رمضان والعمل الصالح

رمضان والعمل الصالح.

دخول رمضان فرصة عظيمة للعابدين لاستغلال نهاره بالصيام والعلم والتعليم ، وليله بالإطعام والصلاة والدعاء ، ومن كان يومه كأمسه فهو مغبون ، وكذا من كان رمضان عنده كشعبان فهو مغبون ، فينبغي أن يستغل المسلم هذا الشهر المبارك للعمل الصالح وليكون فيه أفضل مما كان قبله ، وليكون بعده أفضل مما كان فيه ، وقد كان حال بعض السلف في العبادة عظيماً سواء دخل عليهم رمضان أو لم يدخل .
قال حماد بن سلمة : ما أتينا سليمان التيمي في ساعة يطاع الله فيها إلا وجدناه مطيعاً ، إن كان في ساعة صلاة وجدناه مصليا ، وإن لم تكن ساعة صلاة وجدناه إما متوضئا ، أو عائدا مريضا ، أو مشيعا لجنازة ، أو قاعدا في المسجد ، وكنا نرى أنه لا يحسن يعصي الله .
وقد تنوعت العبادات والأعمال الصالحة في هذا الشهر العظيم والتي كان يقوم بها نبينا صلى الله عليه وسلم وتبعه عليه أصحابه ومن مشى على نهجهم .
صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فقال: آمين، آمين، آمين، فقلنا: يا رسول الله، إنك صعدت المنبر فقلت: آمين، آمين، آمين!!، فقال صلى الله عليه وسلم : إن جبريل عليه السلام أتاني، فقال: من أدرك شهر رمضان فلم يغفر له، فدخل النار فأبعده الله، قل: آمين، قلت: آمين .
ومن هذه الأعمال :
1. قيام الليل
عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” مَن قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ” .
رواه البخاري ( 37 ) ومسلم ( 759 ) .
وعن أبي ذر قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ” إن الرجل إذا قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة ” .
رواه الترمذي ( 806 ) وقال : حسن صحيح ، والنسائي ( 1364 ) وأبو داود ( 1375 ) وابن ماجه ( 1327 ) .
وكانت امرأة حبيب أبي محمد تقول له بالليل : قد ذهب الليل وبين أيدينا طريق بعيد ، وزادنا قليل ، وقوافل الصالحين قد سارت قدَّامنا ، ونحن قد بقينا .
قال محمد بن المنكدر : إني لأدخل في الليل فيهولني ، فأصبح حين أصبح وما قضيت منه أربي .
وعن ابن جريج صحبت عطاء – وهو ابن أبي رباح – ثماني عشرة سنة ، وكان بَعد ما كبر وضعف يقوم إلى الصلاة فيقرأ مئتي آية من البقرة وهو قائم لا يزول منه شيء ولا يتحرك .
2. الدعاء
وقد كان مجيء قوله تعالى { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون } بين آيات الصيام دليلاً واضحاً على أهمية هذه العبادة في هذا الشهر .
والدعاء هو العبادة ، وهو يدل على افتقار العبد إلى ربه وحاجته إليه في كل حال ، وقد سمَّاه الله تعالى عبادة في قوله : { وقال ربكم ادعونني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين } [ غافر / 60 ] .
دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد ذات يوم فإذا هو برجل من الأنصار يقال له: أبو أمامة، فقال: يا أبا أمامة، ما لي أراك جالسًا في المسجد في غير وقت الصلاة؟! قال: هموم لزمتني، وديون يا رسول الله، قال: أفلا أعلمك كلامًا إذا قلته أذهب الله همك، وقضى عنك دينك؟‍ قال: بلى يا رسول الله، قال: قل إذا أصبحت وإذا أمسيت: اللهم إني أعوذ بك من الهَمّ والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال ، قال أبو أمامة: ففعلت ذلك فأذهب الله همي، وقضى عني ديني. رواه أبو داود .
وعند أحمد والترمذي أن عليًا رضي الله عنه جاءه مكاتَب يشكو إليه دينا عليه، فقال علي رضي الله عنه: ألا أعلمك كلمات علمنيهن رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كان عليك مثل جبلٍ ديناً أداه الله عنك؟ قل: اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمن سواك ، قال الترمذي: “حديث حسن .
3. الاعتكاف
عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان .
رواه البخاري ( 1921 ) ومسلم ( 1171 ) .
قال ابن القيم رحمه الله – مبيِّناً بعض الحِكَم من الاعتكاف – :
لما كان صلاح القلب واستقامته على طريق سيره إلى الله تعالى متوقفاً على جمعيته على الله ، ولمِّ شعثه بإقباله بالكلية على الله تعالى ؛ فإن شعث القلب لا يلمه إلا الإقبال على الله تعالى ، وكان فضول الطعام والشراب ، وفضول مخالطة الأنام ، وفضول الكلام ، وفضول المنام ؛ مما يزيده شعثاً ويشتته في كل واد ، ويقطعه عن سيره إلى الله تعالى أو يضعفه ، اقتضت رحمة العزيز الرحيم بعباده أن شرع لهم من الصوم ما يذهب فضول الطعام والشراب ويستفرغ من القلب أخلاط الشهوات المعوقة عن سيره إلى الله ، وشرع لهم الاعتكاف الذي مقصودة وروحه عكوف القلب على الله تعالى ، والخلوة به ، والانقطاع عن الاشتغال بالخلق ، والاشتغال به وحده ، بحيث يصير ذكره وحبه والإقبال عليه في محل هموم القلب وخطراته فيستولي عليه بدلها ….
” زاد المعاد ” ( 2 / 86 ، 87 ) .
4. الجود وقراءة القرآن
وعن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة .
رواه البخاري ( 6 ) ومسلم ( 2308 ) .
قال النبي صلى الله عليه وسلم : ” الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة ، يقول الصيام : أي رب منعتُه الطعام والشهوة فشفِّعني فيه ، ويقول القرآن : منعتُه النوم بالليل فشفِّعني فيه ، قال : فيُشفَّعان ” .
رواه أحمد ( 6589 ) بسند صحيح .
شهر رمضان هو شهر القرآن فينبغي أن يكثر العبد المسلم من قراءته ، وقد كان حال السلف العناية بكتاب الله ، فكان جبريل يدارس النبي صلى الله عليه وسلم القرآن في رمضان ، وكان عثمان بن عفان – رضي الله عنه – يختم القرآن كل يوم مرة ، وكان بعض السلف يختم في قيام رمضان في كل ثلاث ليال ، وبعضهم في كل سبع ، وبعضهم في كل عشر ، فكانوا يقرءون القرآن في الصلاة وفي غيرها ، فكان للشافعي في رمضان ستون ختمه ، يقرؤها في غير الصلاة ، وكان الأسود يقرأ القرآن كل ليلتين في رمضان .
وقال ابن عبد الحكم : كان مالك إذا دخل رمضان ترك قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم ، وأقبل على تلاوة القرآن من المصحف.
وقال عبد الرزاق: كان سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة وأقبل على تلاوة القرآن.
وكان الزهري إذا دخل رمضان يفر من الحديث ومجالسة أهل العلم ويقبل على تلاوة القرآن من المصحف .
قال ابن رجب : إنما ورد النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث على المداومة على ذلك ، فأما في الأوقات المفضلة كشهر رمضان خصوصاً الليالي التي يطلب فيها ليلة القدر ، أو في الأماكن المفضلة كمكة لمن دخلها من غير أهلها فيستحب الإكثار فيها من تلاوة القرآن اغتناماً لفضيلة الزمان والمكان .
قال عبد الله بن مسعود : إن هذا القرآن مأدبة الله فتعلموا من مأدبته ما استطعتم ، إن هذا القرآن حبل الله ، وهو النور والشفاء النافع لمن تمسك به، ونجاة لمن اتبعه ، وقال بعض السلف الصالح : ما جالس أحدٌ القرآن فقام سالماً : إما له ، وإما عليه ، وقال أبو موسى الأشعري : إن هذا القرآن كائن لكم أجراً وكائن عليكم وزراً فاتبعوا القرآن ولا يتبعكم ، فإنه من اتبع القرآن هبط به رياض الجنة ومن اتبعه القرآن قذف به في النار والعياذ .
5. العمرة في رمضان
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لامرأة من الأنصار : ما منعك أن تحجين معنا ؟ قالت : كان لنا ناضح فركبه أبو فلان وابنه – لزوجها وابنها – وترك ناضحاً ننضح عليه ، قال : فإذا كان رمضان اعتمري فيه ؛ فإن عمرة في رمضان حجةً .
رواه البخاري ( 1690 ) ومسلم ( 1256 ) .
6. ترك الغيبة والنميمة والمعاصي
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” مَن لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ” .
رواه البخاري ( 1804 ) .
وكان السلف إذا صاموا جلسوا في المساجد، وقالوا: نحفظ صومنا ولا نغتاب أحداً .
والصيام فرصة لترك الدخان والصحبة الفاسدة والسهر على المعصية وذلك حين يمتنع عن الطعام والشراب وسهره في بيوت الله تعالى في صلاة وعبادة .
قال بعض السلف: “طوبى لمن ترك شهوة حاضرة، لموعد غيب لم يره”.
وقال ابن رجب رحمه الله: “لما علم المؤمن الصائم أن رضا مولاه، في ترك شهواته، قدم رضا مولاه على هواه، وصارت لذاته في ترك شهواته لله؛ لإيمانه باطلاع الله عليه، وثوابه وعقابه أعظم من لذته في تناولها في الخلوة، إيثاراً لرضا ربه على هوى نفسه.
بل المؤمن يكره ذلك في خلوته أكثر من كراهيته لألم الضرب، ولهذا أكثر المؤمنين لو ضرب على أن يفطر في شهر رمضان لغير عذر لم يفعل لعلمه بكراهة الله لفطره في هذا الشهر، وهذا من علامات الإيمان؛ أن يكره المؤمن ما يلائمه من شهواته، إذا علم أن الله يكرهه، فتصير لذته فيما يرضي مولاه، وإن كان مخالفاً لهواه، ويكون ألمه فيما يكرهه مولاه، وإن كان موافقاً لهواه.
وإذا كان هذا فيما حُرِّم لعارض الصوم، من الطعام والشراب ومباشرة النساء، فينبغي أن يتأكد ذلك فيما حرم على الإطلاق، كالزنا وشرب الخمر، وأخذ الأموال والأعراض بغير حق، وسفك الدماء المحرمة، فإن هذا يسخط الله على كل حال، وفي كل زمان ومكان”.اهـ.
وقال جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه: إذا صُمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم، ودع أذى الجار، وليكن عليك وقار وسكينة، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء .
7. إطعام الطعام
قال الله تعالى : { ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً . إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكوراً إنا نخاف من ربنا يوماً عبوساً قمطريراً فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرةً وسروراً وجزاهم بما صبروا جنةً وحريراً } [ الإنسان 8 – 12 ] .
عن زيد بن خالد الجهني قال : قال صلى الله عليه وسلم : ” مَن فطَّر صائماً كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء ” .
رواه الترمذي ( 807 ) وابن ماجه ( 1746 ) ، وصححه الألباني .
والأجر الذي للمفطِّر إنما هو لمن أشبع لا لمن ابتدأ بالإطعام ، فليس من قدَّم تمرة كمن ذبح شاة وأطعم خبزاً .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية :
والمراد بتفطيره : أن يُشبعه .
” الفتاوى الكبرى ” ( 4 / 460 ) .
وقد كان السلف الصالح يحرصون على إطعام الطعام ويقدمونه على كثير من العبادات .
وقد قال بعض السلف : لأن أدعو عشرة من أصحابي فأطعمهم طعاماً يشتهونه أحب إلي من أن أعتق عشرة من ولد إسماعيل .

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

ابقَ على إتصال

2,282المشجعينمثل
28,156أتباعتابع
12,800المشتركينالاشتراك

مقالات ذات صلة