سماه “من الحق”-، إلا أن أهل الفساد يحولونه إلى وُصلة وحيلة يسوّغون بها لصاحب السنة الاستهانة بالذنوب والأمن الكاذب من العقاب.

فهذا نص صريح من المؤلف نفسه في الحكم على هذا الاستعمال بالذات، لا استنباط من القارئ.

الوجه الرابع: موافقة هذا الفهم لأصول أهل السنة المقررة:

هذا الفهم هو الموافق لأصل عقدي ثابت عند أهل السنة والجماعة، ومنهم الإمام أحمد نفسه في عقيدته المشهورة: أن مرتكب الكبيرة تحت مشيئة الله، لا يغفر له بمجرد سلامة عقيدته دون توبة أو أسباب مكفرة أخرى، خلافًا للمرجئة الذين لا يضر عندهم مع الإيمان ذنب.

فحمل كلام ابن القيم على أن العقيدة الصحيحة تسقط أثر الكبائر تلقائيًّا يجعل كلامه موافقًا لعقيدة المرجئة التي حاربها هو وأئمة السنة، وهذا تناقض بين يدل على فساد هذا الفهم من أصله.

الوجه الخامس: تنبيه منهجي:

هذا مثال دقيق على خطر اجتزاء النص من سياقه؛ فقارئ العبارة وحدها، منفصلة عما قبلها وما بعدها، يخرج بمعنى معاكس تمامًا لمراد المؤلف.

وهذا يوجب على ناقل النصوص من كتب التراث -ولاسيما ما يتداول على وسائل التواصل منها- الرجوع إلى موضع النص كاملًا قبل الاستدلال به، لا الاكتفاء بما يتداوله الناس مقتطعًا.

وعليه:

من استدل بهذا النقل على أن فسق أهل السنة لا يضر ما دامت عقيدتهم سليمة، أو أن التمسك بالسنة يغني عن التوبة من الكبائر، فقد وقع بعينه فيما حذر منه ابن القيم: اتخاذ هذا الحق وصلة وحيلة للاستهانة بالكبائر، وهو استعمال للنص في عكس ما أراده مؤلفه تمامًا.

والله أعلم

 

✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي

١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ – ٢٥ أيلول ٢٠٢٦

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة