يرفض أن يكون النبيُّ صلى الله عليه وسلم أمّيًّا!!.
السؤال
قرأت قريبًا أن هناك قول أن النبي لم يكن أميًا كما يعتقد المسلمون فبما أنه كانت مهنته التجارة فلا بد أن يكون متعلمًا لأداء التجارة ماذا يقول القرآن عن ذلك؟
الجواب
الحمد لله
القرآن الكريم وصف النبي على أنه أمي غير قارئ و لا كاتب، وليس عنده من علوم الدنيا ولم يكن قبل البعثة عالماً بالدين ولا بالكتب السماوية ولا أخبارها.
قال الله تعالى: { الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل . . . . }[ الأعراف / 157 ].
وقال تعالى:{. . . فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون }[ الأعراف / 158 ].
و لكن بعض العلماء قال هو قاريْ وكاتب، واستدلوا بحديث البراء قال :
” لما أحصر النبي صلى الله عليه وسلم عند البيت صالحه أهل مكة على أن يدخلها فيقيم بها ثلاثا ولا يدخلها إلا بجلبان السلاح السيف وقرابة ولا يخرج بأحد معه من أهلها ولا يمنع أحدا يمكث بها ممن كان معه قال لعلي اكتب الشرط بيننا بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله فقال له المشركون لو نعلم أنك رسول الله تابعناك ولكن اكتب محمد بن عبد الله فأمر عليا أن يمحاها فقال علي لا والله لا أمحاها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أرني مكانها فأراه مكانها فمحاها ” وكتب ابن عبد الله ” فأقام بها ثلاثة أيام فلما أن كان يوم الثالث قالوا لعلي هذا آخر يوم من شرط صاحبك فأمره فليخرج فأخبره بذلك فقال نعم فخرج وقال بن جناب في روايته مكان تابعناك بايعناك. رواه مسلم ( 1783 ).
فاستدلوا بقوله ” فمحاها و كتب ” على أن الرسول صلى الله عليه و سلم يكتب و يقرأ.
* قال الإمام النووي في شرح هذا الحديث:
قوله صلى الله عليه وسلم ” أرني مكانها فأراه مكانها فمحاها وكتب ابن عبد الله”: قال القاضي عياض رضي الله تعالى عنه: احتج بهذا اللفظ بعض الناس على أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب ذلك بيده على ظاهر هذا اللفظ، وقد ذكر البخاري نحوه من رواية إسرائيل عن أبي إسحاق وقال فيه ” أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب فكتب ” وزاد عنه في طريق آخر ” ولا يحسن أن يكتب فكتب “.
قال أصحاب هذا المذهب: إن الله تعالى أجرى ذلك على يده إما بأن كتب ذلك القلم بيده وهو غير عالم بما يكتب أو أن الله تعالى علمه ذلك حينئذ حتى كتب وجعل هذا زيادة في معجزته فإنه كان أميا فكما علمه ما لم يعلم من العلم وجعله يقرأ ما لم يقرأ ويتلو ما لم يكن يتلو كذلك علمه أن يكتب ما لم يكن يكتب وخط ما لم يكن يخط بعد النبوة أو أجرى ذلك على يده قالوا وهذا لا يقدح في وصفه بالأمية واحتجوا بآثار جاءت في هذا عن الشعبي وبعض السلف وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمت حتى كتب.
* قال القاضي:
وإلى جواز هذا ذهب الباجي وحكاه عن السمناني وأبي ذر وغيره.
* وذهب الأكثرون إلى منع هذا كله، قالوا:
وهذا الذي زعمه الذاهبون إلى القول الأول يبطله وصف الله تعالى إياه بالنبي الأمي صلى الله عليه وسلم وقوله تعالى { وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك } وقوله صلى الله عليه وسلم ” إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب ” قالوا وقوله في هذا الحديث ” كتب ” معناه: أمر بالكتابة، كما يقال رجم ماعزاً وقطع السارق وجلد الشارب أي أمر بذلك واحتجوا بالرواية الأخرى فقال لعلي رضي الله تعالى عنه ” اكتب محمد بن عبد الله “.
قال القاضي: وأجاب الأولون عن قوله تعالى أنه لم يتل ولم يخط أي من قبل تعليمه كما قال الله تعالى { مِن قَبله } فكما جاز أن يتلو جاز أن يكتب ولا يقدح هذا في كونه أميا إذ ليست المعجزة مجرد كونه أميا فإن المعجزة حاصلة بكونه صلى الله عليه وسلم كان أولا كذلك ثم جاء بالقرآن وبعلوم لا يعلمها الأميون.
قال القاضي: وهذا الذي قالوه ظاهر.
قال: وقوله في الرواية التي ذكرناها ” ولا يحسن أن يكتب فكتب ” كالنص أنه كتب بنفسه.
قال: والعدول إلى غيره مجاز ولا ضرورة إليه.
قال: وقد طال كلام كل فرقة في هذه المسألة وشنعت كل فرقة على الأخرى في هذا. ” شرح النووي على مسلم ” ( 12 / 137 – 138 ).
فقد تكون كتابة الرسول صلى الله عليه وسلم من باب أنها معجزة أو أن يكون رسول الله صلى الله عليه و سلم قد كتب اسمه كونه يجيده ولا يجيد غيره وهذا مشهور عند من نعرف من بعض الأميين أنهم وإن كانوا لا يحسنون الكتابة ولكن قد يحسنون كَتْب أسمائهم من أكثر من مقطع، وقد يحسن أحدهم كتابة بعض ما يخصه من الأسماء كاسم بلدته أو مهنته أو ما أشبه هذا.
و الدليل على ما قد ذكرنا – أي أن الرسول صلى الله عليه و سلم أمي يحسن بعض الكتابة دون غيرها – أنه جاء في الرواية المتقدمة: ” فأمر عليا أن يمحاها فقال علي لا والله لا أمحاها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” أرني مكانها ” فأراه مكانها فمحاها وكتب ابن عبد الله “.
فقوله: ” أرني مكانها “: دليل واضح على أن الرسول لا يقرأ، وإلا لم يحتج إلى من يقرأها له وأن يريه مكانها.
أما التعلل بكونه لم يكن أميًا على أنه كان تاجرًا فهذا تعليل بعيد حيث لا يلزم كون الرجل تاجرًا أن لا يكون أميًا ناهيك عن أن التجارات قديمًا لم تكن تحتاج للقراءة والكتابة كما هو الحال في عصرنا الحاضر.
وزد على ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن ذلك التاجر الذي أفنى بتلك المهنة حياته أو أنه كان دائم العمل بها وإنما الذي علم عنه أنه تاجر في بعض التجارات ولا يعني أن كل من تاجر كان تاجرًا.
بل إن العرب من قريش كانوا تجارًا ومع هذا كانوا أميين.
وقد وصف الله تعالى تجارتهم فقال: { لإيلاف قريش . إيلافهم رحلة الشتاء والصيف. فليعبدوا رب هذا البيت. الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف } [قريش / 1 – 4 ]. وقال تعالى يصفهم بالأمية:{ هو الذي بعث في الأميين رسولًا منهم يتلو عليهم آياته . . . }[ الجمعة / 2 ].
والله أعلم.


