التعليق على فتوى الشيخ العثيمين -رحمه الله- في علاج “الحزا” بقراءة {فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ}
السؤال
انتشر مقطع للشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى حول علاج الحزاز أو البثور أو القروح التي تكون في بعض أجزاء البدن، وأنه يجاب بكتابة قوله تعالى: {فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ} البقرة/ ٢٦٦ عليها لتزول، وأنها لو وضع عليها كل دواء لم ينفع إلا هذه الآية. فما التوجيه العلمي المحرر لهذه الفتوى؟
الجواب
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رَحْمَةً للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن للشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله مَقَامًا عَظِيمًا في العلم والدين، ولكن العصمة للوحيين، والحق أحق أن يتبع.
وبعد النظر والتأمل في الفتوى المذكورة، وفيما ذهب إليه من قبلُ شيخ الإسلام ابن تيمية والإمامُ ابن القيم -رحمهما الله- في مسائل مشابهة، يتبين أن هذا العلاج بهذه الصورة مرجوح، ولا يجوز العمل به؛ لأسباب ومآخذ علمية متينة نسوقها مُفَصَّلَةً:
الوجه الأول:
فيها إخراج الآية عن سياقها ومعناها المراد، وهذا من أهم أسباب المنع؛ إذ إن جعل هذه الآية عِلَاجًا للحزاز فيه صرف لمعناها عن السياق الذي أنزلها الله تعالى من أجله.
فالآية تضرب مَثَلًا بَلِيغًا لمن أبطل حسناته بالسيئات، ولا علاقة لها عِلْمِيًّا ولا شَرْعِيًّا بعلاج البثور والقروح.
وقد روى الإمام البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير هذه الآية أنها: “ضُرِبَتْ مَثَلًا لِعَمَلٍ… لِرَجُلٍ غَنِيٍّ يَعْمَلُ بِطَاعَةِ اللَّهِ، ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ لَهُ الشَّيْطَانَ فَعَمِلَ بِالْمَعَاصِي حَتَّى أَغْرَقَ أَعْمَالَهُ” رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وقال ابن كثير -رحمه الله-: إن فيها تَمْثِيلًا لمن أحسن العمل ثم انعكس سيره فأبطل بمعاصيه ما أسلفه من صالح عمله.
انتهى
والقياس على نظائرها يكشف حجم الإشكال؛ فقد سبق هذا الصنيع كَلَامٌ مَنْسُوبٌ لابن تيمية في قراءة {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي} هود/ ٤٤ لوقف نزيف الأنف، وكتابة {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا} الزلزلة/ ١ على بطن الحامل لتسهيل الولادة.
بل وصل الأمر ببعضهم إلى قراءة آية الزلزلة -مع تكرار كلمة {أَشْتَاتًا}- لفتح إشارة المرور في الازدحام الشديد.
وهذا المسلك يفتح بَابًا وَاسِعًا للعبث بكتاب الله وتنزيل آياته على غير مرادها.
الوجه الثاني:
جعل “الكتابة” محل العلاج بدلا من “القراءة” المشروعة، فالعلاج الثابت في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم هو القراءة والنفث، لا الكتابة على الجسد.
والله سبحانه لم يجعل الأوراق ولا الكتابة هي محل الشفاء، بل جعله في الرقية المتلوة.
ولذلك؛ لو عُلِّق المصحف كَامِلًا في رقبة مريض لم يستفد منه شَيْئًا.
وقد سئل الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله- عن كتابة الآيات لعلاج المريض فأجاب:
“كِتَابَةُ الْآيَاتِ لِعِلَاجِ الْمَرِيضِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ، وَلَا تُعَلَّقُ عَلَيْهِ، وَلَا تُكْتَبُ عَلَى جَسَدِهِ، كُلُّ هَذَا غَيْرُ مَشْرُوعٍ، إِنَّمَا الْمَشْرُوعُ أَنْ يُقْرَأَ عَلَيْهِ وَأَنْ يُنْفَثَ عَلَيْهِ وَيُدْعَى لَهُ بِالشِّفَاءِ وَالْعَافِيَةِ” من فتاوى الشيخ ابن باز.
الوجه الثالث:
وهو أهمية التفريق بين”المحو” و” الكتابة” على الجسد، فقد يحتج بعضهم بآثار وردت عن ابن عباس -رضي الله عنهما- والإمام أحمد -رحمه الله- في جواز كتابة الآيات وغسلها وسقي المريض من مائها، وهو ما يسمى” المحو”.
وهذا استدلال غلط وقياس مع الفارق؛ لأن المحو يكتب في إناء طاهر ثم يغسل فَوْرًا، مما يبعده عن مظان الامتهان.
أما بقاء الآيات مكتوبة على بدن المريض فيعرضها للامتهان باختلاطها بالعرق والنجاسات، وقد يضطر المريض لدخول دورات المياه والآيات مكتوبة على جسده، وهذا ينافي وجوب تعظيم كلام الله تعالى.
بل إن مسألة “المحو” ذاتها تحفّظ فيها بعض الباحثين -كالدكتور ناصر الجديع في كتابه “التبرك،أنواعه وأحكامه”- لعدم وجود دليل مرفوع فيها.
مع التنبيه على أنه يُشترط -عندكن يقول بالجواز أن تُكتب الآيات بمادة طاهرة ومباحة -مثل الزعفران، أو ماء الورد، ونحوها مما لا يضر-، ولا يجوز -مطلقا- الكتابة بالنجاسات كالدماء، ولا بالمواد المحرمة أو السامة الضارة بصحة المريض.
وأنه يجب احترام الماء الذي غُسلت به الآيات -الغُسالة-، فلا يجوز التخلص منه بسكبه في المجاري، أو دورات المياه، أو الأماكن المستقذرة، بل إما أن يُشرب، أو يُراق في مكان طاهر كتراب نظيف ونحوه تعظيما لكلام الله تعالى.
وقد نصت آثار السلف بوضوح على قيد الغسل والمحو -كما جاء في الأثر:”ثم يُغسل”.
وهذا يعني أن إبقاء الآيات مكتوبة لم يكن من عملهم قط، بل اشترطوا إزالة المكتوب ومحوه بالماء، مما يبعد كلام الله عن أي فرصة للامتهان.
كما أن الغاية التي حددها السلف في الآثار هي شرب المريض للماء الذي مُحيت فيه الآيات -كما ورد:”وتسقى منه”، وليس التبرك بمجرد الكتابة أو تعليقها.
الوجه الرابع:
قول الشيخ العثيمين -رحمه الله- بإنكار وجود دواء مادي نافع لعلاج التقرحات فيه مخالفة للسنة النبوية.
ومما يستدرك على الفتوى المذكورة قول الشيخ -رحمه الله- إن هذه القروح لو وضع عليها كل دواء لم ينفعها إلا كتابة هذه الآية.
وهذا إطلاق لا ينبغي؛ فقد ثبت في الحديث: “مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً” رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه.
والأمراض الجلدية ثبت لها عِلَاجٌ مَادِّيٌّ نَافِعٌ بالتجارب الطبية المحققة، فلا ينبغي نفي التداوي المباح وحصر الشفاء في طريقة غير مشروعة، بل الصواب هو الجمع بين الأخذ بالأسباب الطبية المباحة والرقية الشرعية.
الوجه الخامس:
الاحتجاج بالتجربة يكون صَحِيحًا في مسار الطب المادي المبني على الأسباب الطبيعية الحسية.
أما الرقية بالقرآن فهي عبادة توقيفية من الطب الروحاني، والأصل في العبادات الاتباع لا الابتداع. وحصول الشفاء بَعْدَ فِعْلٍ مُحْدَثٍ لا يعني مَشْرُوعِيَّتَهُ شَرْعًا؛ فقد يكون ذلك قَضَاءً وَقَدَرًا، أو من باب الاستدراج.
وقد رد الشيخ عبد الرحمن البراك على ما نقل عن ابن القيم من استحسان ترديد: “يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت، برحمتك أستغيث” وأن من فعل ذلك أربعين مرة بين سنّة الفجر وصلاته: حصلت له حياة القلب، ولم يَمُتْ قلبُه!، مبينا أن الشرائع لا تثبت بالتجربة والاستحسان، وأن تخصيص الذكر بعدد وزمان يحتاج إلى دليل شرعي من السنة.
ونص كلام الشيخ -حفظه الله-:
وأما تعيينُ ثواب للتَّوسل بهما وتعيينُ زمان وعدد فهذا يحتاج إلى دليل عن الصَّادق المصدوق المعصوم صلَّى الله عليه وسلَّم، قال تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [النساء: 59].
والشرائع لا تثبت بالتَّجربة ولا بالاستحسان، بل بنصٍّ مِن كتاب أو سنَّة، ومَن جرَّب شيئًا مِن الأدعية الصَّحيحة وانتفعَ به في دينه أو دنياه فذلك مِن فضل الله، ولا بأس أن يتحرَّاه ويدعو به، لكن لا يدَّعي أنَّه واجبٌ أو مستحبٌّ أو أنَّه سنَّة، فيدعو إليه ويرغِّبُ غيرَه فيه، ولعلَّ ما حصل مِن أحوال باطنة في قلبه لم تكن بسبب هذا التَّوسّل وحده، بل لِمَا قامَ بالقلب مِن صدق التَّوجه واللَّجأ، لذلك لا أرى ما ذهبَ إليه شيخُ الإسلام وابنُ القيم -رحمهما الله- مِن خصوصية هذا التَّوسل زمانًا وعددًا، وإنَّما يدعو به المسلم كما يشاء، دون تقييد بزمان ولا عدد، نسأله تعالى أن يحيي قلوبنا بالعلم والإيمان، والله أعلم.
انتهى من فتوى رقم (٧٨٨٨) من موقع الشيخ عبد الرحمن البراك.
الوجه السادس:
بناء على ما سبق، فإن تخصيص آية بعينها لعلة جسدية معينة، مع اعتقاد خاصية شفائية فيها دون دليل، والتزام ذلك والمداومة عليه، يعد من قبيل “البدعة الإضافية”.
فكل تخصيص لم يرد به النص النبوي واعتمد فيه على التجربة، أو زعم أن فيه سِرًّا خَفِيًّا فهو محدث.
قال الشيخ أحمد بن عبد الله بن محمد آل عبد الكريم -حفظه الله-:
“الوجه الثالث: أن البدعة الإضافية قد تدخل في هذا الباب من جهة تخصيص آيات وسور معينة لعلل وأمراض معينة، واعتقاد أن لها خواصَّ وأسراراً في الشفاء من تلك العلل والأمراض، مع التزام ذلك والمداومة عليه.
ولا ريب أن هذا التخصيص والالتزام لا دليل عليه من الشرع؛ وقد سبق تقرير أن كل عمل تعبدي -كالتداوي بالقرآن- لم يقم دليل على تخصيصه بوقت، أو عدد، أو هيئة، أو مكان، فإن تخصيصه والتزامه يعد من البدع الإضافية”.
” البدع العملية المتعلقة بالقرآن الكريم ” (ص٥٣).
وهو كتاب نفيس جدّا، من إصدارات مكتبة دار المنهاج للنشر والتوزيع بالرياض.
وعليه:
فالتداوي بكتابة الآيات على الأبدان لا يجوز للأسباب المجتمعة المذكورة.
والواجب الاقتصار على الرقية الشرعية الثابتة.
والشيخ العثيمين -رحمه الله- مجتهد مأجور، وقد قلد من سبقه من الأئمة كابن تيمية وابن القيم، ولا يقدح هذا أبَدًا في جلالة قدره وإمامته، لكن الحق أحق أن يتبع بالدليل، وهذا هو منهج أهل السنة في التعامل مع اجتهادات علمائهم.
والله أعلم
✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي
٣ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ – ١٦ / ٨ / ٢٠٢٦ م


