ما الأشياء التي تدخلها مشيئتنا؟
السؤال
أريد أن عرف ما هي جوانب الحياة التي يقدرها الله، وما هي الأحداث التي نتحكم فيها نحن.
مثلا: هل كتب علي بأني سأرسب في اختبار معين، بغض النظر عن مدى الجهد الذي أبذله في دراستي لتلك المادة؟
أو هل كتب علي الشخص الذي سأتزوج به، وكم سيكون عندي من أطفال؟
وهل قدر علي أيضا ما إذا كنت سأدخل الجنة أو النار؟
الجواب
الحمد لله
أولًا:
يقدر الله تعالى كل ما يحصل في هذا الكون من خير أو شر، ولا يعني هذا أنه سبحانه يحب الشر، بل إن تقديره سبحانه للأشياء يدل على كمال علمه وكمال قدرته وأنه لا يشاء أحد من خلقه شيئًا إلا وقد شاءه سبحانه أزلًا.
قال تعالى: { ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض، إن ذلك في كتاب، إن ذلك على الله يسير} [ الحج / 70 ].
وقال تعالى: { وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليماً حكيماً } [ الإنسان / 30 ].
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كتبَ الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء.
رواه مسلم ( 2653 ).
ومن علم مراتب القدر: حُلت له إشكالات كثيرة، وقد ذكرها أهل العلم:
المرتبة الأولى: العلم.
ومعناها: أن الله تعالى علم ما سيكون من أفعال خلقه، ومنها – وهو ما ذكر في السؤال – أصحاب الجنة وأصحاب النار.
ودليلها: قوله تعالى { إن الله كان بكل شيء عليمًا } [ النساء / 32 ]، وقوله { لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علماً } [ الطلاق / 12 ].
المرتبة الثانية: الكتابة.
ومعناها: أن الله تعالى كتب ما سيكون في اللوح المحفوظ.
وقد سبق الدليل من آية سورة الحج، ومن حديث عبد الله بن عمرو في صحيح مسلم.
وقال تعالى:{ ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير } [ الحديد / 22 ].
ومن هذه الكتابة ما ذكر في السؤال كتابة من سيتزوج المرأة وكم سيكون عدد أولادهما.
المرتبة الثالثة: المشيئة.
ومعناها: أنه لم يكن شيء شاءه صاحبه إلا وقد سبقته مشيئة الله تعالى، فمشيئة العبد داخلة تحت مشيئة الله وتابعة له.
ومعناها: أن مشيئة الله تعالى نافذة في كل شيء ، فلا يكون في ملكه إلا ما يشاء سبحانه.
ودليلها: قوله تعالى { وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليمًا حكيمًا } [ الإنسان / 30 ]، وقوله{ فلو شاء لهداكم أجمعين } [ الأنعام / 149 ].
المرتبة الرابعة: الخلق.
ومعناها: أنه تعالى خلق العباد وخلق أفعالهم.
ودليلها: قوله تعالى { الله خالق كل شيء } [ الزمر / 62 ]، وقوله { والله خلقكم وما تعملون } [ الصافات / 96 ].
ثانيًا:
– لا ينبغي أن يُشك في أن الله تعالى قد أعطى العباد قدرة وإرادة عليها يحاسبهم وبها يثيبهم.
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
والعباد فاعلون حقيقة، والله خالق أفعالهم، والعبد هو المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والمصلي والصائم، وللعباد قدرة على أعمالهم، ولهم إرادة، والله خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم.
انظر: ” شرح العقيدة الواسطية ” لابن عثيمين ( 2 / 218 – 220 ).
وقد نفهم من السائلة أنه إذا كان مكتوبًا للمرأة أن تتزوج من كتب الله لها أزلاً أنها توافق على من يأتي لخطبتها، وهذا فهم خاطئ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم رغب في اختيار ذات الدين للرجل، ورغَّب في اختيار صاحب الدين والخلق بالنسبة للمرأة.
ولا يعني علم الله وكتابته في اللوح المحفوظ أهل الجنة وأهل النار ترك العمل؛ وذلك لأننا لا نعلم ماذا كتب لنا وماذا قُدِّر، وكذلك لم يعلق الله تعالى دخول الناس الجنَّةَ والنارَ بعلمه وكتابته، بل علَّقه سبحانه بأعمال العباد بطاعتهم ومعصيتهم.
وما قالته السائلة كذلك أنه طالما أن الله كتب لها الرسوب فسترسب في الامتحان سواء اجتهدت في الدراسة أو لا: خطأ محض:
فهي أولًا لا تدري ماذا كتب الله لها.
وثانيًا: إن الله تعالى قد علَّق الأمور بأسبابها، فلا يكون الولد إلا من زواج ودخول، ولا يكون علم إلا بتعلم وهكذا.
فليست كتابة الله وعلمه أزلاً أنكِ سترسبين هو الذي جعلكِ ترسبين، بل إن الله تعالى علِم أنكِ لن تجتهدي – مثلًا – في الدراسة فكتب عليكِ الرسوب.
وضرب بعض العلماء لذلك مثلا جيدًا وهو:
أنه لو كان في فصل دراسي امتحان عقده معلم لتلامذته، وكان المعلم – خلال العام كله – على علم بمن هو مجتهد ومن هو على عكس ذلك، وفي أثناء الامتحان كتب المعلم أسماء الناجحين وأسماء الراسبين، ثم تبين بعد الامتحان أن الأمر كذلك، فهل كانت كتابة المعلم أسماء الراسبين هي التي جعلت الراسب يرسب؟ وهل يمكن لكِ – كوالدة مثلًا – أن تصدقي ولدكِ أن الأمر كذلك؟ أو تذهبين إلى المدرسة لتعترضي على المدرس بأن ولدكِ قد رسب لأنه كتب اسمه مع الراسبين؟
ولله المثل الأعلى فهذا كذاك.
والله أعلم.


