هل للملائكة إرادة واختيار؟ وهل يمكن أن تقع منهم معصية لخالقهم ومخالفة؟

السؤال

سؤالي هو : هل تطيع الملائكة الله من تلقاء إرادتهم الحرة ؟ فقد أخبرني أحد الإخوة بأن للملائكة إرادة ، واختياراً حرة لكي تطيع ، أو تعصي أوامر الله ، لكنهم اختاروا الطاعة دائماً ، والأدلة التي قدمها ليوضح أن لديهم إرادة حرة كانت الآية رقم 30 من سورة البقرة فقد قال : إن الملائكة تحدثت من تلقاء نفسها دون أن تتلقى أمراً من الله بالحديث ، كما كان الحديث الذي يقول بقيام جبريل بتلقيم فم فرعون دليلاً آخر قدمه لي ، فقد قال : إن جبريل قام بذلك لأنه خشي أن تلحق رحمة الله فرعون , وأنه لم يكن مأموراً من الله بذلك , وقدم دليلاً منطقيّاً آخر بأنه إذا كانت الملائكة كالدمى ، أو الإنسان الآلي : فإنها لم تكن في هذا الحال جديرة بالثناء , وأنا أطرح هذا السؤال لأن الشيخ ” عمر سليمان الأشقر ” كتب في كتابه عن الملائكة بأنهم ليس لديهم القدرة على عصيان الله ، كما تكرر هذا القول في كتاب الإمام السيوطي ” الحبائك في أخبار الملائك ” حيث يقول : بأن الملائكة معصومون كما تم رواية الرأي القائل بأن الملائكة ليس لديها إرادة حرة عن الصحابي عبد الله بن سلام ( الحاكم فى ” مستدرك الصحيحين ” ، ووافقه الذهبي ) .

– رجاء هل بوسعكم توضيح أي الرأيين هو الرأي الصحيح وفقاً للقرآن والسنَّة ؟ .

– وجزاكم الله خيراً .

– اللهم إنا نسألك علماً نافعاً ، ونعوذ بك من علم لا ينفع .

الجواب

الحمد لله

أولاً:

– من أركان الإيمان بالله تعالى : الإيمان بالملائكة المقرَّبين .

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : ( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ : مَا الْإِيمَانُ ؟ قَالَ : الْإِيمَانُ : أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَبِلِقَائِهِ وَرُسُلِهِ وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ ، قَالَ : مَا الْإِسْلَامُ ؟ قَالَ : الْإِسْلَامُ : أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ وَتَصُومَ رَمَضَانَ ، قَالَ : مَا الْإِحْسَانُ ؟ قَالَ : أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ ) رواه البخاري ( 50 ) ومسلم ( 9 ) .

ثانياً:

والملائكة خلق من خلق الله , وعباد من عباده ، مفطورون على العبادة ، ومجبولون عليها , والأدلة على ذلك كثيرة من الكتاب والسنة , منها : قوله تعالى : ( لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) التحريم/ 6 ، وقال تعالى : ( يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) النحل/ 50 .

قال القرطبي – بعد أن ذكر قصة هاروت وماروت ما روي عن قصتهما من روايات أهل الكتاب , وأنه ووقع منهم المعصية بعد أن ركَّب الله فيهما الشهوة –  :

هذا كله ضعيف ، وبعيد عن ابن عمر وغيره ، لا يصح منه شيء ؛ فإنه قول تدفعه الأصول ، في الملائكة الذين هم أمناء الله على وحيه ، وسفراؤه إلى رسله ، ( لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) التحريم/ 6 ، ( بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ . لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ) الأنبياء/ 26 ، 27 ، ( يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ ) الأنبياء/ 20 .

وأما العقل : فلا يُنكِر وقوع المعصية من الملائكة , ويوجد منهم خلاف ما كلفوه ، ويخلق فيهم الشهوات ، إذ في قدرة الله تعالى كل موهوم ، ومن هذا : خوف الأنبياء ، والأولياء الفضلاء العلماء ، ولكن وقوع هذا الجائز لا يُدرك إلا بالسمع ، ولم يصح . ” تفسير القرطبي ” ( 2 / 52 ) .

أي : لم يصح وقوع ذلك منهم .

وقال ابن القيم – رحمه الله – :

ولفظ الملَك يشعر بأنه رسول منفِّذ لأمر غيره ، فليس لهم من الأمر شيء ، بل الأمر له لله الواحد القهار , وهم ينفذون أمره ( لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ . يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ) الأنبياء/ 27 ، 28 ، ( يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) النحل/ 50 ، ( لاَ يَعْصُونَ الله مَا أَمَرَهُم وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) التحريم/ 6 ، ولا تتنزل إلا بأمره ، ولا تفعل شيئا إلا من بعد إذنه ، فهم عباد له مكرمون ، منهم الصافُّون , ومنهم المسبحون ، ليس منهم إلا من له مقام معلوم لا يتخطاه , وهو على عمل قد أُمر به لا يقصر عنه ولا يتعداه ، وأعلاهم : الذين عنده سبحانه ، لا يستكبرون عن عبادته ، ولا يستحسرون ، يسبحون الليل والنهار لا يفترون . ” إغاثة اللهفان ” ( 2 / 127 ) .

ومما يؤكد هذا المعنى : أن الله تعالى رفع منها الشهوة , التي هي داعية الذنب ، والمعصية ، والهوى .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – : 

كما قال أبو بكر عبد العزيز – من أصحابنا – وغيره : خُلقَ للملائكة عقولٌ بلا شهوة , وخُلق للبهائم شهوة بلا عقل , وخُلق للإنسان عقل وشهوة ، فمَن غلب عقلُه شهوتَه : فهو خير من الملائكة , ومَن غلبت شهوتُه عقلَه : فالبهائم خير منه . ” مجموع الفتاوى ” ( 15 / 428 ، 429 ) .

وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله – :

وحجة من قال : إن أصله – أي : إبليس –  ليس من الملائكة : أمران : أحدهما : عصمة الملائكة من ارتكاب الكفر الذي ارتكبه إبليس ، كما قال تعالى عنهم : ( لاَّ يَعْصُونَ الله مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) التحريم/ 6 ، وقال تعالى : ( لاَ يَسْبِقُونَهُ بالقول وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ) الأنبياء/ 27 . ” أضواء البيان ” ( 3 / 356 ) .

وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – :

عن هذا التقسيم للإيمان هل هو صحيح أو لا ؟ الإيمان خمسة : إيمان مطبوع وهو إيمان الملائكة ، وإيمان معصوم وهو إيمان الأنبياء ، وإيمان مقبول وهو إيمان المؤمنين ، وإيمان مردود وهو إيمان المنافقين ، وإيمان موقوف وهو إيمان المبتدعة ؟ .

فأجاب :

أقول في هذا التقسيم : إنه ليس بصحيح ، لا من أجل التقسيم ؛ لأن التقسيم قد يكون صحيحاً في أصله ، ولا مشاحة في الاصطلاح والتقسيم ، لكنه ليس بصحيح في حدِّ ذاته ؛ فإن المنافقين قد نفى الله الإيمان عنهم في القرآن ، فقال تعالى : ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ) البقرة/ 8 ، وإيمان البشر مطبوعون عليه لولا وجود المانع المقاوم ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه ، أو ينصرانه ، أو يمجسانه ) – رواه البخاري ومسلم – .

صحيح أن الملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ، وصحيح أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يمكن أن يرتدوا بعد إيمانهم ، ولكن التقسيم الثاني غير صحيح , وهو أنه جعل الملائكة مطبوعين على الإيمان دون البشر ، والبشر – كما تقدم – قد طبعوا على الإيمان بالله وتوحيده ، وخيرٌ من ذلك : أن نرجع إلى تقسيم السلف الصالح ؛ لأنه هو التقسيم الذي يكون مطابقاً للكتاب والسنَّة ؛ للإجماع عليه ، وهو : أن الإيمان قول باللسان ، وعمل بالأركان ، واعتقاد بالجنان . ” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 1 / 29 ) .

وقال الشيخ العثيمين – رحمه الله – أيضاً – :

أما باعتبار البداية : فإن الملائكة أفضل ؛ لأنهم خلقوا من نور ، وجبلوا على طاعة الله عز وجل ، والقوة عليها ، كما قال الله تعالى في ملائكة النار : ( عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) التحريم/ من الآية 6 ، وقال عز وجل : ( وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ . يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ) الأنبياء/ 19 ، 20 .

ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون . يسبحون الليل والنهار لا يفترون ) . ” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 1 / 233 ) .

ثالثاً:

وأما الجواب عما احتج به المخالف لما قلناه من أنه يتصور منهم وقوع المعصية ، ومخالفة الأمر , فنذكره ونذكر الرد عليه :

  1. أما قوله تعالى ( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ ) البقرة/ 30 : فلا يصلح دليلاً على ما استدل به المخالف ؛ وذلك أن الخطاب فيها كان موجهاً إلى الملائكة بأنه تعالى سيخلق خلقاً من البشر , وأنه سيكون من ذريته قتل ، وإفساد ، ومعلوم أن المتكلمين في لغة العرب يُتصور منهم السؤال والجواب , والاستفهام والاستفصال , لا الاعتراض ، هذا الذي حدث , ولم يكن ما ذكره الله تعالى عنهم من المحاورة بعد الأمر بالسجود لآدم عليه السلام ، بل كان بعد مجرد ذِكر الله تعالى لما سيكون من خلقه ذلك الخلق الجديد عليهم ، والدليل على أنه لا يتصور منهم المعصية ومخالفة الأمر : أنهم استجابوا للأمر الرباني بالسجود لآدم فور الأمر به ، كما قال تعالى : ( فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ . فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ) الحِجر/ 29 ، 30 ، وسورة ص 72 ، 73 .

وفي أكثر من آية ذكر الله تعالى سجود الملائكة لآدم بعد الأمر به بفاء التعقيب ، مما يدل على وجود السجود منهم على الفورية ، ودون فترة إمهال ، كما في قوله تعالى : ( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ) الكهف/ من الآية 50 ، وقوله ( وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ) الأعراف/ 11 .

  1. أما حديث ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( لَمَّا أَغْرَقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ قَالَ : آمَنْتُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ ، فَقَالَ جِبْرِيلُ : يَا مُحَمَّدُ فَلَوْ رَأَيْتَنِى وَأَنَا آخُذُ مِنْ حَالِ الْبَحْرِ فَأَدُسُّهُ فِى فِيهِ مَخَافَةَ أَنْ تُدْرِكَهُ الرَّحْمَةُ ) رواه الترمذي ( 3107 ) وحسَّنه : فلا دليل فيه على أن جبريل فعل هذا من تلقاء نفسه ، ليس بأمر الله تعالى ، وقد أجاب المباركفوري عن هذا ، فقال :

ولو قيل : إن جبريل فعل ذلك من عند نفسه لا بأمر الله : فهذا يُبطله قول جبريل ( وَمَا نَتَنزلُ إِلا بِأَمْرِ رَبِّكَ ) مريم/ 64 … .

ثم قال :

فأما قصة جبريل عليه السلام : فإنها من هذا الباب ؛ فإن غاية ما يقال فيه : إن الله سبحانه وتعالى منع فرعون من الإيمان ، وحال بينه وبينه ؛ عقوبة له على كفره السابق ، ورده للإيمان لما جاءه ، وأما فعل جبريل من دس الطين : فإنما فعل ذلك بأمر الله ، لا من تلقاء نفسه … .

ثم قال :

فأما قول الإمام : لم يجز لجبريل أن يمنعه من التوبة ، بل يجب عليه أن يعينه عليه ، وعلى كل طاعة : هذا إذا كان تكليف جبريل كتكليفنا يجب عليه ما يجب علينا , وأما إذا كان جبريل إنما يفعل ما أمره الله به ، والله سبحانه وتعالى هو الذي منع فرعون من الإيمان ، وجبريل منفذ لأمر الله : فكيف لا يجوز له منع من منعه الله من التوبة ؟! وكيف يجب عليه إعانة من لم يعنه الله ؟! بل قد حكم عليه ، وأخبر عنه أنه لا يؤمن حتى يرى العذاب الأليم ، حين لا ينفعه الإيمان .

وقد يقال : إن جبريل عليه السلام إما أن يتصرف بأمر الله فلا يفعل إلا ما أمر الله به , وإما يفعل ما يشاء من تلقاء نفسه لا بأمر الله , وعلى هذين التقديرين : فلا يجب عليه إعانة فرعون على التوبة ، ولا يحرم عليه منعه منها ؛ لأنه إنما يجب عليه فعل ما أُمر به ، ويحرم عليه فعل ما نهيَ عنه ، والله سبحانه وتعالى لم يخبر أنه أمَرَه بإعانة فرعون , ولا حرَّم عليه منعه من التوبة ، وليست الملائكة مكلفين كتكليفنا .

” تحفة الأحوذي ” ( 8 / 418 ، 419 ) .

  1. وأما قوله : إنه يلزم من ذلك : أنهم يكونون كالدمى ، وكالإنسان الآلي ” : فلا يلزم شيء من ذلك ، بل هذا دليل على التكريم ، والتوفيق ، فلا أعظم من أن يوفق الخلق للطاعة ، ويجنَّب المعصية ، وحتى الإنسان وهو له الإرادة والاختيار : فكل توفيق للعبادة : فهي من فضل الله وكرمه ، وإعانته .

ثم يقال – أيضاً – : إن الملائكة الكرام غير متصور منهم وقوع المعصية ؛ لأنهم لا شهوة لهم – كما قدمنا – لكن هذا لا يعني أنهم غير مكلفين ، وأنهم دُمى ، نعم ، هم غير مكلفين بما كُلف به البشر ، لكنهم كلِّفوا بالأوامر ، وتفاتوا في العلم ، والخشية ، والعبادة .

قال الشيخ عمر الأشقر – حفظه الله – :

ويمكن أن نقول : إن الملائكة ليسوا بمكلفين بالتكاليف نفسها التي كلف بها أبناء آدم ، أما القول بعدم تكليفهم مطلقاً : فهو قول مردود ، فهم مأمورون بالعبادة ، والطاعة : ( يَخَافُونّ رَبَّهُم مِنْ فَوْقِهِم وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) النحل/ 50 ، وفي الآية أنهم يخافون ربهم ، والخوف نوع من التكاليف الشرعية ، بل هو من أعلى أنواع العبودية ، كما قال فيهم : ( وَهُمْ مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ) الأنبياء/ 28 . ” عالم الملائكة الأبرار ” ( ص 21 ).

ومما يدل على أنه ثمة إرادة عند الملائكة ، وأنهم ليسوا كالدمى :

  1. قوله تعالى ( لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) التحريم/ من الآية 6 .

ولا يسمَّى العاصي عاصياً إلا حيث يتعمد فعل المعصية ، وكذا ترك الأمر ، ولو كان الملائكة عاجزين بطبعهم عن ذلك لما أثنى الله عليهم بفعل الأوامر ، ولما سمَّى ما عجزوا عنه معصية .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – :

العاصي هو الممتنع من طاعة الأمر مع قدرته على الامتثال ، فلو لم يفعل ما أمر به لِعجزه : لم يكن عاصياً ، فإذا قال : ( لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ ) : لم يكن في هذا بيان أنهم يفعلون ما يؤمرون ؛ فإن العاجز ليس بِعاصٍ ، ولا فاعل لما أمر به ، وقال : ( وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) ليبين أنهم قادرون على فعل ما أمروا به ، فهم لا يتركونه ، لا عجزاً ، ولا معصية ، والمأمور إنما يترك ما أمر به لأحد هذين ، إما ألا يكون قادراً ، وإما أن يكون عاصياً لا يريد الطاعة ، فإذا كان مطيعاً يريد طاعة الآمر وهو قادر : وجب وجود فعل ما أمر به ، فكذلك الملائكة المذكورون ، لا يعصون اللّه ما أمرهم ، ويفعلون ما يؤمرون  .” مجموع الفتاوى ” ( 13 / 61 ) .

  1. قوله تعالى عنهم في استفسارهم من ربهم تعالى عندما أخبرهم بأنه سيخلق آدم وذريته ( قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ) البقرة/ من الآية 30 .

وليس هذا الاستسفسار والحوار إلا ممن له إرادة ، وليس هذا من إلهام الله لهم ليقولوه ، وإلا لما خاطبهم الله تعالى بقوله ( وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) البقرة/ 31 .

  1. حديث ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَتَانِي رَبِّي فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ – أي : في المنام – فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، قُلْتُ : لَبَّيْكَ رَبِّ وَسَعْدَيْكَ ، قَالَ : فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى ؟ قُلْتُ : رَبِّ لَا أَدْرِي ) الْحَدِيثَ ، ويؤيده قوله تعالى ( مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَأِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ ) ص/ 69 ، فقد أثبت الله تعالى ها هنا اختصام الملائكة ، وهو ما يحدث من جدال بينهم في بعض المسائل التي ذُكرت في الحديث وهي : الدرجات ، والكفارات .

وهذا لا يكون من ” دُمى ” ! .

  1. حديث الذي قتل مئة نفس ، ثم تاب ، ولما مات اختصمت فيه ملائكة الرحمة ، وملائكة العذاب ، حتى بعث الله تعالى ملَكاً يحكم بينهم ، وهو في الصحيحين .

فادِّعاء أنهم كالدمى ، أو كالإنسان الآلي : قول عارٍ عن الصحة ، وبعيد عن الحقيقة ، وأجنبي عن التحقيق العلمي ، بل هم عبادٌ مُكرمون ، لهم إرادة ، ولهم طاعات متفاوتة ، ولهم عبادات متنوعة ، وإن كانوا لا يعصون الله البتة.

رابعاً:

وأما حديث عبد الله بن سلام الذي أشار إليه السائل عن المخالف : فنحن نذكر نصَّه ، وفقهه :

عَنْ بِشْر بنِ شَغَافٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ ، قَالَ : وَكُنَّا جُلُوسًا فِي الْمَسْجِدِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، فَقَالَ : إِنَّ أَعْظَمَ أَيَّامِ الدُّنْيَا يَوْمُ الْجُمُعَةِ ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ ، وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ ، وَإِنَّ أَكْرَمَ خَلِيقَةِ اللَّهِ عَلَى اللَّهِ أَبُو الْقَاسِمِ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : قُلْتُ : يَرْحَمُكَ اللَّهُ ، فَأَيْنَ الْمَلائِكَةُ ؟ قَالَ : فَنَظَرَ إِلَيَّ وَضَحِكَ ، وَقَالَ : يَا ابْنَ أَخِي ، هَلْ تَدْرِي مَا الْمَلائِكَةُ ؟ إِنَّمَا الْمَلائِكَةُ خَلْقٌ كَخَلْقِ السَّمَاءِ ، وَالأَرْضِ ، وَالرِّيَاحِ ، وَالسَّحَابِ ، وَسَائِرِ الْخَلْقِ الَّذِي لاَ يَعْصِي اللَّهَ شَيْئًا . رواه الحاكم في ” المستدرك ” ( 4 / 612 ) ، والبيهقي في ” دلائل النبوة ” ( 5 / 485 ) .

ولم نر في إسناد الحديث ما يوجب ردَّه ، وهو موقوف على عبد الله بن سلام رضي الله عنه ، وليس مرفوعاً للنبي صلى الله عليه وسلم ، وليس فيه ما يؤيد قول المخالف على القطع ، بل على الاحتمال ، والاحتمال الآخر أنه يريد بأن الملائكة عليهم السلام لا يصدر منهم معصية ، بل هم ينفذون أمر الله إليهم ، كما تنفذه السماء ، والأرض ، وهذا موافق لما ذكرناه سابقاً ، وليس معناه أنه لا إرادة لهم ، كيف وقد ذكر الله تعالى إرادة للسماء والأرض ! فقال تعالى ( إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ) الأحزاب/ 72 .

قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله – :

فتصريحه جلَّ وعلا بأن السماء ، والأرض ، والجبال ، أبت ، وأشفقت ، أي : خافت : دليل على أن ذلك واقع بإرادة ، وإدراك ، يعلمه هو جل وعلا ، ونحن لا نعلمه . ” أضواء البيان ” ( 3 / 339 ) .

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة