مائدة الإفطار
أ. التفطير
عن زيد بن خالد الجهني قال : قال صلى الله عليه وسلم : ” مَن فطَّر صائماً كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء ” .
رواه الترمذي ( 807 ) وابن ماجه ( 1746 ) .
وصححه ابن حبان ( 8 / 216 ) والألباني في ” صحيح الجامع ” ( 6415 ) .
وقد كان السلف الصالح يحرصون على إطعام الطعام ويقدمونه على كثير من العبادات .
وقد قال بعض السلف : لأن أدعو عشرة من أصحابي فأطعمهم طعاماً يشتهونه أحب إلي من أن أعتق عشرة من ولد إسماعيل .
وكان كثير من السلف يؤثر بفطوره وهو صائم ، منهم عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – وداود الطائي ومالك بن دينار ، وأحمد بن حنبل ، وكان ابن عمر لا يفطر إلا مع اليتامى والمساكين .
وكان من السلف من يطعم إخوانه الطعام وهو صائم ويجلس يخدمهم ويروحهم ، منهم الحسن وابن المبارك .
قال أبو السوار العدوي : كان رجال من بني عدي يصلون في هذا المسجد ما أفطر أحد منهم على طعام قط وحده ، إن وجد من يأكل معه أكل وإلا أخرج طعامه إلى المسجد فأكله مع الناس وأكل الناس معه .
وعبادة إطعام الطعام ، ينشأ عنها عبادات كثيرة منها : التودد والتحبب إلى المُطعَمين فيكون ذلك سبباً في دخول الجنة : ” لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولن تؤمنوا حتى تحابوا ” ، كما ينشأ عنها مجالسة الصالحين واحتساب الأجر في معونتهم على الطاعات التي تقووا عليها بطعامك .
والأجر الذي للمفطِّر إنما هو لمن أشبع لا لمن ابتدأ بالإطعام ، فليس من قدَّم تمرة كمن ذبح شاة وأطعم خبزاً .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية :
والمراد بتفطيره : أن يُشبعه .
” الفتاوى الكبرى ” ( 4 / 460 ) .
ب. على ماذا يُفطر
والسنة في بداية الإفطار أن يبدأ بالرطب فإن لم يتيسر فبالتمر فإن لم يجد فبالماء .
عن أنس بن مالك قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يفطر قبل أن يصلي على رطبات فإن لم تكن رطبات فتميرات فإن لم تكن تميرات حسا حسوات من ماء .
رواه الترمذي ( 696 ) وأبو داود ( 2356 ) ، وصححه الشيخ الألباني في ” صحيح الجامع ” ( 4995 ) .
وفي هذه السنة عظيم النفع لفاعلها حيث إن المعدة تكون فارغة من الطعام والشراب فلا يصلح لها أن يبدأ بالطعام مباشرة ، ويكون تناول الرطب أو التمر مهيئاً للمعدة لاستقبال الطعام .
قال ابن القيم :
وفي فطر النبي صلى الله عليه وسلم من الصوم عليه – أي : على الرطب – أو على التمر أو الماء تدبير لطيف جدّاً ؛ فإن الصوم يُخلي المعدة من الغذاء فلا تجد الكبد فيها ما تجذبه وترسله إلى القوى والأعضاء ، والحلو أسرع شيء وصولاً إلى الكبد وأحبه إليها ، ولا سيما إن كان رطباً فيشتد قبولها له فتنتفع به هي والقوى ، فإن لم يكن فالتمر لحلاوته وتغذيته ، فإن لم يكن فحسوات الماء تطفىء لهيب المعدة وحرارة الصوم فتنتبه بعده للطعام وتأخذه بشهوة .
” زاد المعاد ” ( 4 / 313 ) .
ج. تعجيل الإفطار
والسنَّة تعجيل الفطر وعدم تأخيره بل إن تأخيره إلى أن تشتبك النجوم من فعل اليهود وتبعهم عليه الرافضة ، ولا يجوز التأخير المتعمد حتى يمسي الصائم جدّاً ، ولا أن يؤخر إلى آخر الأذان ، فكل ذلك ليس من هديه صلى الله عليه وسلم .
عن سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” لا يزال الناس بخير ما عجَّلوا الفطر ” .
رواه البخاري ( 1856 ) ومسلم ( 1098 ) .
قال النووي :
قوله صلى الله عليه وسلم : ” لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر ” فيه الحث على تعجيله بعد تحقق غروب الشمس , ومعناه : لا يزال أمر الأمة منتظماً وهم بخير ما داموا محافظين على هذه السنَّة , وإذا أخروه كان ذلك علامة على فساد يقعون فيه .
” شرح مسلم ” ( 7 / 208 ) .
عن ابن أبي أوفى رضي الله عنه قال : كنتُ مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فصام حتى أمسى قال لرجل : انزل فاجدح لي ، قال : لو انتظرت حتى تمسي ، قال : انزل فاجدح لي ، إذا رأيت الليل قد أقبل من ها هنا فقد أفطر الصائم .
رواه البخاري ( 1857 ) ومسلم ( 1101 ) .
عن أبي عطية قال : دخلت أنا ومسروق على عائشة فقلنا : يا أم المؤمنين رجلان من أصحاب محمَّد صلى الله عليه وسلم أحدهما يعجل الإفطار ويعجل الصلاة ، والآخر يؤخر الإفطار ويؤخر الصلاة ، قالت : أيهما الذي يعجل الإفطار ويعجل الصلاة ؟ قال : قلنا : عبد الله – يعني : ابن مسعود – قالت : كذلك كان يصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم .
رواه مسلم ( 1099 ) .
قال الحافظ ابن حجر :
تنبيه :
من البدع المنكرة ما أحدث في هذا الزمان من إيقاع الأذان الثاني قبل الفجر بنحو ثلث ساعة في رمضان , وإطفاء المصابيح التي جعلت علامة لتحريم الأكل والشرب على من يريد الصيام زعما ممن أحدثه أنه للاحتياط في العبادة ولا يعلم بذلك إلا آحاد الناس , وقد جرهم ذلك إلى أن صاروا لا يؤذنون إلا بعد الغروب بدرجة لتمكين الوقت زعموا فأخروا الفطر وعجلوا السحور وخالفوا السنَّة , فلذلك قل عنهم الخير كثير فيهم الشر , والله المستعان .
” فتح الباري ” ( 4 / 199 ) .
د. ما يقول عند إفطاره
قال عمر : ” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فطر قال : ” ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله ” .
رواه أبو داود ( 2357 ) والدارقطني ( 25 ) ، وقال ابن حجر في ” التلخيص الحبير ” ( 2 / 202 ) : ” قال الدارقطني : إسناده حسن ” .
وأما دعاء : ” اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت ” : فقد رواه أبو داود ( 2358 ) وهو حديث مرسل ، فهو ضعيف .
والدعاء بعد العبادات له أصل كبير في الشرع مثل الدعاء بعد الصلوات وبعد قضاء مناسك الحج ، ولا يخرج الصوم عنه إن شاء الله ، وقد ذكر الله تعالى آية الدعاء والترغيب به بين آيات الصيام للدلالة على أهميته في هذا الشهر .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية :
أخبر سبحانه أنَّه قريبٌ مِن عباده يجيبُ دعوةَ الداعي إذا دعاه ، فهذا إخبارٌ عن ربوبيته لهم وإعطائه سُؤلهم وإجابةِ دعائهم ؛ فإنهم إذا دعَوْه فقد آمنوا بربوبيته لهم وإنْ كانوا مع ذلك كفَّاراً من وجهٍ آخر وفسَّاقاً أو عصاةً قال تعالى : { وَإِذَا مَسَّكُمْ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا } [ الإسراء / 67 ] ، ثم أمَرهم بأمرين فقال : { فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ } [ البقرة / 186 ] .
فالأول : أنْ يطيعوه فيما أمرهم به من العبادة والاستعانة .
والثاني : الإيمان بربوبيته وألوهيته وأنَّه ربهم وإلههم ولهذا قيل: إجابة الدعاء تكون عن صحة الاعتقاد وعن كمال الطاعة لأنَّه عقب آية الدعاء بقوله : { فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي }.
” مجموع الفتاوى ” ( 14 / 33 ) .
هـ. الإسراف في الطعام
وأما كثرة الأكل في رمضان وما فيه من خسارة فحدِّث ولا حرج ، فما أكثر ما يُلهى الناس بالطعام والشراب حتى صار الشهر ليالي أكل وشرب ، فالمرأة تقضي نهارها في إعداد الطعام ، وتقضي ليلها في إعداد المشروبات والحلويات .
قال الثوري : إذا أردت أن يصحَّ جسمك ويقلَّ نومُك أقلل مِن طعامك .
وقيل لأحمد بن حنبل : هل يجد الرجل من قلبه رقَّة وهو شبِع ؟ ، قال : ما أرى .
وقال محمد بن واسع : مَن قلَّ طعامُه فهم وأفهم وصفا ورقَّ ، وإن كثرة الطعام لتغل صاحبها عن كثيرٍ مما يريد .
هذا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه يؤتى له بإفطاره وقد كان صائما وفيه نوعان من الطعام، فيبكي! فيسأله أهله: ما يبكيــك؟ فيقول: تذكرت مصعب بن عمير مات يوم مات ولم نجد ما نكفنه به إلا بردة إذا غطينا رأسه بدت قدماه، وإذا غطينا قدميه بدا رأسه، ونحن اليوم نأكل من هذه الأنواع، وأخشى أن تكون طيباتنا عجلت لنا!!!

