حديث المعراج، مِيزَان فَارِق بين عقيدة السلف الصالح وبين عقائد المحرّفة.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
حديث المعراج من أعظم أدلة أهل السنة والجماعة في تقرير أصول الاعتقاد، وهو حجة قاطعة على طوائف المبتدعة من المحرّفة والمعطلة.
وفي هذا المنشور، نسلط الضوء على دلالات هذا الحديث العظيم عَقَدِيًّا وفِقْهِيًّا، انطلاقا من تقريرات رحمهم الله.
أولا:
عظم شأن ركن الصلاة:
من خصائص الصلاة أنها فرضت ليلة المعراج، في تلك الرحلة العظيمة، مكالمةً منه لنبيه صلى الله عليه وسلم، دون واسطة ملَك، بخلاف سائر شرائع الإسلام التي كان فرضها بواسطة الوحي على الأرض.
وهذا يدل دلالةً صريحةً على عظم قدرها، وأنها صلة مباشرة بين العبد وربه. وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم هذه المراجعة بقوله: “فَفَرَضَ اللَّهُ عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلَاةً، فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ، حَتَّى مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى” أخرجه البخاري ومسلم.
واستمرت المراجعة حتى خُففت إلى خمس صلوات بأجر خمسين، مما يثبت مكانتها العظيمة والمحورية في دين الإسلام.
ثانيا:
إثبات صفة العلو والرد على المحرفة:
حديث المعراج من أصرح الأدلة على علو الله تعالى على خلقه، وعلوه الذاتي فوق عرشه.
فقد عُرج بالنبي صلى الله عليه وسلم من سماء إلى سماء حتى بلغ سدرة المنتهى، ودنا من ربه جل وعلا.
ولو كان الله “في كل مكان بذاته” كما تزعم الحلولية، أو “لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصلا به ولا منفصلا عنه” كما تزعم المعطلة؛ لكان العروج والنبي صلى الله عليه وسلم في الأرض سواءً، ولما كان هناك معنى للصعود وقطع السماوات السبع.
فالعروج بالنبي ﷺ إلى السماوات، ثم بلوغه سدرة المنتهى، وما جاء في النصوص من ذكر علو الله تعالى واستوائه على عرشه، كل ذلك من جملة النصوص التي استدل بها أهل السنة على إثبات العلو، مع نفي مماثلة الله تعالى لخلقه.
= قال الإمام قتيبة بن سعيد -توفي ٢٤٠ هـ-:
هذا قول الأئمة في الإسلام، وأهل السنة والجماعة: نعرف ربنا -عزَّ وجلَّ- في السماء السابعة على عرشه، كما قال: الرحمن على العرش استوى.
انتهى من “العلو للعلي الغفار” للذهبي (ص ١٧٤)، وعلّق عليه بقوله:
فهذا قتيبة في إمامته وصدقه قد نقل الإجماع على المسألة، وقد لقي مالكا والليث وحماد بن زيد والكبار، وعمّر دهرا، وازدحم الحفاظ على بابه.
انتهى
وأثر الإمام قتيبة بن سعيد أثر صحيح ثابت عنه، مروي بأسانيد متصلة صحيحة لا مطعن فيها، وقد حاول بعض أهل التحريف الطعن فيه، ولم يأت إلا ببتر وتدليس يخجل منه طالب العلم.
= وقال الإمامان أبو زرعة -توفي ٢٦٤هـ- وأبو حاتم -٢٧٧- الرازيّان:
أدركنا العلماء في جميع الأمصار –حجازا وعراقا ويمنا– فكان مذهبهم أن الله على عرشه، بائن من خلقه، كما وصف نفسه، بلا كيف، أحاط بكل شيء علمًا.
انتهى من “شرح أصول إعتقاد أهل السنة والجماعة” للإمام اللالكائي (١/ ١٩٨).
= وقال الإمام عثمان بن سعيد الدارمي – توفي ٢٨٠ هـ- في رده على بشر المرّيسي:
اتفقت الكلمة من المسلمين أن الله تعالى فوق عرشه، فوق سماواته.
انتهى
وعلق عليه الذهبي بقوله:
كان عثمان الدارمي جذعا في أعين المبتدعة.
” سير أعلام النبلاء” (١٣/ ٣٢٢).
ثالثا:
إثبات صفة الكلام والرد على من زعم أنه نفسي أو أزلي:
في حديث المعراج دلالة قاطعة على أن الله يتكلم متى شاء، وإذا شاء، وبما شاء.
والمراجعة بين الله تعالى ونبيه صلى الله عليه وسلم، حيث يذهب إلى موسى ثم يرجع إلى ربه فيقول: “يَا رَبِّ خَفِّفْ عَنْ أُمَّتِي” أخرجه البخاري ومسلم، فيجيبه الله ويضع عنه شطرها أو خمسا منها؛ يبطل مذهب من قال إن كلام الله هو الكلام النفسي المجرد أو أنه معنى أزلي واحد لا يتجزأ.
فالمراجعة تقتضي كلامًا يتبع كلامًا، ومخاطبةً تتجدد بحسب سؤال السائل. ولو كان كلامًا نَفْسِيًّا أَزَلِيًّا لم يُتصور فيه التخفيف بعد الفرض، ولا المراجعة المتكررة.
وقد أسمع الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم كلامَه في ذلك المقام العظيم،
والخالق جل جلاله يُسمع من يشاء كلامَه، ويخاطب من يشاء، بكيفية تليق بجلاله وعظمته، لا ندرك كنهها ولكن نؤمن بحقيقتها إِيمَانًا جَازِمًا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -توفي ٧٢٨ هـ-:
فإن الله كلم موسى وأمره بلا واسطة، وكذلك كلم محمدًا صلى الله عليه وسلم وأمره ليلة المعراج، وكذلك كلم آدم وأمره بلا واسطة، وهي أوامر دينية شرعية.
انتهى من “مجموع الفتاوى” (٢/ ٣٢٠).
رابعا:
الختام والخلاصة النافعة:
١. يتبين من حديث المعراج جملة من الدلالات العظيمة في أبواب الاعتقاد والعبادة، ومن أبرزها عظم شأن الصلاة، وفضلها، وخصوصية فرضها في ليلة المعراج، وما اشتمل عليه الحديث من خطاب الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم.
٢. كما أن ما ورد في حديث المعراج من العروج بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى السماوات، وما جاء في سائر نصوص الكتاب والسنة من إثبات علو الله تعالى واستوائه على عرشه، يؤكد ما كان عليه السلف الصالح من إثبات ما أثبته الله لنفسه، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.
٣. وكذلك يدل الحديث على تكليم الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم، وعلى أن الله تعالى يتكلم بما شاء إذا شاء، على الوجه اللائق بجلاله وعظمته، كما دلت على ذلك نصوص الوحي الأخرى.
٤. فحديث المعراج ليس مجرد قصة تتعلق بفرض الصلاة، بل هو حديث عظيم اشتمل على جملة من مسائل الاعتقاد والعبادة، ولا سيما عظم الصلاة، وإثبات تكليم الله تعالى لأنبيائه، وما يتصل بذلك من أبواب الصفات.
٥. والواجب في جميع ذلك أن يثبت المسلم ما ثبت في الكتاب والسنة، على طريقة السلف الصالح، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.
والله أعلم

