أسئلة في القدر من مسلم وكافر عن تقدير الشر والمعاصي وأمور أخرى.

السؤال

أنا مسلم منذ ولادتي ولكنني لم أبدأ بتطبيق الإسلام فعليّاً إلا قبل عدة أسابيع ، عندما بدأت أتصفح موقعك والمواقع الأخرى عن الإسلام بدأ الإيمان يزيد في قلبي ، ولكن طريق التقوى لم يكن سهلاً، طرح عليَّ أحد الكفار سؤالاً ووجدت نفسي تائهاً فأرجو أن توضح لي بعض الأمور التي سألني عنها هذا الكافر، ليس فقط لتوضح لي ولكن ربما تزيل الغشاوة عن هذا الكافر تجاه الإسلام.

  • بما أن الله خلق كلَّ شيءٍ ، فقد قدَّر وقوع المعصية لأن الشيطان من مخلوقات الله ومن المؤكد أن الله يعلم عن وجود المعصية في أرواحنا.
  • لماذا لم يطلب الشيطان العفو والمغفرة من الله بعد أن طرده الله من الجنة بسبب إغوائه لآدم وحواء وتسبب في جعلهم يهبطون للأرض؟.
  • بما أن الله يريد من جميع الخلق أن يعبدوه ويوحدوه فلماذا قدر الشر والمعصية؟.
  • هل شعر الله بالضجر – ( والعياذ بالله ) – حتى أنه خلق الإنس وليشعر بالعظمة طلب من العباد أن يعبدوه؟.
  • بما أنه مكتوب لكل شخص هل سيكون مصيره الجنة أو النار فما هو الغرض من وجودنا في هذه الدنيا والله يعلم الغيب؟.
  • إذا كانت الإعاقة وجدت لكي نتفكر ونشكر الله فلماذا نحن سعداء لأننا لم نكن من المعوقين ثم يجب أن نشكر الله على هذه النعمة ؟ وماذا بشأن المعوقين ؟ وإلى من يجب أن ينظروا ليشكروا الله؟.
  • لماذا خلق الله الكثير من الناس ليذنبوا ثم يُلقى بهم في نار جهنم ؟ ما هو السبب؟.

– هذا الكافر ذهب لأبعد من هذا وقال إذا خلق الله الروح فلن يخلق لها ناراً ليعذبها بها.

– أسأل الله أن يرزقك جنة الفردوس على مجهودك. جزاكم الله خيراً.

الجواب

الحمد لله

أولاً:

يمكن للكافر والمسلم أن يقف على حقيقة القدر وما يقدّره الله من خير وشر بأن يعرف مراتب القدَر، ويمكننا تيسير أمرها بأن نقول:

لا يمكن أن يقع شيء في الوجود – من خير وشر – إلا ويكون الله قد علمه ، فلله العلم الكامل الذي لم يسبقه جهل ولا يلحقه نسيان ، وهي المرتبة الأولى .

وقد أمر الله تعالى بكتابة ما علم أنه سيقع في اللوح المحفوظ ، وهي المرتبة الثانية .

ولا يقع ما علمه الله تعالى وأمر بكتابته إلا بعد مشيئته ، فلا مشيئة لأحد – طائعاً كان أم عاصياً – إلا من بعد مشيئة الله سبحانه وتعالى ، وهذا يدل على عظيم قدرة الله تعالى وإحاطته بمخلوقاته ، وهي المرتبة الثالثة .

وبعد أن علم الله وقوع الأشياء – خيرها وشرها – وكتب ذلك في اللوح المحفوظ وشاءها فإنه يخلقها ، فالله تعالى خالق الإنسان وخالق عمله ، وهي المرتبة الرابعة .

بعد هذا نقول:

هل يعني علم الله تعالى وكتابته ومشيئته وخلقه للمعصية أنه يحبها تعالى ويرضاها ؟ الجواب : لا ، لأن الله تعالى حذَّر منها على لسان رسله وتوعد بعقوبة فاعلها ، فكيف يقال إنه يحبها ويرضاها ؟ .

فإن قال قائل : وكتابته لها في اللوح المحفوظ ؟ قلنا : لم يكتب الله تعالى إلا ما علم أنه سيقع من عبيده .

وهل يلزم من كتابته وتقديره للأشياء أن يكون محبّاً لها ؟ الجواب : لا ، فلا يحب الله تعالى إلا ما يأمر به وهو ما يسميه علماؤنا ” الإرادة الشرعية ” ، وأما الأولى فهي ” الإرادة الكونية ” وهي كل ما كان معلوما لله تعالى ومكتوبا ومقدراً ، وهذا فيه ما يحبه الله تعالى ويرضاه كالطاعة ، وفيه ما يبغضه الله كالمعصية .

ثانياً:

وأما سبب عدم طلب الشيطان المغفرة من الله تعالى فهو الكِبر ، وكمْ صدَّ الكِبْر الكفار عن الدخول في الإسلام والتوبة والرجوع إلى الله تعالى .

قال الله تعالى : { قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ }[ الأنعام / 33 ] ، وقال تعالى : { وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ } [ النمل / 14 ] .

فنرى في هاتين الآيتين أن الجحود والظلم والعلو هي الأسباب الحقيقية لعدم الإيمان بالله تعالى واتباع رسله ، ولك أن تنظر وتتفكر في معصية آدم – عليه السلام – ومعصية إبليس ، فآدم عليه السلام سارع إلى التوبة والاستغفار ، وأبى إبليس واستكبر عن التوبة .

ومعصية آدم كانت بارتكاب نهي ، بخلاف معصية إبليس والتي كانت بترك الأمر ، والفرق بينهما كبير ؛ لأن الغالب على مرتكب النهي هو الهوى والشهوة ، بخلاف تارك الأمر فإن سبب تركه له هو الكبر والجحود .

قال ابن تيمية :

والكبر والحسد هما داءان أهلكا الأولين والآخرين ، وهما أعظم الذنوب التي بها عصى الله أولا ؛ فإن  إبليس استكبر وحسد آدم ، وكذلك ابن آدم الذي قتل أخاه حسد أخاه ؛ ولهذا كان الكِبْر ينافي الإسلام كما أن الشرك ينافي الإسلام ، فإن الإسلام هو الاستسلام وحده ، فمن استسلم له ولغيره فهو مشرك به ، ومن لم يستسلم فهو مستكبر كحال فرعون وملئه . ” جامع الرسائل ” ( ص 233 ).

ثالثاً :

وجواب هذا السؤال مضمَّن في جواب النقطة الأولى ، وملخصه : أن تقدير الله تعالى للشر والمعصية لا لحبه لهما بل لعلمه بوقوعهما ، ولا يمكن أن يقع في ملك الله تعالى ما لا يريده وما لا يعلمه وما لا يخلقه وإن كان مبغوضاً له سبحانه وتعالى .

ولما كان الله سبحانه وتعالى محبّاً للتوحيد والطاعة فإنه قد أرسل الرسل وأنزل الكتب ووعد بالثواب الجزيل لمن أطاع أمره ، وتوعد لمن خالفه .

– ومن فرَّق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية: زال عنه الإشكال .

رابعاً :

هذا السؤال من جاهل بالله سبحانه وتعالى ، غير عالم بما لله تعالى من أسماء وصفات ، فالله سبحانه وتعالى غني عن عبادة العابدين ، ولا يضره كفر الكافرين ، وقد قال سبحانه – في الحديث القدسي – : ” يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني ، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم : ما زاد ذلك في ملكي شيئاً ، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئاً … ” – رواه مسلم ( 2577 ) – .

ومن علم أحوال ملائكته سبحانه وتعالى وما هم فيه من العبادة والتسبيح والتمجيد لربهم عرف سخف هذا الكلام ، قال تعالى : { وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ . يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ } [ الأنبياء / 19 ، 20 ] .

وبيَّن تعالى أن البشر لو استكبروا عن عبادته تعالى فإن عنده ملائكة يسبحون الليل والنهار ولا يملون ، قال الله تعالى : { فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ } [ فصلت / 38 ] .

وعن أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” إني أرى ما لا ترون ، وأسمع ما لا تسمعون ، أطَّت السماء وحُقَّ لها أن تئط ، ما فيها موضع أربع أصابع إلا عليه ملك ساجد ، لو علمتم ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيراً ، ولا تلذذتم بالنساء على الفرشات ولخرجتم على أو إلى الصُّعُدات تجأرون إلى الله ” . رواه الترمذي ( 2312 ) وابن ماجه ( 4190 ). وصححه الشيخ الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 1722 ).

الأطيط: صوت الإبل من ثقل حِملها، الصعدات: الطرق ، تجأرون: تتضرعون .

خامساً :

وقد أجبنا عن النقطة في ” أولاً ” ونزيد هنا شيئاً يسيراً ، وهو أن الله تعالى لا يمكن أن يعاقب الناس على ما علمه منهم وكتبه عليهم ، بل يكون العقاب على ما قدمت أيديهم وكسبت جوارحهم.

سادساً:

لله سبحانه أن يبتلي عباده بما يشاء ، ولا شك أن لله تعالى حِكَماً بالغة في تقديره ومشيئته ، فربَّ معوَّق زادته إعاقته قرباً من الله وذلاًّ وانكساراً ودعاء فحصَّل ما لم يحصله الأصحاء ، وربَّ معوَّق صرفته إعاقته عن ارتكاب معاص قدر عليه غيره من الأصحاء .

ولا شك – كذلك – أن من ابتلاه الله تعالى بإعاقة فإنه قد أعطاه كثيراً من الصحة والعافية ونِعَم الله تعالى لا تُعدُّ ولا تُحصى ، فمن كان لا يبصر – مثلاً – فإنه يفكر ويتكلم ويمشي وينام ويقوم … الخ ، وهكذا يقال في كل إعاقة أو أكثر فإن الله سبحانه وتعالى يهب أصحابها صحة وعافية أكثر مما أخذ منه .

ويجب على من ابتلاه الله تعالى بالإعاقة أن يصبر عليها وأن يحمد الله تعالى على العافية في غيرها ، وعلى من كان صحيح الجسم معافى البدن أن يشكر الله تعالى على نعمته وأن يحمد الله على العافية .

والمؤمن ليس كغيره فإنه يعلم أن ما أصابه لم يكن ليُخطأه ، وما أخطأه لم يكن ليصيبه ، ويعلم أن السراء من الله فيشكر الله عليها ، والضراء منه تعالى فيصبر عليها لو ابتلاه الله بها ، وليس ذلك إلا للمؤمن كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم .

والمعوَّق لو نظر إلى من هو أكثر منه إعاقة لعلم مدى نعمة الله تعالى عليه ، وهكذا يقال في كل من تصيبه مصيبة فإنه لو يتفكر في مصيبة غيره مما تكون أعظم من مصيبته : فإنه تهون عليه مصيبته .

والإنسان يتقلب في نِعم عظيمة من ربه سبحانه وتعالى ، ولو قضى عمره كله في شكر الله تعالى ما أدَّى شكر نعمةٍ واحدة من نِعَمه فكيف أن يؤدِّي شكر نِعَمه كلها .

سابعاً :

قد بيَّنا أمر هذا الإشكال فيما سبق في الجواب ، ونزيد هنا أن الله تعالى قد بيَّن أنه خلق الإنس والجن ليعبدوه وحده لا شريك له ، لا ليذنبوا ويعصوا ، قال الله تعالى : { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ . مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ } [ الذريات / 56 ، 57 ] .

ثامناً :

وأما قول الكافر أن الله تعالى لن يخلق ناراً للروح : فكذب محض ، والنار مخلوقة الآن ، وهي معدَّة للكافرين ، وسيعذب فيها الكفار بأرواحهم وأجسادهم .

وأخيراً :

فإننا ننصح الأخ السائل أن يقوي إيمانه بكثرة قراءة كتاب الله سبحانه وتعالى والنظر في تفسير معانيه ، وكذا في قراءة كتب الحديث وسيَر أعلام النبلاء من الصحابة والتابعين ، وكذا أن يكثر من الدعاء والإخبات لربه عز وجل ، وعليه أن يبحث عن صحبة صالحة يستفيد منها زيادة في علمه وإيمانه .

كما ننصحه بالابتعاد عن الكفار وعدم سماع شبهاتهم ، فالقلب كلما تعرض للشبهات كلما ضعف إيمانه ويقينه ، ولا ينبغي أن يكون المسلم سمَّاعاً لمثل هؤلاء الذين يُبعدون المسلم عن دينه ويشككونه في إسلامه .

– ونسأل الله تعالى أن يشرح صدرك للإيمان واليقين ، وأن يزيدك علماً وتوفيقاً وهدى.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة