هل يجوز الطعن في عيسى عليه السلام والإنجيل على اعتبار موقف النصارى الحالي منهما؟
السؤال
هل يجوز السخرية والاستهزاء مما يسميه النصارى ( يسوع ) على أنه ليس هو ( المسيح ) لدى المسلمين ؟ أم أنه لا يجوز لأن النصارى يقصدون بيسوع أنه (المسيح ) ؟ وهل بسخريتنا منه نكون وكأننا – عياذاً بالله – سخرنا من نبي الله عيسى عليه السلام ؟ وما حكم هذا الساخر المسلم إن كان يقصد بيسوع أنه غير المسيح ؟
وكذلك هل يجوز تسمية كتابهم الذي يسمونه المقدس بـ ” المدنس ” – مثلاً – ، أو ” المخرف ” ، وما شابه ذلك من الاستهزاء ؟ وجزاكم الله خيراً .
الجواب
الحمد لله
ينبغي التفريق بين الأمرين الوارد ذِكرهما في السؤال ، وهما : عيسى بن مريم – ويسمونه ” اليسوع ” – والإنجيل ، فاليسوع المقصود في كلام النصارى هو عيسى بن مريم النبي الذي أُمرنا بتعظيمه ، والإيمان به ، وكون النصارى وصفوه بصفات الربوبية والألوهية ، أو ادعوا أنه إله ، أو ابن إله : هذا ما لم يغيِّر في شخصيته الحقيقية ، وإنما كذبوا وافتروا عليه بما ليس فيه ، وهذا لا يجعل منه شخصية أخرى ، لذا كان الاستهزاء به عليه السلام كفراً مخرجاً من الملَّة ، ويصدق على من فعل ذلك ما جاء في اعتقاد أهل السنَّة وإجماعهم في حكم الساب والمستهزئ بنبي من أنبياء الله تعالى .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – :
ولهذا اتفق الأئمة على أن من سبَّ نبيّاً : قُتل ، ومَن سبَّ غير النبي لا يقتل بكل سبٍّ سبَّه ، بل يفصَّل في ذلك . ” مجموع الفتاوى ” ( 35 / 123 ) .
وليس الأمر كذلك في ” الإنجيل ” ، فالموجود من نسخه الآن ليس هو كلام الله تعالى ، بل هو من صنع أنفسهم ، وكتابة أيديهم ، وقد وقع فيه من التحريف والتغيير ما جعله ليس الكتاب الذي أُمرنا بالإيمان به ، وبصاحبه ، في مثل قوله تعالى : ( آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ) البقرة/ 285 ، ولذلك يجوز وصف كتابهم بالمحرَّف ، والمبدَّل ، وغير ذلك من الصفات اللائقة به ، لكن دون سب أو تحقير لكل ما فيه ؛ لأن التحريف لم يطال كل ما فيه من كلام ، وبين الأناجيل تفاوت في نسبة التحريف والكذب على الله تعالى ، وعلى المسيح عليه السلام .
ومثل ذلك يقال في ” دينهم ” ، فهو ليس الدين الذي ارتضاه الله لهم ، وقد وقع فيه من الشرك والوثنية ما هو غير خاف على موحِّد ، كما قال تعالى : ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ) التوبة/ 30 ، ولذلك وصفهم الله تعالى بالكفر ، واتفق علماء الإسلام على أن من شكَّ في كفرهم فإنه يكفر ، ولا يعد الساب لدينهم – المحرَّف – مستحقّاً للكفر .
فسبُّ دينهم الذي ارتضاه لهم ، وسبُّ إنجيلهم غير المحرَّف : كفرٌ بالله تعالى ، ولا يجوز ، وليس الأمر كذلك في دينهم وإنجيلهم المحرَّفين .
وننبه إلى أن المسلم مأمورٌ بحفظ لسانه ، وضبط تصرفاته ، وعدم إلقاء الكلام على عواهنه ، فليس ديننا كدين الرافضة يقوم على السب والشتم ، حتى لو كان الطرف الآخر مستحقّاً ، ونحن في ذلك نأتمر بأمر الله تعالى القائل : ( وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) الاسراء/ من الآية 53 .
وننبه أخيراً إلى أمرٍ غاية في الأهمية ، وهو أنه إن أدَّى سب دين النصارى إلى سبِّ ديننا : أن من فعل ذلك من المسلمين يكون واقعاً في فعل محرَّم ، نهاه الله تعالى عن فعله في قوله : ( وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ ) الأنعام/من الآية 108 .
قال ابن القيم – رحمه الله – :
فحرَّم الله تعالى سبَّ آلهة المشركين مع كون السبِّ غيظاً ، وحمية لله ، وإهانة لآلهتهم : لكونه ذريعة الى سبِّهم لله تعالى ، وكانت مصلحة ترك مسبته تعالى أرجح من مصلحة سبِّنا لآلهتهم ، وهذا كالتنبيه ، بل كالتصريح ، على المنع من الجائز لئلا يكون سبباً في فعل ما لا يجوز . ” إعلام الموقعين ” ( 3 / 137 ) .
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله – :
وفي هذه الآية الكريمة دليل للقاعدة الشرعية ، وهو : أن الوسائل تعتبر بالأمور التي توصل إليها ، وأن وسائل المحرم ولو كانت جائزة : تكون محرمة ، إذا كانت تفضي إلى الشرِّ . ” تفسير السعدي ” ( ص 268 ) .
وبعض جهلة المسلمين ظنَّ جواز سبِّ النبي عيسى عليه السلام لأنهم يسبون نبينا صلى الله عليه وسلم ! وهذا خطأ ، لا يحل قوله ، ولا فعله ، ونحن أحق بعيسى عليه السلام منهم ، والطعن في نبينا لا يبيح لنا الطعن في عيسى عليه السلام الذي أُمرنا بتعظيمه الإيمان به .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – :
ولو سبَّ النصارى نبيَّنا : لم يكن لنا أن نسب المسيح ، والرافضة إذا كفّروا أبا بكر ، وعمر : فليس لنا أن نكفِّر عليّاً . ” منهاج السنة ” ( 5 / 244 ) .
ووصف كتبهم بالمحرَّفة ، ودينهم بالبطلان : لا يعدُّ من السبِّ والشتم الذي نهينا عنه ، بل هو من الحق الذي أُمرنا بالجهر به .
قال الطاهر بن عاشور – رحمه الله – :
والسبّ : كلام يدلّ على تحقير أحدٍ ، أو نسبته إلى نقيصة ، أو معرّة ، بالباطل ، أو بالحقّ ، وهو مرادف الشّتم ، وليس من السبّ النسبةُ إلى خطإٍ في الرّأي ، أو العملِ ، ولا النّسبة إلى ضلال في الدّين إن كان صدر من مخالف في الدّين .
والمخاطب بهذا النّهي المسلمون لا الرّسول صلى الله عليه وسلم ؛ لأنّ الرّسول لم يكن فحّاشاً ، ولا سبّاباً ؛ لأنّ خُلقه العظيم حائل بينه وبين ذلك ، ولأنّه يدعوهم بما ينزل عليه من القرآن فإذا شاء الله تركه من وحيه الّذي ينزله ، وإنّما كان المسلمون لغيرتهم على الإسلام ربّما تجاوزوا الحدّ ففرطت منهم فرطات سبّوا فيها أصنام المشركين . ” التحرير والتنوير ” ( 7 / 427 ) .
وسئل علماء اللجنة الدائمة :
ما الحكم فيمن يقول: يلعن دين ” كارتر ” ، يقصد به الرئيس الأمريكي السابق ، أوَ ليس في هذا اللفظ سب لدين سماوي أنزل قبل نبينا محمد صلى الله على نبينا محمد وسلم ؟ .
فأجابوا :
اللعن : هو الطرد ، والإبعاد عن رحمة الله ، ولعن دين من الأديان السماوية كفرٌ ، ويجب نصح مَن صدر منه ذلك ، وبيان أنه كفر ، فإن أصرَّ على السب بعد بيان الحكم : فهو كافر ، إلا أن يكون قصد بدين ” كارتر ” ما عليه النصارى اليوم من اعتقادهم أن عيسى هو ابن الله ، وأنه لا يلزمهم اتباع محمد صلى الله عليه وسلم : فهذا دين باطل ، وليس ديناً سماويّاً ، بل هو دين محدَث ، لا يكفر مَن سبَّه ، أو لعنه .
وننصحك بقراءة كتاب ” الصارم المسلول على شاتم الرسول ” ، ففيه من العلم في هذا الموضوع ما لا تكاد تجده في غيره . الشيخ عبد العزيز بن باز ، الشيخ عبد الله بن غديان ، الشيخ عبد الله بن قعود .
” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 3 / 426 ).
والله أعلم.


